تفادي الكوارث : اللاجئون السوريون وقضية المناطق الآمنة

رياض قهوجي*
بينما كان الممثلون عن الأفرقاء السوريين المتحاربين، يقضون ساعات غارقين في ما يطلق عليه اسم “حوار الطرشان” والقوى الدولية[*] تراقب كل ذلك من بعيد، لم تتوقف عمليات إراقة الدماء والأعمال التي تصل إلى مستوى جرائم الحرب والإبادة الجماعية في سوريا عن متابعة مسارها الدامي. فقد تواصلت معاناة ما يقارب التسعة ملايين من أولئك الذين شردتهم هذه الحرب الضارية فنزحوا إلى البلدان المجاورة التي ترزح هي الأخرى تحت وطأة مشاكلها الأمنية والاجتماعية – الاقتصادية. فقد وصل الوضع في سوريا إلى مستويات كارثية، علماً أنه ليست هنالك في الأفق أية حلول عملية قابلة للتطبيق. وقد وصل عذاب اللاجئين ومعاناتهم إلى الذروة وبخاصة أولئك الذين التجأوا إلى مخيمات موقتة ويتعرضون للبرد والصقيع والأمراض وسوء التغذية.

تعتبر روسيا الدولة المؤيدة بقوة للنظام السوري، وقد أوضحت بطريقة لا يرقى إليها الشك بأنها لن تدع مجلس الأمن يصدر أي قرار قد يؤدي إلى إنهاء الحرب في سوريا عبر استعمال القوة، وأنها لن تسمح حتى بإصدار أية إدانة لتصرفات هذا النظام ضد شعبه. وقد قررت كل من الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا تجنب أي تدخل عسكري أيضاً – حالياً على الأقل- وتعهدتا بإيجاد حل دبلوماسي للقتال ما بين هذين الفريقين المصممين على ما يبدو على القتال المرير حتى النهاية. لذا سيضطر الشعب السوري، وخصوصاً اللاجئين السوريين أن يتحملوا وطأة هذا المأزق السياسي ويعانوا من تداعيات النظام الدولي الفاشل.

ولكن ما يجعل المسالة أكثر سوءاً هو حجم الدمار الهائل الناجم عن القصف الذي تنفذه القوات الجوية والمدفعية التابعة للنظام والذي يطال المدن والقرى السورية ليحول المناطق والمقاطعات والأحياء السورية إلى ركام.

وقد عرضت منظمة رصد حقوق الإنسان (Human Right Watch) في الثلاثين من شهر كانون الثاني/ يناير الماضي صوراً تم التقاطها بواسطة الأقمار الاصطناعية، تظهر أحياء كاملة من بعض المدن السورية وقد دمرتها قوات النظام السوري كعقاب جماعي للسكان على قيامهم بدعم الثوار. لذلك، حتى لو انتهت هذه الحرب اليوم، فلن يكون لملايين اللاجئين السوريين منازل يعودون إليها وسيستمر وضعهم كنازحين حتى يتم بناء منازل جديدة لهم، الأمر الذي قد يستغرق سنوات عدة. ويقدر وزير المالية في الحكومة الثورية السورية كلفة إعادة إعمال البلد بحوالى 100 مليار دولار وهذا المبلغ قابل للارتفاع مع احتدام الأعمال الحربية المستعرة على كامل رقعة البلاد.

يوجد في لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري وهم لا يزالون يتدفقون إلى هذا البلد بوتيرة جعلت وكالة غوث اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تتوقع أن يزداد عددهم ليصل إلى المليون ونصف في نهاية العام الحالي بحيث يشكل الأطفال أكثر من نصف هذا العدد. ولأسباب سياسية داخلية، لم تقم الحكومة اللبنانية ببناء مخيمات منظمة لإيواء هؤلاء على غرار ما فعلته كل من تركيا والعراق والأردن لذا فهم يلجأون إلى مخيمات صغيرة متناثرة هنا وهناك أوجدتها لهم بعض الجهات غير الحكومية وبعض المجموعات والجمعيات الخيرية وبالتالي فإن وصول المساعدات الى هؤلاء لا يحصل بصورة منتظمة. وهم يعيشون بدون كهرباء ويعانون حياة متوترة الأمر الذي أدى إلى تزايد حالات الاغتصاب والاعتداء على الأطفال وعمالة الأولاد وغيرها من الأنشطة الإجرامية الأخرى. ويعتقد العديد من المسؤولين الأمنيين اللبنانيين أن مجموعات إرهابية متطرفة قد تجد ملاذاً آمناً في مدن الصفيح تلك كما أنها قد تجد مرتعاً خصباً لتجنيد أعضاء جدد لها.

هذا، ويقدّر عدد اللاجئين السوريين اليوم ما يوازي ربع سكان لبنان مما يشكل أخطاراً أمنية واقتصادية هامة على هذا البلد الصغير بحسب ما صرح به أحد المسؤولين الأمنيين اللبنانيين. ويقول وائل أبو فاعور، وزير الشؤون الاجتماعية في الحكومة اللبنانية، إن اللاجئين السوريين قد كلفوا لبنان أكثر من 7 مليارات دولار أميركي.

أما الأردن، فقد هرب إليه ما يقارب 580 ألف لاجئ سوري لغاية أوائل العام 2014، وقد تم إسكان 127 ألف منهم في مخيم الزعتري الذي قامت الحكومة الأردنية ببنائه. وتجدر الإشارة إلى أن عدد اللاجئين السوريين في هذا البلد لا يتعدى نسبته الـ 10 بالمائة من عدد الشعب الأردني. وقد سكن العديد من هؤلاء اللاجئين لدى أقربائهم الأردنيين، في حين لجأ عدد كبير منهم الى الخيام. هذا، وقد تم ضخ عشرات الملايين من الدولارات إلى الأردن لمساعدة أولئك اللاجئين الذين لا يزالون يواصلون التدفق إلى هذا البلد. وفي هذه الحالة أيضاً، أكثر من نصف هؤلاء اللاجئين هم من الأولاد الذين لا تتعدى أعمارهم سن السابعة عشرة. وقد كان على القوى الأمنية الأردنية في العديد من المناسبات أن تقتحم المخيم المذكور لقمع أعمال الشغب بالإضافة إلى النظر بالأنشطة الإجرامية مثل الاغتصاب والسرقة والاعتداء على الأطفال. وما يقلق قوات الأمن الأردنية أيضاً هو قيام الجماعات الإسلامية المتطرفة بإيجاد ملاذ لها ما بين هؤلاء اللاجئين، مما ما قد يشكل تهديداً خطيراً لهذا البلد. ومن المنتظر أن يصل عدد اللاجئين السوريين في الأردن حتى نهاية العام الحالي إلى 750 ألف نسمة إذا ما استمرت الحرب في سوريا.

سعى حوالى 700 ألف لاجئ سوري إلى إيجاد مأوى لهم في تركيا، وهنالك 215 ألف لاجئ منهم يعيشون في 22 مركزاً أمنياً وضع خصيصاً لحمايتهم في 10 أقاليم مختلفة. كما أن هناك حوالى نصف مليون لاجئ يقيمون خارج المخيمات. وقد أنفقت الحكومة التركية ما يزيد عن الملياري دولار أميركي لتأمين حاجات هؤلاء كما أنفق المجتمع الدولي 150 مليون دولار على اللاجئين السوريين في تركيا. هذا ولا يزال المزيد من السوريين يجتازون الحدود التركية مع استمرار احتدام وطيس المعارك إلى الناحية الأخرى من الحدود.

وثمة حوالى 400 ألف لاجئ سوري هربوا إلى العراق، 90 ألف منهم ذهبوا إلى الإقليم الكردي. وتم إسكان غالبية هؤلاء اللاجئين في مخيمات بنتها السلطات العراقية والكردية بمساعدة من منظمات الإغاثة الدولية. وتجدر الإشارة إلى أن العراق كان ولا يزال يعاني من نشاطات الإسلاميين المتطرفين المرتبطين بالقاعدة الذين يجتازون الحدود وينشرون العنف والإرهاب في محافظة الأنبار. وهنا أيضاً نجد أن مسألة اللاجئين ستجعل مكافحة المجموعات الإرهابية أكثر صعوبة لقدرة هؤلاء على الاندماج باللاجئين واستغلال معاناتهم لمصلحتها الخاصة.

وبالإضافة إلى كل هذه الأحداث، هناك مسألة نزوح الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من مخيماتهم الكائنة في سوريا. فعشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من مخيم اليرموك الكائن بالقرب من مدينة دمشق وقعوا في مرمى النيران المتبادلة. وهرب الآلاف منهم إلى البلدان المجاورة بينما بقي الآخرون بين فكي المصيدة محاصرين في المخيم المذكور يقضون من الجوع ناهيك عن العديد من الأمراض الأخرى.

أما الملايين الثمانية المتبقية من السكان السوريين، فقد أصبحوا مشردين ويسكنون مع أقربائهم أو في مخيمات مؤقتة تنتشر على كافة الأراضي السورية. وحتى أن البعض منهم التجأ إلى الكهوف للهرب من وطأة القتال الذي تحول إلى عملية تطهير عرقي في بعض الأماكن القريبة من مدينة حمص. وقد تفاقم القتال الدائر ما بين النظام السوري والثوار، وأخذ شكل حرب أهلية طائفية سنية- علوية، وقد قامت قوى إقليمية ودولية بدعم الفرقاء المتحاربين.

يبدو أن هذه المعضلة ستحتاج للكثير من الوقت قبل أن يتم إيجاد حلّ دبلوماسي لها. ولكن، حتى ذلك الحين، على المجتمع الدولي أن يقوم بتخفيف حدة معاناة السوريين النازحين والمشردين بالإضافة إلى خفض عوامل الأخطار المرتبطة بقيام المجموعات الإسلامية المتطرفة بالتسلل إلى داخلهم واستغلالهم لمآربها، وخفض الضغوط المترتبة على البلدان المجاورة.

وعلى القوى الدولية أن تبحث على الحلول للمسائل الإنسانية بمعزل عن المسائل السياسية الحاصلة ما بين الندّين السوريين في مؤتمر جنيف. فالعالم لا يستطيع أن يترك هذه الفاجعة الإنسانية أمام المفاوضين في جنيف فقط ليجدوا الحلول المتعلقة بمسألة اللاجئين لأن كل طرف منهم يبحث عن تحقيق النصر الكامل والنهائي على الطرف الآخر كونهم لا يثقون ببعضهم البعض ولا يملكون آلية يمكنهم الاعتماد عليها لتطبيق ما قد يتفقون عليه.

وبالتالي فإن على مجلس الأمن أن يتدخل لإصدار قرار لخلق مناطق آمنة لإنشاء مخيمات للاجئين على الحدود السورية مع تركيا ولبنان والعراق والأردن وجعل هذه المخيمات تقع على الناحية السورية من الحدود حيث يكون ذلك ممكناً. ومن الضروري وضع مخيمات اللاجئين تلك تحت إمرة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة وجعلها خارج سيطرة القوات السورية النظامية أو الثوار. كما يجب على الوكالات التابعة للأمم المتحدة أن تتولى القيام بكافة الشؤون العائدة لطريقة عيشهم وأمنهم داخل هذه المخيمات، بينما يتم حلّ المسائل الاجتماعية أو القضائية بموجب القانون السوري أو قوانين الدول الأخرى المضيفة بحسب موقع هذه المخيمات. ويجب على هذا القرار أن يبقى بعيداً عن المسائل السياسية والاكتفاء فقط بتناول ومعالجة الأمور الاجتماعية والإنسانية من أزمة اللاجئين.

وعلى هذا القرار أن يقوم بخلق مناطق آمنة داخل بعض المدن المحاصرة التي قد تتعرض للتطهير العرقي مثل كل من حمص واللاذقية. كما يجب منع النظام السوري وبعض القوى الإقليمية الأخرى المشتركة في النزاع من خلق قطاعات طائفية في سوريا والمحافظة على وحدة سوريا للحؤول دون “بلقنة” هذه المنطقة.

من الواضح أنه يجب على المجتمع الدولي أن يتحرك بسرعة للقيام بتسكين آلام الملايين من الناس ومنع تفاقم أخطار التهديدات الأمنية التي تفرضها المجموعات المتطرفة التي تندس ما بين اللاجئين. ويجب أن لا نتقبل جرائم الحرب والإبادة الجماعية في سوريا. علاوة عن ذلك، فإن الوضع الحالي للاجئين قد يجتذب عصابات الجريمة المنظمة المتورطة في الاتجار بالرقيق الأبيض لاستغلال النساء والأطفال جنسياً لذا فإن التهديدات أصبحت متعددة الأبعاد، والمعاناة الإنسانية قد تعدت الحدود، الأمر الذي يتطلب قيام مجلس الأمن باتخاذ إجراءات سريعة في هذا الصدد. فقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يقف إلى جانب الشعب السوري الذي عانى لوقت طويل من تراخيه خلال السنوات الثلاثة الماضية.

* المدير التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري -إينجما

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.