تورّط حزب الله وإيران في سوريا: تحرّك مدروس أم فخ؟

عدد المشاهدات: 1136

رياض قهوجي*
بعد مرور نحو عامين على بدء الصراع السوري العنيف والدموي المستمرّ الذي يعصف بالبلاد، قد تتخذ الثورة السورية اليوم طابع المواجهة الحاسمة[*] بين النظام المسلم العلوي الذي يحظى بدعم إيراني، والثوار المدعومين من الغرب، وهم بمعظمهم أحزاب سنية ومقاتلين.

ويشير تعاظم المعارك على الجبهات في جنوب حمص وغرب دمشق إلى الدعم المتزايد الذي تقدّمه إيران وحليفها اللبناني الشيعي المسلح، حزب الله. وقد أرسل هذا الأخير بحسب مصادر أمنية لبنانية “جنود النخبة” لمساعدة النظام السوري على استئصال الثوار من منطقة القصير، جنوب حمص وعلى الحدود الشمالية الشرقية للبنان.

وأضافت المصادر أنّ مجموعات مسلّحة أخرى داعمة للنظام السوري في لبنان، بما فيها بعض الفصائل الفلسطينية، قد تدخّلت أيضاً لتقديم المساعدة لقوات النظام في غرب العاصمة دمشق. مع الإشارة إلى أنّ حزب الله قد أقرّ بأنّ إرسال مقاتلين إلى سوريا يتم تحت ذريعة حماية المدنيين اللبنانيين الذين يسكنون في المناطق الحدودية بالإضافة إلى بعض المواقع الدينية بالقرب من دمشق.

من جهتها أفادت وسائل الإعلام اللبنانية خلال الأسبوع الماضي أنّ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله زار طهران مؤخراً وقد عرضت صورة له مع القائد الأعلى الإيراني آية الله الخامنئي. ويعتقد محللون إقليميون أنّ إيران قرّرت إلقاء ثقلها لدعم النظام السوري تماماً ومضاعفة مساعدة القوات السورية التي كانت تعاني من خسارة الأرض على العديد من الجبهات في الدولة.

وقد تحدّثت تقارير الاستخبارات عن تدفق مئات ملايين الدولارات شهرياً من طهران إلى الخزينة السورية من أجل السماح للنظام بتسديد الرواتب بعد أن خسرت البلاد حقول النفط التابعة لها ومصادر العائدات الأخرى.

ويبدو أّنّ إيران تأمل، من خلال تدخلها في سوريا، تحقيق الأهداف التالية:

1- تأخير وتفادي انهيار النظام السوري إن أمكن ذلك، إذ يعدّ هذا النظام حليفها الاستراتيجي الوحيد في العالم العربي. في الواقع، شكّلت سوريا جسر عبور إلى العالم العربي بالنسبة لإيران، وتمكّنت طهران من خلاله، من تحقيق تأثير قوي على لبنان وعلى الأراضي الفلسطينية وتوسيع نطاقها ليبلغ حوض البحر المتوسط والحدود الإسرائيلية. فالقادة الإيرانيون يعرفون أن فرص بقاء نظام الأسد ضئيلة، وهم يريدون على الأقل شراء الوقت قدر الأمكان على أمل أن تساعد جهود حلفاء سوريا الآخرين، وهم روسيا والصين، في التوصل إلى تسوية مع الغرب والتأمين على مصالح إيران في نظام سوري جديد.

  إيران تختبر صاورخاً بالستياً بمدى 2000 كم وبهامش خطأ 8 أمتار

2- التحضير للخطة “ب” والتي تقتضي بإقامة كانتون طائفي علوي على الساحل الغربي من سوريا. فقد توفّر السيطرة على معظم إقليم حمص وغرب دمشق “للكانتون العلوي” جسر اتصال بالمناطق اللبنانية الواقعة تحت سيطرة حزب الله في سهل البقاع اللبناني، وعمقاً جغرافياً لكلا المنطقتين (البقاع والكانتون) بعيداً عن مدفعية الثوار.

3- يهدف توقيت العمليات العسكرية الكبيرة في حمص وغرب دمشق إلى استباق “معركة دمشق الكبرى” المتوقّعة منذ زمن بعيد. إذ تحدّثت تقارير استخباراتية عن تدفّق آلاف الثوار من مناطق الجنوب والشرق نحو العاصمة لبدء الهجوم الكبير على قوات النظام في العاصمة، في وقت مبكر من هذا الصيف. وقد توصّل الثوار إلى السيطرة على معظم ضواحي العاصمة بالإضافة إلى المداخل الجنوبية وبعض المداخل الشمالية لدمشق، والطريق نحو مطار المدينة والطريق العام نحو الجنوب. يشار إلى أنّ الكثيرين يعتقدون أنّ انهيار العاصمة سيعني سقوط النظام.

4- إعطاء النظام السوري جرعة أدرينالين بهدف رفع معنوياته المتراجعة ضمنياً وبين حلفائه وحلفاء إيران في المنطقة وبخاصة العراق ولبنان. فقد أطلقت مكاسب الثوار اليومية والخلل المتنامي في صفوف النظام السوري صفارات الإنذار لدى حلفاء المحور الإيراني، وازداد القلق من أن يتخلى البعض عن موقفه وينتقل إلى المقلب الآخر. وتزامن الهجوم الذي نفذه النظام السوري بقيادة حزب الله في حمص مع اجتماع تم الترويج له على نحو واسع عقده الرئيس السوري بشار الأسد مع عدد من حلفائه السياسيين في لبنان. وقد اقتبس أحد المشاركين عن الأسد حديثه عن نصر واعد.

ولكنّ تورط حزب الله المباشر والمتزايد في المستنقع السوري لا يحظى بالدعم الكامل من قاعدة الحزب الشيعية في لبنان، إذ يزيد هذا التورط من التوتر الطائفي المتزايد مع الطائفة السنية في لبنان، ويقرّب البلد أكثر من حرب أهلية متجددة.

  التطلعات الكردية قد تشعل الحروب في المنطقة

كذلك يتساءل عدد كبير من الشيعة اللبنانيين لماذا يتم إرسال أبنائهم للتضحية بهم بغية إنقاذ نظام سوري ميت. لذلك على الأرجح شدّد القادة في حزب الله خلال خطاباتهم على أنّهم يرسلون المقاتلون “لحماية المواطنين اللبنانيين والمواقع الشيعية في سوريا”، وليس النظام السوري.

ولكن المخاوف تُساور بعض السياسيين الداعمين لحزب الله ، إذ يعتبرون أنّ إيران وحزب الله قد يكونان في طور الوقوع في فخ إسرائيلي- أميركي مدبّر ومحاك، عبر تحويل المسرح السوري إلى أفغانستان جديدة. وقال مسؤول سياسي لبناني موالٍ لحزب الله: “إننا نواجه في سوريا اليوم سيناريو مشابه لذلك الذي ساد في أفغانستان خلال الاحتلال السوفياتي في السبعينات.” وأضاف المسؤول نفسه: “يتدفق العديد من الجهاديين والمقاتلين المسلمين السنّة نحو سوريا عبر دول يدعمها الغرب كالأردن وتركيا، ويتم الإلقاء بهم في معارك ضد العلويين والقوات المسلمة الشيعية، الأمر الذي قد يستمر لسنوات عدة.”

وأردف قائلاً: “سيتم في النهاية إغراق حزب الله وإيران في حرب استنزاف في وقت تعاني فيه إيران من عقوبات اقتصادية صعبة فرضها المجتمع الدولي والغرب بسبب ملفها النووي. إنّه السيناريو المثالي لفرض انهيار النظام الإيراني بالأسلوب نفسه الذي ساعدت فيه حرب أفغانستان على إنهاك الاتحاد السوفياتي وتسببت بانهياره.”

وأشار إلى أنّ إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية متحمسة لرؤية حزب الله وحلفائه مذبوحين من قبل عدو الغرب اللدود: الجهاديون التابعون للقاعدة. ويعتقد المسؤول نفسه أنّ قيادتي حزب الله وإيران ربما تريا سيناريو أفغانستان ولكنهما تعتقدان أنهما تستطيعان السيطرة على الوضع وتفادي الانجرار إلى حرب إنهاك قوى فتاكة.

على الرغم من ذلك، فإن حزب الله قد وضع حدوداً للمدى الذي يصل إليه وحتى متى، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة في لبنان، حيث يصبح المجتمع السني أكثر تطرفاً وتبدأ الميليشيات السنية بالظهور في شمال لبنان وجنوبه وأجزاء من بيروت. فقد وافق حزب الله طوعاً على استقالة حكومة تم اعتبارها خاضعة له بشكل كبير، ودعم تعيين شخصية سنية شعبية تدعمها المملكة العربية السعودية والغرب لتشكيل الحكومة المستقبلية.

  أوباما... نعم لوحدة أوروبا وألف نعم لتفكك سوريا

ويعتقد المحللون أنّه هذه المواقف تشكل ربما خطوة يقوم بها حزب الله لحماية ظهره داخلياً من أي ردّة فعل عنيفة يكون سببها التورط العسكري المتنامي في الصراع السوري.

إنّ تواجد حكومة قوية مدعومة من المملكة العربية السعودية والغرب ويتمثل فيها حزب الله سيوفر الغطاء السياسي المناسب لتحركات الحزب في سوريا ويحافظ على السلم الأهلي الداخلي اللبناني.

ولكنّ تحركات حزب الله في سوريا ستشكل أكبر تحدٍ أمني لرئيس الوزراء المكلّف الجديد تمام سلام وحكومته المستقبلية. إذ يرى بعض المحللين الأمنيين أنّ حزب الله سيحاول الحد من ضرر تدخّله في الشأن السوري من خلال محاولة تحقيق أكبر كمية من المكاسب العسكرية السريعة في سوريا، ثم يعيد الأراضي التي استرجعها من الثوار إلى الميليشيات العلوية التابعة للنظام السوري والتي خضعت للتدريب الإيراني.

كما تشير المصادر أيضاً إلى أنّ حزب الله سيخفض الضرر إلى أدنى حد من خلال تنفيذ عمليات تدخل عسكرية سريعة وفعالة، ومخارج، وسيتفادى المعارك المطوّلة التي قد تؤدي إلى مشاكل في لبنان. ويوضح أحد المصادر الاستخبارية أنّ “استراتيجية حزب الله في الحرب في سوريا ستتركز على الهجوم بسرعة والأسر والتمشيط والتسليم والانسحاب من أجل تفادي ردّ فعل عنيف وامتداد الأزمة إلى لبنان.” لكنّ التاريخ علّمنا مراراً أنّ دخول الحرب سهل أمّا الخروج منها، فهذا هو الجزء الأصعب.

* المدير التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري (إينجما)

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.