تصاعد وتيرة الصراعات غير المتماثلة والتدخل الخارجي يعيقان بناء الجيوش..اليمن نموذجاً

العميد م. ناجي ملاعب
يصنف اليمن في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية من حيث انتشار السلاح الفردي. وبالرغم من انتشار السلاح [*] الفردي والمتوسط بين الناس والقبائل وبالرغم من بقاء الحراك الشبابي اليمني في الساحات والشوارع الرئيسية لفترة طويلة امتدت لأشهر وأثمرت وفاقاً على يمن جديد بفضل مبادرة دول مجلس التعاون الخليجي، فإننا لم نلمس لدى الشعب جنوحه الى استخدام السلاح، ما خلا الحالة المستمرة في النزاع مع الحوثيين أو الحرب المعلنة على تنظيم القاعدة.

ومن غير المفاجئ أن الدولة لم يكن لديها احصاء للأسلحة الرسمية لقوات الشرطة والجمارك والجيش؛ فعدد المنتسبين المسجلين في حرس الحدود وحده يساوي 24000 رجلا، لا قيود لهم أو لأسلحتهم. إذ أن معظم الولاء الذي كان يحصل عليه الرئيس السابق علي عبدالله صالح، كان بسبب ارضائه شيوخ القبائل بالتوظيف الوهمي واغداق المال عليهم لشراء أو استيراد السلاح للقبيلة.

لقد مكنت القوانين المتساهلة بالإتجار بالأسلحة التي كانت في العهد السابق، القوى العشائرية والمذهبية من امتلاك قدرات عسكرية تضاهي إن لم يكن تفوق الجيوش النظامية. وهذا يقوّض احتكار الدولة للإستخدام الشرعي للقوة ويسمح بمقولة الأمن بالتراضي بحيث لا مجال لضبط الأمن والنظام ومواجهة التهديدات الأمنية، وبالتالي أضعف الدولة من القيام بمهامها الأساسية.

وحملت الأشهر الأولى لأنتفاضة اليمن انقسام الجيش اليمني الى جيشين؛ جيش أنصار الثورة الذين أعلنوا انشقاقهم وانتصرت لهم قبائل وجماعات، و"جيش العائلة" الموالي للرئيس وفق تسمية قوى الإنتفاضة. وشهدت مدن اليمن اشتباكات محدودة بين الجيش والمنشقين عنه وداعميهم من انصار الثورة.

ومن أهم ما تضمنته مبادرة مجلس التعاون الخليجي في 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2011 تشكيل لجنة لإعادة هيكلة الجيش وانهاء انقسامه، بحيث تبدأ أولى مهامها بوضع إستراتيجية التصورا ت الأولية لإعادة هيكلة القوات المسلحة، وإصدار قانون تنظيم القوات المسلحة تحدد فيه الأسس والتكوينات ومهام مختلف القادة والهيئات، وتوصيف الوظائف. يصار بعدها الى تقدير الحاجات من السلاح والذخائر وفق خطة التوزيع على المناطق والأقاليم.

إن ما جرى تنفيذه حتى الآن من خطة توحيد الجيش واعادة هيكلته يكتسب أهمية كبيرة، فهو يساهم في بناء الثقة بين القوى السياسية والاجتماعية المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، ويساهم في التأسيس لبناء دولة مدنية مبنية على نظام المقاطعات.
ويبدو ان النظام الفيدرالي قطع شوطاً كبيراً في اتجاه القبول به حلاً للكيانات التي لم تألف نشوء الدولة سواء بشقيها السابقين – الشمال والجنوب – أو بعد الوحدة. وهي احدى نتائج خطوات الوفاق اليمني من خلال مؤتمر الحوار الذي تواكبه عناية هامة من مجلس التعاون الخليجي والمندوب الدائم للأمم المتحدة في اليمن. وفي محاضرة له في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت الشهر الماضي أشاد الدكتور عبد الرحمن الأرياني (رئيس وزراء سابق في اليمن) اشاد بانجازات مؤتمر الحوار باعتماد اليمن ستة مقاطعات، بحيث :" أن النزاع يمكن التعبير عنه كلامياً وليس بالسلاح".

أثمرت التشكيلات الميدانية واعادة هيكلة الجيش التي قادها الرئيس اليمني، كما أسلفنا، لكن تداخل مصالح القوى الدولية في مواجهة الجماعات الإرهابية أدخلها طرفاً ثالثاً في الصراعات الداخلية. فالتدخل الأميركي لمكافحة تنظيم القاعدة في محافظات شبوة وأبين ومأرب من خلال الطائرات دون طيار رد عليه التنظيم في المقابل، بتدبير عمليات انتقامية في المكلا وقرب القصر الرئاسي والقيام بسطو مسلح على مدينة سيئون في حضرموت استهدف مصارف حكومية وخاصة.

كذلك فقد دفع الجيش اليمني الفتي مؤخراً الثمن غالياً بعدم قدرته الدفاع عن محافظة عمران والتي احتلتها جماعات الحوثيين. ورُسمت علامات استفهام أمام دور الجيش وانتماءات قادته في المحافظة الى الولاءات السابقة، وعدم نجدته أو تعزيزه مركزياً. والكرم الذي أبداه زعيم الحوثيين باستعداده اعادة المحافظة الى إمرة وزارة الدفاع.

وفي سبيل مواكبة التوافق اليمني الذي انتجه الحوار الوطني ومن أجل ضمان استدامة فعالية خطة توحيد الجيش واعادة هيكلته، ينبغي التنسيق بين لجنة الشؤون العسكرية وفريق القوات المسلحة والأمن في مؤتمر الحوار الوطني، من أجل تقديم مقترحات بنصوص تشريعية )دستورية وقانونية(، تشترط أن تحظر على الدولة استخدام أي قوات شعبية أو فتح مجال عقد صفقات أسلحة لغير أجهزة القوات المسلحة، وإخضاع القوات المسلحة لأجهزة الرقابة والمحاسبة ومكافحة الفساد، وتأسيس آليات مؤسسية تضمن تفعيل هذه المبادئ على مستوى الواقع.

هل ينجح بناء الجيش وفق القوانين الداخلية التي ذكرناها، بوجود السلاح بيد الجماعات والقبائل، بالإضافة الى الإجازة للعمليات الأميركية بواسطة الطائرات المسيرة عن بعد مواصلة حربها ضد القاعدة فوق سماء اليمن؟
 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate