الأبرز

حادثة الهجوم الإرهابي على الصحيفة الفرنسية المعالجة الداخلية الهادئة تحصّن وتدعم فرنسا الحرّة

عدد المشاهدات: 682

العميد م. ناجي ملاعب
قبل أسبوعين على وقوع حادثة الهجوم على الصحيفة الفرنسية في باريس، كتب د. عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب الأستاذ بجامعة أم القرى بمكة: "هناك [*] أصوات شابة في فرنسا وجيل من الاستراتيجيين الفرنسيين الجدد اعتبروا خروج فرنسا في عام 1960 من الجزائر خطأ تاريخي، وهذه الاصوات أججت النزعة القومية الاستعمارية التي بدأت منذ ساركوزي وشجعت فرنسا على فتح قاعدة ماداما في شمال النيجر على بعد 100 كيلو متر من جنوب ليبيا".

ورأى أن "افتتاح هذه القاعدة الفرنسية تم تحت ذريعة مواجهة الإرهاب ودعم حكومة الثني في ليبيا – باعتبارها الحكومة الشرعية – ضد مليشيات فجر ليبيا التي تدعمها تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا، بينما في الحقيقة الهدف هو تعزيز هيمنة فرنسا في قارة أفريقيا وإقصاء أي تحالف دولي في المنطقة. فرنسا تريد أن تكون سيدة المنطقة، وأن تستعيد السيادة المفقودة وعينها على توفر مناجم اليورانيوم والذهب والبترول في المنطقة – بسبب أن 75 في المائة من طاقتها نووية – فهي تحتاج لليورانيوم وحمايته من أيدي المتطرفين".

هذه السياسة الخارجية الفرنسية المتباينة عن الخطط الأميركية التركية في الشمال الإفريقي رافقها، قبل أسبوعين كذلك، اجتماع لمجلس الأمن الدولي للتصويت على طلب الإعتراف بدولة فلسطين وجدولة الإنسحاب الإسرائيلي، وأسهمت الحكومة الإشتراكية الفرنسية في صياغة هذا المقترح ودعمه.

هل تقودنا هذه المعطيات الى اتهام أجهزة دولية في التصويب على فرنسا واستغلال الوضع الفوضوي غير المنضبط في بعض الضواحي الفرنسية، التي تخفي خلايا حاقدة داخلياً ومتشددة اسلامياً، بتسهيل العمل الإرهابي؟

لا شك بأن تنامي الإرهاب وسقوط الحدود امام الإرهابيين وعبورهم بشكل رئيسي من أوروبا الى تركيا وبالعكس، سهّل التخطيط والتنفيذ. فقد خرج الى سوريا، في احصاء حديث، حوالي ـ2500 جهادي فرنسي، 1000 منهم من أصول فرنسية و 1500 من جنسيات مزدوجة، ومن بينهم حوالى 300 مختصون بالعمليات الانتحارية". وتفيد معلومات اجهزة الأمن اليمنية أن أحد المشتبه بهم من المهاجمين كان دخل الى اليمن وتدرب عام 2008 على أيدي رجال القاعدة.

وبالرغم من تصنيف بعض المحللين ما حدث "كردّ فعل على سياسة فرنسا في أفريقيا وسوريا وليبيا، وتحديداً في شمال مالي"، وخشية هؤلاء من توسّع هذه العمليات بعد الاخفاق الأمني الخطير الذي حصل، فإن انخراط فرنسا في التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ومن قبلها المساهمة الفرنسية الكثيفة في اسقاط نظام القذافي في ليبيا، واستضافة العاصمة الفرنسية لمؤتمرات المعارضة السورية، يبعد الإحتمال الذي أوردناه كأسباب خارجية، حتى الآن. كما يستدلّ أمنياً أن أعمال التحضير والتنفيذ والبيئة الحاضنة والهدف والمبررات ليست في حاجة الى مساعدة خارجية، بل يمكن حصرها محلياً.

فالهجوم الذي وقع في وقت ما زال الأمن الفرنسي مستنفراً اثناء وبعد أعياد الميلاد وراس السنة التي تعج بها العاصمة باريس، وقد استشهد عنصرا شرطة (أحدهما مسلم من أصول جزائرية) في المكان، يدل على احترافية المنفذين "الفرنسيين" فقد كانت عملية دقيقة ومحضّرة بشكل جيّد. إذاً، مع استبعاد العامل الخارجي هل من عوامل ونتائج داخلية؟

لا يخفى على المتتبعين وجود وتصاعد قوة اليمين الديني في فرنسا. ونحن أيضاً في بلادنا ندفع ثمن التطرف الديني داعشياً وقاعدياً خراباً وحروباً أهلية. ولكن الأهم ما عانته فرنسا وما زالت الى درجة الفشل في كيفية التعامل مع استيعاب الجيل المهمل من المهاجرين المغاربة، الذي استغل البعض وضعه البائس وأدخله في أعمال تحريضية اعتبرها "جهادية"، فتحولت حالة الغضب من التهميش الى تطرف او تكفير إنتهى الى تقتيل بربري. فالنظر الى "غزوة باريس" كمشكلة فرنسية قام بها مواطنون فرنسيون يضع قطار المعالجة على السكة الصحيحة. وبالتالي فالمعاجة بالأساس تبقى شأناً فرنسياً، ما يقتضي إعادة النظر بكيفية استيعاب هؤلاء وكبح جماح المغالين اليمينيين الداعين الى "اخراجهم من فرنسا وأوروبا".

أندرس بريفيك، صاحب نظرية "إخراجهم من اوروبا" قتل 93 شخصا في النرويج، في 22 تموز/ يوليو 2011، بعدما فتح النار على مئات الشبان في معسكر لشبيبة حزب العمال الحاكم في إحدى الجزر القريبة من أوسلو، مبرراً الدافع الرئيس الى "ضلوع حكومتي (النرويجية) في الهجوم على صربيا (من جانب حلف الأطلسي). فلم يكن مقبولا بالمرة أن تهاجم الأنظمة الأوروبية والولايات المتحدة إخواننا الصرب الذين لم يقترفوا ذنبا سوى محاولتهم طرد الإسلام بتسفير الألبان إلى ألبانيا."

لم تُستدرج النروج الى مزالق شوفينية تلبي احلام الإرهابي بريفيك. اليوم، وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على تلك الحادثة الإرهابية الخطيرة مازال النظام الديمقراطي الإنساني أساساً في النروج والدول الإسكندينافية وكافة دول أوروبا، وهكذا يجب أن يبقى.

لقد كسر هذا العمل الإرهابي هيبة فرنسا أمنياً كما النروج، وخرجت كل منهما متضامنة وموحّدة سياسياً واقتصادياً وأمنياً وشعبياً. فالتظاهرات الشعبية المتتالة والتي توجت بالمسيرة المليونية الكبيرة، ومساندة زعماء العالم بحضورهم ومشاركتهم للتندّيد بما حصل، وتحدي وجود الإرهاب ضمن البيئة الفرنسية والأوروبية، أثبتت تمسّك الشعب الفرنسي بأقانيمه الثلاثة التي أطلقتها الثورة الفرنسية: عدالة حرية مساواة. ومهما عانى المسلمون في فرنسا من ردات فعل فالمتضرر من هذا العمل هو كل فرنسا.

وهنا الإمتحان، هل نشهد معالجة داخلية تسعى الى فهم واستيعاب مطالب الشباب الفرنسي من الأصول الإسلامية وقطع الطريق أمام استغلالهم دينياً، وهل نشهد عزماً فرنسياً بالمحافظة على الدور الذي عودتنا عليه سياستها الخارجية المعتدلة والمتمايزة، أم سترضخ فرنسا للإحتضان الإسرائيلي المستهجن الهادف من خلال حضوره الكثيف في المسيرة والتحقيقات الى تكبير الجريمة واستغلالها بما يؤثر في القرار الفرنسي الداخي والخارجي!

 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.