الأبرز

الثورة السورية تشعل حمى الحرب الباردة وتكتسب زخمها الحر الخاص

 رياض قهوجي*
تخطت الأحداث السورية المتسارعة توقعات العديد من القوى العالمية والإقليمية، وبدا كأنّ الاختلافات بين القوى العظمى على كيفية حل المسألة السورية[*] أشعلت مواجهة على طراز الحرب الباردة في حوض المتوسّط.

في الواقع، إجتمعت الأساطيل الحربية من روسيا والصين والولايات المتحدة الأميركية وبعض دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في عرض قوّة لم يشهده العالم منذ نهاية الحرب الباردة في العام 1990.

إستخدمت الصين وروسيا حق النقض 3 مرات خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية لقطع الطريق على قرارات مجلس الأمن التي تهدف إلى معالجة الوضع في سوريا. كما رفضت موسكو وبكين فرض عقوبات على نظام الأسد، أو تمرير قرارات ملزمة بموجب الفصل السابع من شرعة الأمم المتحدة، تسمح باستخدام القوة مع النظام حتى يخضع للإرادة الدولية.

وقد حذّرت الدولتان الغرب من تنفيذ أي تدخل عسكري لمساعدة قوات المعارضة على الإطاحة بنظام الأسد.

وأوضحت موسكو التي تملك قاعدتها البحرية الوحيدة في المتوسط في مرفأ طرطوس السوري، أنّها تريد حماية مصالحها في سوريا التي تشكّل آخر حليف استراتيجي ورثه الكريملن عن الاتحاد السوفيتي.

ويبدو أنّ عرض القوة الصيني-الروسي الدبلوماسي والبحري يبعث برسائل إلى المجتمع الدولي مفادها أنّ حقبة السيطرة الأميركية الأحادية القطب التي ظهرت منذ العام 1990، قد ولّت؛ وأنّه من الآن فصاعداً سيعتمد نهج القوّة الثنائية أو المتعددة الأقطاب.

ولكن في حين تعمل القوى العظمى على التهويل على بعضها البعض من خلال محاولة كلّ منها فرض إرادتها، يبدو أنّ الوضع في سوريا يتفلّت من كلّ أشكال التحكّم الذي قد تتمتع به أي من هذه الدول فيتلك المنطقة.

لقد تقدّمت التطورات في سوريا بوتيرة سريعة بحيث اكتسبت نمط حياة خاص، ولم تتأثر بالمشادات ضمن

 مجلس الأمن أو بين أفرقاء المعارضة السورية في الخارج، والذين يقودهم المجلس الوطني السوري.

وحقق الثوار السوريون المُـنتمون إلى الجيش السوري الحر انتصارات جوهرية على الأرض، خلال الأسابيع القليلة الماضية. فقد تمكّن هذا الأخير من دخول العاصمة السورية دمشق والسيطرة على معظم شوارعها، قبل أن تستعيد القوات المدرعة التابعة للنظام السيطرة على غالبية المدينة.

ولكن الأهم من ذلك، يبدو أنّ الجيش السوري الحر سيطر على معظم أحياء حلب التي تمثّل العاصمة الاقتصادية للبلد، وثاني أكبر مدينة في شمال غرب سوريا.

فقد أخرج الجيش السوري الحر قوات النظام من معظم مدينة حلب وإدلب القريبة منها، واستطاع السيطرة على جيب كبير من الأراضي على الحدود مع تركيا، تكفي لاستخدامها كمنطقة آمنة؛ وهو ما كانت المعارضة السورية تطلبه من المجتمع الدولي منذ بدء الثورة في آذار/ مارس 2011.

على الرغم من أنّ الغرب لم يحضر لإنقاذ الثوار السوريين، كما فعل مع نظرائهم الليبيين حيث مهدت طائرات حلف الناتو الطريق للإطاحة بالنظام هناك، فإنّ الجيش الحر أثبت درجة من الصمود والقوّة أعلى مما كان المراقبون يتوقعون.

ربما حقيقة أنّ الجيش السوري الحر مؤلف من عناصر منشقة عن الجيش السوري، ساعد هؤلاء على توقّع تحرّكات النظام واستخدام مخازن أسلحته للحصول على الأسلحة والذخيرة اللازمة، بالإضافة إلى ما استطاعوا الحصول عليه من السوق السوداء في الدول المجاورة، باستخدام تمويل توفره شخصيات من الثورة السورية وأخرى عربية متعاطفة مع الثورة.

يعتقد أنّ الجيش السوري الحر يملك العديد من المخبرين والعملاء في صفوف قوات النظام، ساعدوه في تحقيق أهم انتصاراته عليه، بما فيها اغتيال أربعة من أهم قادة الدفاع والأمن لديه؛ علما أن القوات السورية المنتشرة في أنحاء البلاد كافة باتت منهكة ومرهقة.

يفتقر النظام بشكل متسارع إلى الوحدات المقاتلة، نظراً لأنّ الانشقاقات المتزايدة أجبرته على احتجاز الألوية المؤلفة بمعظمها من فرق سنية غير موثوق بولائها داخل الثكنات، واعتماد أربعة أو خمسة فرق نخبة مؤلفة من ضباط وجنود علويين.

يجد نظام الأسد نفسه مجبرا على التخلي عن بعض المناطق، ليتمكن من المحافظة على قدرة التحكم بالمواقع الاستراتيجية كالعاصمة وحلب وغرب سوريا، بالإضافة إلى المنطقة الساحلية من البلاد. وقد سيطر الثوار على الجزء الشرقي القبلي من سوريا، ولم يتبقّ للنظام سوى القليل من المواقع، تماماً كما هي حال الجزء الجنوبي من البلاد.

وقد خسر النظام أيضاً العديد من المعابر الحدودية مع العراق وتركيا، وهو على مشارف خسارة معبره مع الأردن في الجنوب.

في هذه الأثناء، بدأت تركيا بحشد فرقها على كامل الحدود مع سوريا، في إطار ردة فعل على تطورين كبيرين،

 

 وهما: معركة حلب التي سببت تدفق اللاجئين السوريين إلى تركيا، ووقوع المناطق الكردية في شمال شرق سوريا في أيادي الميليشيات المسلّحة المتحالفة مع حزب العمال الكردستاني -العدو الأول لتركيا.

وقد كان المسؤولون الأتراك يهددون بالتدخل لإيقاف سفك الدماء في سوريا خلال السنة الماضية، ولكن حتى يومنا هذا يبدو أنّ القادة الأتراك يقطعون وعوداً بدون أي أفعال على أرض الواقع، على الرغم من إغراق مقاتلة تركية على يد قوات الدفاع الجوي السورية منذ ستة أسابيع.

وقد حذرت إيران، حليف سوريا الاستراتيجي، أنقرة من أي تدخل في سوريا.

وأعلن أنّ الزيارة التي قام بها مؤخراً وزير الخارجية السوري، وليد المعلّم، إلى طهران، هدفت إلى طلب المساعدة من هذه الأخيرة في التغلّب على الضغط الداخلي والخارجي المتصاعد على نظام الأسد. حتى أنّ بعض التقارير تحدثت عن رغبة دمشق بتنفيذ وثيقة الدفاع المشترك الموقّعة بين الدولتين منذ عامين.

ومع قطع طرق الإمداد بين طهران وسوريا، عبر العراق أو البحر، بسبب وقوع المعابر الحدودية في أيدي الجيش السوري الحر، والإجراءات الجديدة المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي للسيطرة على الأسلحة التي يتمّ إدخالها إلى سوريا، تبقى الطريقة الوحيدة هي الجو. غير أن إيران تمتلك قدرات لوجستية محدودة في هذ المجال، وتستطيع نقل فرق وأسلحة خفيفة وذخيرة فحسب جوّاً إلى سوريا.

لذا يعتقد المراقبون أنّه لم يتبقّ لإيران سوى وسيلتين لدعم النظام عسكريّاً: استخدام ترسانتها من الصواريخ البالستية ضد الجهات التي قد تتدخل عسكريّاً ضد سوريا، أو إرسال فرق جويّاً لاستخدامها في القتال ضد الجيش الحر وقوات أجنبية أخرى. ومن الممكن أن تستخدم الفرق الإيرانية المعدات المدرّعة والتجهيزات الموجودة في مخازن الجيش السوري، والغير المستخدمة بسبب النقص في "القوات المخلصة للنظام".

تجدر الإشارة إلى أنّ الأسد قد سأل طهران مراراً فتح جبهات أخرى في المنطقة، لاسيما في جنوب لبنان من خلال حزب الله، بهدف تخفيف الضغط عنه. ولكن، وبحسب المصادر العسكرية والسياسية في لبنان، فقد رفض حزب الله هذا الطلب ولم تمارس إيران أي ضغط على حزب الله ليستجيب لرغبة الأسد.

ومع توقّف طرق الإمداد من إيران إلى سوريا، ونظراً لارتفاع التوتر المذهبي بين السنة والشيعة في لبنان، لا يُعتقد أنّ حزب الله الشيعي معني بأي مواجهة مع إسرائيل. أما من جهتها، فمن غير المتوقع أن تضحي إيران بأهم قوّة لها -وهي حزب الله- لإنقاذ نظام يحتضر في سوريا.

ونتيجة لشعور الجيش الحر المتزايد بالثقة ومعنوياته العالية، فإنّه يتحرك سريعاً نحو فرض سيطرة أكبر على الأرض، وحتى البدء بالتخطيط لمرحلة ما بعد الأسد، بدون التأثّر بأي ضغط من الخارج.

تجدر الإشارة إلى أنه لاتزال توجد نافذة ضيقة للقوى العظمى كي تستطيع استعادة التحكم بالوضع في سوريا، إذا ما تحركت بسرعة داخل مجلس الأمن.

فمن ناحيتها، دعت باريس مجلس الأمن إلى عقد اجتماع في الأيام القليلة المقبلة، على مستوى وزراء الخارجية، للتباحث بموضوع "انتقال السلطة في سوريا". ومع انعقاد هذا الاجتماع ومحاولة حل الخلافات والاتفاق على خطة الانتقال المشتركة، فإنّ الأحداث على الأرض تتكشف وتتطور بلاهوادة، دون أدنى تأثر بما يجري في الخارج.

ومهما يكن ما سيتفق عليه المجتمع الدولي، فقد يكون غير قابل للتطبيق؛ لأنّ الأحداث قد تخطت ببساطة هذه الاقتراحات.

في الواقع، ستكون روسيا والصين الخاسرين العالميين الأكبر، لأنّه وبغض النظر عن كيفية تطوّر الأحداث، سواء تمت الإطاحة بالنظام السوري بكامله أو بجزء منه، فإنّ علاقة كل منهما مع سوريا والعالم العربي لن تكون نفسها مجدداً.

وستثبت الأحداث المستقبلية أنّ الدولتين اختارتا المطالبة بمكانيهما كقوتين عظميين وإنهاء الأحادية القطبية الأميركية، في الوقت غير المناسب ولسبب غير صحيح.

قد تثبت الثورة السورية أنّها الانتفاضة الوحيدة التي لم تتمكن القوى الأجنبية من رسم نتائجها، إما لأنّها تأخرت كثيراً أو لأنها كانت أكثر تردداً من أن تتصرّف.

أمّا الشيء الوحيد المؤكد فهو أنّ نظام ما بعد الأسد سيؤسس لنظام إقليمي جديد ضمن نظام عالمي جديد محتمل.

*الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري – إينجما

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.