الأبرز

على الولايات المتحدة الأميركية أن تربط استقرار العراق السياسي بأية ضربة عسكرية قد تشنها لتفادي حرب طائفية

رياض قهوجي*
الوضع الراهن في العراق هو في الحقيقة أكثر تعقيداً وخطورة مما يبدو عليه ظاهرياً. فثمة ما هو أعظم من مجموعة إسلامية متطرفة تقوم بهجمات كبيرة [*] مفاجئة بالإضافة إلى قيامها باحتلال مساحات كبيرة من هذا البلد، إذ أنه من المؤكد أن ما يحدث فعلاً، هو حرب طائفية كانت ولا تزال تعصف بالبلاد وبالمنطقة على مدى السنوات القليلة الماضية؛ وكما يمكن القول بأنها نتيجة لقيام الحكومة العراقية بتهميش الأقليات من المسلمين السنُّة على مدى السنوات الست الماضية؛ بالإضافة إلى كونها نتيجة الحرب الباردة التي يتم تصعيدها بين إيران الفارسية ذات الأكثرية الشيعية السائدة وبين الأكثرية السنية السائدة في البلدان العربية المجاورة خصوصاً في منطقة الخليج.

الولايات المتحدة توازن أحمالها قبل القيام باتخاذ أية إجراءات حيال مقاتلي ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام وتختصر بكلمة (داعش)، الذين يقتربون بخطوات حثيثة من العاصمة العراقية بغداد، لأنه من الحكمة أن تقوم أميركا بدراسة كافة الوقائع قبل القيام بأي تحرك قد يؤدي إلى توريط واشنطن ودخولها في مستنقع حرب عرقية/ مذهبية قد تقوض مصالحها ومصالح حلفائها في منطقة الشرق الأوسط.

فالحكومة العراقية بقيادة رئيس الوزراء نوري المالكي تخوض منذ سنوات صراعاً دامياً مع زعماء القبائل السنية في المنطقة. فقد كانت الولايات السنية المتعددة التي تقيم في المناطق الوسطى والشمالية من البلاد تقوم بالإضرابات والإعتصامات منذ سنوات عدة احتجاجاً على سياسة حكومة المالكي. وكان المالكي قد قام بإرسال القوات الأمنية والعسكرية مرات عدة لإخماد عمليات التمرد الشعبية التي كانت تقوم بها القبائل والمجموعات السنِّية. إلا أن المواجهات مع القوى الأمنية والجيش أدت إلى ظهور مجموعات مسلحة معروفة باسم “الثوار القبليين” الذين اشتركوا في عدة معارك مع القوات الحكومية. وقد أخذت هذه الاشتباكات منحى طائفياً مع قيام القوات الحكومية ذات الأكثرية الشيعية بالاشتباك مع رجال القبائل السنية. العديد من دول الخليج العربي قام علناً بدعم حقوق القبائل السنية ضد حكومة المالكي المدعومة من قبل إيران مما حدا بالمالكي إلى اتهام المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى بتسليح القبائل وتمويل الثورة.

في خضم الثورة القبلية، عادت داعش – المنشقة عن تنظيم القاعدة إثر خلاف بين قادة المجموعة الأم، والعاملة بإمرة أبو بكر البغدادي إلى الظهور على المسرح العراقي وهي أكثر قوة وأفضل تنظيماً. داعش التي كانت تعرف بالدولة الإسلامية في العراق ولكنها أعادة تسمية نفسها قبل سنتين بعد أن انتقلت إلى سوريا للقتال إلى جانب ثوار الجيش السوري الحر ضد قوات النظام السوري المدعومة من إيران. فالصراع في سوريا سمح لداعش بأن تنمو عددا وعدة كقوة عسكرية، لكنها قامت لاحقاً بالتحول ضد الجيش السوري الحرّ وهي تتحكم بشكل كليّ بمحافظة الرقة وبغالبية محافظة دير الزور على الحدود مع العراق. وقد استغلت داعش السخط والاستياء ضمن السكان السُنّة في العراق المقيمين في الشمال لكي تعيد إحياء عملياتها هناك في بيئة صديقة. وقد قامت داعش بعد ذلك بقليل بالانضمام إلى المجموعات العراقية السنية – من الإسلاميين المتطرفين ورجال القبائل- لمحاربة قوات المالكي.

تجدر الإشارة إلى أنه عندما قامت الولايات المتحدة الأميركية باحتلال العراق، وجدت القوات الأميركية في القبائل السنية العراقية أفضل نصير لها ضد تنظيم القاعدة. فقد قام الجنرال الأميركي دافيد بتريوس بإقامة تحالف مع القبائل العراقية السنية وساعد على تمويل وتدريب وتسليح المجموعات القبلية المعروفة باسم ” الصحوة” التي اعتبرت على أنها رأس الحربة في قتال منظمة القاعدة الإسلامية في العراق وكانت على قاب قوسين أو أدنى من اقتلاعها كلياً من البلاد. لدى انسحاب القوات الأميركية من العراق منذ 5 سنوات، كان من المفروض أن يقوم المالكي بالمحافظة على ” الصحوة ” وأن يقوم بضم أفرادها إلى القوات الأمنية والجيش العراقي. إلا أن المالكي، الذي كان ميالاً إلى إضعاف السُنَّة وعدم السماح لهم بالقيام بأي دور قوي في المجالين السياسي والعسكري، قام بحل قوات الصحوة وبإهمال أعضائها الذين تحولوا إلى هدف سهل للهجمات الانتقامية للقاعدة. لقد أخفق المالكي في الرؤية أن أفضل سبيل لمحاربة المتطرفين السنة هو باعتماد رجال القبائل السنية لكي يقوموا بالدفاع عن مدنهم وقراهم وطرق عيشهم وحمايتها من المقاتلين المتطرفين للدولة الإسلامية في العراق.

الثورة السورية وتحولها حرباً طائفية أهلية جعلت الموقف في العراق أكثر سوءًا. فقد قامت إيران والميليشيات الشيعية الحليفة لها في العراق ولبنان (حزب الله)، بإرسال الرجال والأسلحة للمساعدة على الدفاع عن النظام السوري الذي ينتمي بمجمله إلى الطائفة العلوية- المنبثقة عن الطائفة الشيعية. وكانت دول الخليج العربي قد زودت الثوار بالسلاح والمال.
وقد رأت كل من القاعدة وداعش فرصة كبيرة وملائمة لها خلال الحرب الأهلية للتمركز على الساحة السورية بعد أن فشلت القوى العالمية الكبرى في التوصل إلى اتفاق على كيفية إنهاء الصراع السوري. فقد قررت واشنطن والغرب عدم القيام بأي تدخل عسكري كما كانت قد فعلت في ليبيا بالرغم من قيام النظام السوري باستعمال الأسلحة الكيميائية وحصوله على دعم عسكري هائل من روسيا وإيران وحزب الله اللبناني.

أما الآن فتقوم داعش المدعومة من قبل رجال القبائل المسلحين من السنّة بشن هجمة كبرى على شمال ووسط العراق. وقد قام المالكي بدعوة الولايات المتحدة الأميركية إلى التدخل عسكرياً- ويبدو أن واشنطن تدرس هذا الطلب. في الوقت نفسه، أعلنت طهران بأنها جاهزة للتدخل بينما العديد من التقارير الإعلامية في الغرب وفي المنطقة تقول بأن الحرس الثوري الإيراني موجود فعلاً على الأراضي السورية ويقوم بمساعدة القوات الحكومية. وقد دعا المالكي العراقيين للتطوع في الخدمة العسكرية للمساعدة على حماية مدنهم وقد قام الآلاف من العراقيين الشيعة من الجنوب بالانضمام لمحاربة الهجمات التي تشنها المجموعات السنِّية. وتجدر الإشارة إلى أن وسائل الإعلام القوية والمؤثرة في دول الخليج العربي تشير إلى الصراع في العراق على أنه مواجهة بين ” قوات المالكي” و” القبائل” مع دور بسيط لداعش. ويجري تصوير هذا الصراع على أنه حرب بين السنة المظلومين ضد قوات الحكومة الشيعية المدعومة من إيران في ظل حكومة المالكي.

النقاش يجري على نار حامية في واشنطن حول كيفية أو وجوب قيام الولايات المتحدة الأميركية بالتدخل. فقد تم إرسال السفن الحربية الأميركية وحاملة طائرات إلى مياه الخليج، ووزير الخارجية جون كيري أعرب عن استعداده لمقابلة المسؤولين الإيرانيين لمناقشة الوضع في العراق. السؤال المطروح هو : ما هي الأهداف والسياسة الأميركية للتدخل في صراع عرقي – طائفي في الشرق الأوسط؟ وأي طرف يتعين عليها أن تدعم : العرب السنّة أو الشيعة الفرس؟ وعلى الرغم من أن العديد من المسؤولين الأميركيين قد يقولون بأن واشنطن تريد فقط أن تحمي مصالحها في العراق الغني بالنفط كما تريد مواصلة حربها على الإرهاب عبر ضرب داعش ومنعها من بناء دولة في العراق، إلا أنه لا يمكن لأحد أن ينكر بأن هذه الحرب هي حرب طائفية، وإنه في الحروب يتعين على الجهة المتدخلة أن تتدخل لصالح طرف من الأطراف أو أن تبقى خارجاً. العديد من القادة العرب يتساءلون حتى يومنا هذا عن الأسباب التي حدت بالولايات المتحدة الأميركية للقيام في اللحظة الأخيرة باتخاذ قرارها بإيقاف الضربات الجوية ضد النظام السوري. وهم يشككون في صحة صدقية قرار واشنطن تسليح الثوار السوريين بشكل جيد وبالسماح للنظام السوري باستعادة قوته بمساعدة إيران والميليشيات الشيعية وعدم القيام بأي تحرك حيال ذلك. فحزب الله الموصوم بأنه مجموعة إرهابية، قام باحتلال حيز كبير من الأراضي السورية المتاخمة للحدود اللبنانية ولم تقم الولايات المتحدة باتخاذ إي إجراء حيال ذلك أيضاً. إذاً لماذا تريد أميركا الآن أن تقوم بالتدخل لإيقاف المجموعات السنية الموصومة بالإرهاب؟ تلك هي الأسئلة التي تثار وتطرح في منطقة الشرق الأوسط وحتى إلى ما وراء ذلك. فالصدامات السنية الشيعية في تزايد مستمر أيضاً هي الأخرى في البلدان الآسيوية، حيث هنالك أغلبية سنية مثل باكستان وماليزيا وإندونيسيا.

بالنسبة للعديد من البلدان العربية، خصوصاً بلدان الخليج، ما زال يُنظَر إلى الولايات المتحدة على أنها مستبعدة وأنه لا حظوة لها لقيامها بالتفاوض سراً والتوصل إلى صفقة مع إيران تتعلق ببرنامجها النووي. هنالك العديد من النظريات التي تتم مناقشتها داخل غرف مغلقة في العالم العربي تتعلق بأهداف الإدارة الأميركية. وهل تقوم هذه بمساعدة إيران على إقامة هلال شيعي يمتد من إيران وصولاً إلى لبنان؟ هل تتآمر واشنطن مع إيران لإضعاف العرب؟ قد يبدو ذلك سخيفاً بالنسبة للعديد من الأميركيين- ولكن بالنسبة للعرب – من قادة وشعوب، الذين يراقبون الأوضاع عن كثب كما تتكشف على الأرض فمن شأنهم أن ينظروا إلى ذلك بمنظار مختلف. لذا فإنه يتعيَّن على واشنطن أن تقوم حقاً بدراسة وقياس أفعالها في العراق خلال الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، والتأكد من عدم الانجرار إلى حرب طائفية من شأنها أن تعرض مصالحها للخطر في منطقة الشرق الأوسط.

إن أي تحرك من قبل الإدارة الأميركية يجب أن يأتي على أنه جزء من اتفاق شامل يضم إيران والعراق والبلدان العربية وخصوصاً المملكة العربية السعودية. وبالرغم من أن معظم القادة العرب لا يريدون أن يجد تنظيما القاعدة أو داعش موطئ قدم لهم في المنطقة، إلا أنه لا يمكنهم أن يتحملوا أية تحركات قد تقوي إيران وحلفائها. فأن أي تدخل عسكري أميركي في العراق يجب أن يحصل على موافقة كافة الأطراف لإنهاء عملية الاضطهاد التي تمارسها الحكومة العراقية ضد السنّة وإعطائهم كامل حقوقهم. كما يتعين على هذا الاتفاق أن يأخذ بعين الاعتبار الوضع في سوريا حيث تزداد قوة داعش والقاعدة وحزب الله والميليشيات الإيرانية والشيعية وحيث لا تزال هذه القوى تمثل تهديدات كبيرة ليس لجيران سوريا فحسب بل للعالم أجمع أيضاً.

*الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى والخليج للتحليل العسكري- إينغما

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.