جهود تسليح الجيش اللبناني واستراتيجية الحرب على الإرهاب

 رياض قهوجي*
يواجه لبنان اليوم أشرس معركة في تاريخه ضد الارهاب وهي تأتي في سياق ما تواجهه منطقة الشرق الأوسط بشكل عام وبلاد الشام في شكل خاص من ظهور غير مسبوق [*] لحركات اسلامية متطرفة استغلت ضعف الحكومات المركزية والثورات العربية والتوتر المذهبي لتفرض نفسها على الساحة وتسيطر على مساحات جغرافية كبيرة. ومن أبرز هذه المجموعات الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، وتعرف اليوم بالدولة الاسلامية، والتي باتت تسيطر على عدة محافظات عراقية وسورية ويبلغ عديدها ما لا يقل عن 32000 عنصر من عدة دول عربية واسلامية.

وبغض النظر عن أسباب صعود داعش وجبهة النصرة ووصولهما الى الحدود اللبنانية، فالتهديد بات آنياً. وعليه، يجب النظر الى واقع وحاجات الجيش اللبناني للتعامل مع خطر الارهاب الذي لم يعد تهديده أمنيا وانما بات استراتيجيا ووجوديا بالنسبة الى لبنان. فهذه التنظيمات الارهابية لم تعد خلايا صغيرة انما باتت تمتلك جيوشا مجهزة ومسلحة بشكل جيد وتضم عناصر تحمل خبرة قتالية كبيرة وأيضا خبرة باستخدام تكنولوجيا المعلومات والاعلام بفعالية لخدمة أهدافها وتهديد خصومها. وهي تعتمد سياسة بث الرعب والفوضى في صفوف خصومها عبر تصوير تصرفاتها الوحشية كافة مثل القتل الجماعي والذبح والتدمير ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي متخطية وسائل الاعلام العادية في نشر البروبوغاندا وحملاتها الدعائية والاعلامية والتضليلية. هذه السياسة الاعلامية تكسبها مصداقية وشعبية في صفوف مؤيدييها ويظهرها على أنها لا تلتزم بأصول اللعبة والنظام الدوليين ولا تعترف أو تحترم أي من الأنظمة القائمة في المنطقة ولا تخشى عواقب أعمالها من القوى المحيطة بها والتي تعتبرها جميعها كافرة بغض النظر عما اذا كانت مسلمة أو مسيحية أو يهودية.

وبالنسبة الى لبنان تظهر هذه السياسة جليا في كيفية تعاطي التنظيمين في موضوع أسرى الجيش والقوى الأمنية، واعتمادهما اسلوب التشويق الاعلامي والذبح العلني وبوتيرة زمنية بطيئة من أجل ضرب السلم الأهلي والوحدة الوطنية وافقاد الحكومة اللبنانية توازنها وردع الجيش اللبناني.

اذن يواجه الجيش اللبناني اليوم عدوا ذكيا وشرسا لا يعرف الرحمة ولا يتقيد بقوانين الحرب ولا المعاهدات الدولية ويستخدم سياسة هجومية وتقنيات اعلامية متقدمة لنشر الرعب والفوضى وتنجنيد متعاطفين من داخل الساحة اللبنانية، خاصة في مخيمات اللاجئيين السوريين والفلسطينيين والمناطق السنية الفقيرة والمغبونة، خاصة في القرى والبلدات الحدودية.
وفي ضوء الإمكانات المتوفرة والتهديدات الداهمة فإن عديد الجيش اللبناني يبلغ ما يقارب 58000 جندي، وهو مقسم إلى أحدعشر لواء قتالي بالإضافة الى اللواء اللوجستي، ولواء الدعم، واللواء الطبي وفوج الهندسة وفوجي المدفعية الأول والثاني وفوج المدرعات والشرطة العسكرية. أما العمود الفقري للجيش فهو قواته الخاصة وتتألف من الأفواج التالية: المغاوير، المكافحة، المجوقل، مغاوير البحر، القتال الجبلي (مغاوير الجبل) والتدخل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بالإضافة الى فرقة النخبة المعروفة بالقوة الضاربة. أما القوات الجوية والبحرية فهي متواضعة جدا وبحاجة لتعزيز قدراتها بشكل كبير.

نتيجة لما تم استعراضه من التهديد الارهابي الآني وتأثيره على السلم الأهلي وحاجات الجيش الكبيرة فإن هناك توصيات لا بد من الأخذ بها وهي على الشكل التالي:

1. يجب على الجيش اللبناني التحكم في مكان وزمان المواجهات مع الارهابيين ونقلها الى خارج المدن. ويجب الاعتماد على أجهزة الاستخبارات لتفكيك خلايا التنظيمات الإرهابية والتعامل معها داخل المدن والمناطق السكنية.

2. يجب أن تترافق العمليات العسكرية مع حملة إعلامية مضادة لتلك التي تشنها التنظيمات الإرهابية بهدف ضرب مصداقيتها دينيا وانسانيا ووطنيا. من واجب الحكومة وضع سياسة وطنية لمكافحة الارهاب تلزم وسائل الاعلام المحلية كافة الالتزام بها.

3. يجب على القيادات السياسية منح غطاء قوي للجيش وعملياته، والعمل بجدية لمنع الاعتصامات والتحركات التي تغذي الصراع المذهبي.

4. يجب على الجيش عدم الانجرار الى حرب استنزاف والوقوع في فخ التنظيمات الإرهابية التي ستحاول أن تفرض وضع من المراوحة على عدة جبهات والقيام بمهمات صغيرة في مناطق عدة لقتل أو خطف جنود بهدف ضرب المعنويات واثارة الفتنة.

5. يجب تجنب ادخال الجيش في مواجهة شاملة مع الجيش السوري الحر لتجنب تداعيات ذلك على الشارع السني في لبنان وخطر انزلاق الجيش اللبناني الى الرمال المتحركة السورية. كما ان تعاون الجيش مع حزب الله في حربه ضد هذه التنظيمات داخل سوريا سيؤدي الى نتائج سلبية. يجب أن تنحصر المواجهة مع تنظيمي النصرة وداعش ومحاولة مساعدة فصائل الجيش الحر على ضرب وطرد مقاتلي داعش.

6. يجب تنشيط دور القوى السياسية اللبنانية التي تملك علاقات مع المعارضة السورية لحثها على التعاون مع السلطات اللبنانية في انهاء خطر داعش وجبهة النصرة في لبنان.

7. يجب على الحكومة اللبنانية أن تتعاون مع التحالف الدولي بايجابية ان لم يكن باستطاعتها الانضمام اليه لأن ذلك سيساهم بضرب الارهابيين على حدود لبنان وسيسهل حصول الجيش على الدعم العسكري من أعضاء التحالف، كما سيعزز التعاون الاستخباراتي معها.

8. يجب اعطاء حصة جيدة للجيش من ميزانية الدولة لتمكينه من تنفيذ خطته الخمسية والبناء عليها لبرامج تسلح مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار بناء قدرات لبنان الدفاعية لمواجهة كافة التهديدات الخارجية، ومنها اسرائيل. فالجيش بحاجة لمنظومة دفاع جوي ومنظومة دفاع ساحلي وغيرها من الأمور التي لا تعتبر اليوم أساسية في الحرب على الارهاب.
9. يجب تعزيز مستوى التعاون بين استخبارات الجيش وأجهزة استخبارات المؤسسات الأمنية الأخرى والابتعاد عن التنافس الذي قد يؤدي الى نتائج سلبية. يجب أن يكون التنسيق دائم وعلى المستويات كافة.

الجيش اللبناني هو المؤسسة الوحيدة التي تبقي لبنان متماسكا اليوم وحصينا ضد التهديدات الأمنية التي قد تطيح بالسلم الأهلي مما يهدد وجوده. وعليه فان الاهتمام به والانفاق عليه أولوية تتقدم على شؤون اقتصادية ومعيشية أخرى. وعلى القيادات السياسية أن تخفف أو توقف تدخلاتها في شؤون هذه المؤسسة مما قد يؤثر عليها سلبا ويهدد وحدتها وقدرتها على تنفيذ مهامها بفاعلية. هي المؤسسة التي يستشهد فيه الجندي ليحمي رفيقه في السلاح بغض النظر عن طائفته ومذهبه. فلنحمها ونصونها لنحمي أنفسنا ويبقى لبنان.

*الرئيس التنفيذي لمؤسسة الشرق الأدنى
والخليج للتحليل العسكري (إينغما)

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.