مسؤولية العولمة في انفلات الإرهاب من عقاله

العميد م. ناجي ملاعب

سلسلة الهجمات الإرهابية البشعة التي قام بها تنظيم داعش الإرهابي المتوحش في العاصمة الفرنسية باريس[*]، وقبلها بيوم واحد تفجير مماثل في شارع برج البراجنة في ضاحية بيروت، تمثل تذكيراً جديداً للعالم، بأن الإرهاب وخطره بلغا مرحلة لم يعد من المقبول معها الاستمرار في نفس الأساليب السابقة في التصدي لهذا الوباء ومكافحته.

نقول هذا الكلام علّه يطرق مسامع الدول الغنية "مجموعة العشرين" المجتمعة اليوم في أنطاليا في تركيا لإعتماد مقاربة تنقذ العالم من شرور العولمة الإقتصادية التي تسببت في انجار الإرهاب وتشظيه ذات اليمين وذات اليسار غير عابئ بقيم وحضارات وشعوب.

فمن يفجر طائرة مدنية بركابها فوق سيناء – ولا يطلق طلقة واحدة على عدو يتربص بنا خلف سيناء – ومن يرسل قتلة محترفين لقتل الأبرياء في المطاعم – يندسون مع الساهرين ويشاركوهم فرحتهم لينغص عيش ذويهم ووطنهم – ومن يقصد ملاعب كرة القدم والمسارح العائلية – ويتسلح زوراً بالتكبير حتى تكفر أوروبا كلها بأمة الإسلام – مستفيداً من مساحة حرية التنقل والتعبير التي يوفرها الإتحاد الأوروبي، فإنه ومحرِّضيه ينقل المعركة معه، وباختياره هو، إلى مرحلة جديدة، لم يعد جائز أن يبقى العالم فيها مجرد محارب انتقائي للإرهاب، بل يجب اليوم أن تكون الرسالة واضحة للجميع، وقد أعلنها الرئيس الفرنسي فرنسوا هولند: هذا إعلان حرب على فرنسا من قبل جيش، نحن في حرب مع جيش الإرهاب.

في تسعينات القرن الماضي، ودفاعاً عن نظرية اقتصاد السوق، نظر البعض لمصطلح العولمة باعتبارها حقبة تاريخية وموصولة بقاطرة النظام العالمي الجديد، وتبشر بتنامي شكل جديد في العلاقات الاقتصادية بين الدول، وأن تداعياتها بالضرورة ستلقي بظلال كثيفة على الواقع الاجتماعي.

ومن هذا الطرح رأى علماء الاقتصاد أن العولمة اصطلاح اقتصادي، لأن هدفها الاستراتيجي خلق سوق عالمي، تُزال فيه كل الموانع والحواجز، مما يساعد على تحقيق فكرة روج لها " فرنسيس فوكوياما" الأميركي الجنسية الياباني الأصل، في كتابه "نهاية التاريخ" كأن العولمة الاقتصادية نذير لخلع العباءة الوطنية، وإلباس الجميع زياً موحداً، كما أنها تؤدي إلى محو الجغرافيا وتقليص ظل الدولة، بعبورها للحدود من خلال الشركات متعددة الجنسيات.

هذا "العبور" مكّن قوى السوق العالمية، المالكة لشبكات الإنتاج والتمويل، من تمرير أجندتها كسلطة اقتصادية، وادى غزو السوق حكماً الى تراجع دور الدول حيث ستتولى مؤسسات جديدة حق إدارة اقتصاد العالم، بل وإعادة ترتيب النشاط البشري برمته!

وتداركاً لتداعيات تلك النظرية، انبرى أستاذ علم الاقتصاد الاجتماعي "آلان كايي" وأستاذ الاجتماع الفرنسي "بيير بورديو" للتحذير من المفهوم الجديد، معلنين بأن "الإنسان كائن اجتماعي وليس كائناً اقتصادياً بالدرجة الأولى، وأن تجارب العقد الأول من الألفية تؤكد أن النمو الاقتصادي وحده لن يوصل البشرية إلا للموت الجماعي".

واعتبرا "أنه من الأفضل منذ الآن إيجاد بديل للنظام العالمي الجديد، والبحث عن مؤشرات جديدة يقاس بها تقدم وتخلف الدول، بعيداً عن أطروحات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، لأنهما من أسباب إفقار دول العالم الثالث غير النفطية. وها هي دول الاتحاد الأوروبي، واحدة تلو الأخرى، تغرق تدريجياً في بحر الديون، وهي لم تستفق بعد من إغماءة الأزمة الاقتصادية".

وإذا كانت أوروبا، بحاجة إلى 500 مليار دولار للتخلص من أعباء تلك الديون، حسب آخر التقارير المنشورة، وأن البنك الدولي ليس بمقدوره سوى توفير 200 مليار. وكيف للإتحاد الأوروبي، في ظل هذا الوضع أن يتحمّل تدفق موجات اللاجئين الهاربين من القتال الدامي المستعر على حدوده والذي لا أمل في الأفق القريب في وقفه؟

في قراءة حديثة له، يقول توماس فريدمان الصحفي الأميركي الضليع في شؤون الشرق الأوسط، أن خلق الفوضى في العالم الثالث لم يكن حلاً مجدياً فاليأس الذي تعيشه قوى التغيير من اي اصلاح كما رأينا من خلال تجربة الربيع العربي، أفضى الى الهروب الجماعي الى دول الشمال الأوروبي في موجات يتوقع أن لا تتوقف في المدى المنظور".

ويرى "كايي" أن المخرج يتبدى في "ثورة أخلاقية" سلمية تعيد للإنسان آدميته.. ثورة تعترف بالآخر، وإذكاء روح التعاون الدولي وليس الوصاية، لأن البشرية بسبب العولمة ستعاني من حالة "فقر دم أخلاقي"، والأخلاق هي أهم عنصر يساعد البشر للعيش في سلام، إذ جعلها "أفلاطون" أساساً لجمهوريته الفاضلة. ذلك أن الركض المحموم وراء النزعة المادية. وهي جوهر الفكر المادي الغربي اللاأخلاقي، لا يقودنا إلا إلى حروب جديدة، وإفلاس لا مخرج منه.

فهل تكون نتائج ومقررات اجتماعات الدول الغنية على المستوى المطلوب!

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.