اسرائيل تعتبر البرنامج النووي الايراني خطراً وجودياً عليها

الخيار العسكري يزداد جدية في الغرب مع إستنزاف خيار العقوبات واستمرار الجمود

دبي- رياض قهوجي*

أجمع عدد من الخبراء والمسؤولين الغربيين، في ندوة مغلقة حول ايران، على أن استمرار جمود الوضع على حاله في الملف النووي الايراني دون أي حلول دبلوماسية فاعلة في الأفق سيزيد من احتمالات الحرب، خاصة وأن مرحلة اليد الممدودة التي بدأتها واشنطن مطلع عام 2009 قد انتهت وبدأت الآن مرحلة فرض عقوبات اقتصادية فاعلة، وهي الخيار الأخير الذي يسبق خيار الحرب. وأهم ما شهدته الندوة التي عقدت في عاصمة أوروبية هو جلسة البحث في خيارات العمل العسكري، وهو أمر لم يطرح سابقا في ندوات وورش عمل حول ايران مما يعكس درجة التشاؤم المتزايدة بين الأوساط الآوروبية والأميركية من مجرى الامور في المواجهة المتصاعدة بين ايران والغرب حول أمور عدة وفي طليعتها البرنامج النووي.

أعطى خبراء نوويون في الندوة ايجازا عن واقع البرنامج النووي الايراني وصفوه فيه على أنه متقدم ولكن لم يبلغ حتى الآن مرحلة تصنيع أسلحة ذرية. انما المعطيات المتوافرة تشير الى مكونات عسكرية مهمة له، مثل الكميات الكبيرة من اليورانيوم التي تقوم ايران بجمعها وتخصيبها، وبناء أعداد كبيرة من أجهزة الطرد المركزي من أجل رفع مستوى التخصيب، وتطور برنامج الصواريخ البالستية الايرانية الذي بلغ مرحلة الصواريخ المتوسطة المدى ويتجه نحو بناء صواريخ متعددة المراحل عابرة للقارات. ويجمع الخبراء العسكريون على أن لا فائدة من أن تقدم دولة على الانفاق الهائل في تطوير صواريخ بالستية يزيد مداها عن الف كيلومتر ان لم تكن قادرة على تزويدها برؤوس حربية غير تقليدية – نووي أو جرثومي أو كيماوي.

ويعتقد الخبراء بأن ايران تنوي تخصيب ما يكفي من اليورانيوم الثقيل لصنع ما لا يقل عن ثلاثة رؤوس نووية وتجهيز كل ما يلزم لتصنيعها لكن دون الاقدام على بنائها، أي اعتماد استراتيجية “القنبلة في القبو،” بهدف زيادة مستوى الردع ضد خصومها ومن أجل الشعور بالثقة والأمان على مستوى النظام والبقاء في المنطقة الرمادية على المستوى الدولي حيث لن يكون هناك دليل ملموس على امتلاكها السلاح النووي.

وأظهرت الندوة استمرار الخلاف في وجهات النظر حول امكانية التعايش مع ايران نووية وماهية الخيار العسكري وكيفية تطبيقه. تعتقد بعض القيادات والشخصيات الأوروبية وحتى الأميركية بأن النظام الايراني هو براغماتي، واقعي وغير انتحاري. وبالتالي لن يقدم على استخدام السلاح النووي الذي سيصبح عبئأ عليه مع الوقت. ويقول هذا الفريق أن طهران تدرك أن استخدام السلاح النووي ضد اسرائيل أو أميركا أو الغرب سيكون بمثابة عملية انتحار كون رد تلك الدول سيكون “ازالة ايران عن خارطة الأرض.” استراتيجية هذا الفريق مبنية على عزل ايران دوليا وفرض عقوبات اقتصادية قاسية؛ اما عن طريق الأمم المتحدة أو بشكل أحادي من بعض الدول، وادخال طهران في سباق تسلح ينهك خزينتها ويزيد من الانقسامات الداخلية فيها مما يؤدي لانهيار النظام.

الا أن هناك مجموعة أخرى يزداد عدد مؤيديها يوميا تقودها اسرائيل واليمين المتشدد في أميركا وأوروبا وهي تدعو لاعتماد الخيار العسكري في أقرب فرصة للحد من تنامي قدرات ايران العسكرية والنووية. ويقول الخبراء والمسؤولون الاسرائيليون أن امتلاك ايران لقدرات نووية، حتى وان كانت ضمن “قنبلة في القبو،” ستضع اسرائيل تحت خطر استراتيجي ويدفع بالعديد من اليهود الى الهجرة من اسرائيل و سيوقف هجرة اليهود اليها مما يشكل خطرا وجوديا على الكيان الصهيوني. وتقول تلك المجموعة بأن ايران ستقوم بنشر التكنولوجيا النووية في دول عربية واسلامية وربما أميركا الجنوبية، كما قد تقدم جهات أصولية ايرانية على تهريب رؤوس نووية لتنظيمات يعتبرها الغرب ارهابية مثال حماس وحزب الله. تهدف استراتيجية هذا الفريق لشن حرب شاملة على ايران لا تستهدف المنشآت النووية فقط، بل البنية التحتية العسكرية والمدنية لاسقاط النظام أو اجباره على تغيير سياساته الدولية.

ومن النقاط التي لم يتفق عليها المجتمعون هي متى سيدخل البرنامج النووي الايراني مرحلة اللاعودة التي تستدعي شن الحرب؛ هل عندما تبدأ ايران بتخصيب اليورانيوم بنسب أعلى من المستوى الحالي وهو 3.5 في المئة؟ أم عندما تبدأ بخطوات فعلية لتصنيع رأس نووي حربي؟. فلا يزال الاعتقاد سائداً بأن ايران لم تتقن بعد تخصيب اليورانيوم بشكل نقي يمكنها من تخصيبه لنسبة 95 في المئة أي المستوى العسكري. كما أنها بحاجة لما لا يقل عن سنة من العمل والتجارب بعد اتقانها تخصيب يورانيوم عالي النسبة لتصنيع رأس حربي نووي، حسب تقديرات الخبراء.

ولم يتفق المجتمعون على من يجب أن يبدأ الهجوم وكيف. هل تأخذ أسرائيل المبادرة أم تترك المهمة لأميركا وحلفائها؟ لكنهم اتفقوا أن استخدام البرنامج النووي كحجة لشن ضربات استباقية ستكون ضعيفة ولن تكون مقبولة من جانب القانون الدولي ولا من جانب الرأي العام الأميركي والغربي، خاصة بعد تجربة حرب العراق وعدم العثور على أسلحة دمار شامل هناك. ولذلك، كان هناك اجماع في الندوة على أن أي حرب مستقبلية على ايران قد تأتي نتيجة حادث أمني أو عمل ارهابي كبير أو نتيجة حرب جانبية أخرى في إحدى ساحات المواجهة في المنطقة مثل غزة أو لبنان أو حتى العراق. الوقت المرجح لأي عمل عسكري محتمل هو قبل انتهاء العام الثالث من ولاية الرئيس باراك أوباما.

نُشر في جريدة الحياة في 4 – 4 – 2010

* الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري – إينجما

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.