في مواجهة الأخطار والتحديات.. الرياض تقرر لا تنتظر

العميد م. ناجي ملاعب

تعددت الاستنتاجات وردود الفعل المؤيدة او الحذرة، منذ إعلان السعودية بشكل مفاجئ هذا الأسبوع عن تشكيل كيان عربي- إسلامي عاصمته الرياض لمحاربة الإرهاب في ما يشبه “ناتو” إسلامي لكن بمهام محددة. فهل يعتبر “اعلان الرياض” استعادة زمام المبادرة وتعبيراً عن استياء المملكة من تعثر خروج «القوة العربية المشتركة» إلى النور بسبب مواقف دول المغرب العربي، وفق مصادر مصرية؟

ويستمد التحالف الجديد حول محاربة الإرهاب، شرعيته من موافقة أعلنتها 34 دولة إسلامية على الانضمام إليه، وفقا للبيان المشترك الصادر في الرياض. وهذا الإعلان هو الأول من نوعه الذي يعكس إدراك قادة مسلمين وعرب أن القضاء على تنظيمات متشددة على رأسها تنظيم داعش “السني”، يمر عبر تحمّل دول سنية موجباتها في المقام الأول. وترافق الإعلان مع تلميحات لوزير الخارجية السعودي، أن تتضمن هذه المبادرة الإستعداد لإرسال قوات خاصة إلى سوريا لقتال تنظيم داعش على الأرض.

من الحيثيات الإيجابية التي مهّدت لقيام هذا التحالف نجاح تجربة التوافق السعودي الإماراتي وانخراط الدولتين مع دول خليجية وعربية اخرى في محاربة داعش في سوريا والعراق، ضمن تحالف دولي ضم أكثر من 60 دولة، مضافاً الى الإنجازات التي حققتتها العملية الجوية لدعم الشرعية في اليمن بتحرير جنوبه من قبضة قوات تابعة للرئيس المخلوع علي عبدالله صالح وحلفائه الحوثيين وقبولهم الجلوس الى طاولة المفاوضات لتطبيق أحكام قرار مجلس الأمن الدولي بخصوص اليمن.

يهدف قيام هذا التحالف، في جملة مقاصده، الإثبات للعالم الغربي أن الإسلام بريء من الإرهاب وأنه مستعد لمحاربته في اي مكان وزمان، وبذلك ينفي الربط بين العنف والإسلام، خاصة بعد حادثتي باريس الإرهابية التي نفذها تنطيم داعش المتطرف بدم بارد وقتل مئات الأبرياء، وحادثة كاليفورنيا التي أودت بحياة 14 أمريكياً، والتأكيد أن لا علاقة للإسلام الوسطي بالمتطرفين الذين يتاجرون بالدين، والذين لا يختلفون كثيراً عن أي تطرف أو عنصرية تنتج عن أي ديانات أخرى مثل اليهودية أو المسيحية.

ويندرج اهمية قيام هذا التحالف بشكل أساسي في بناء توافق إسلامي واسع يدعم محاولة دحض الصورة النمطية عن ارتباط المجموعات المتشددة بالإسلام السني كخلفية فقهية. ويراهن خبراء على ان تركيز هذا التحالف على خوض معارك فكرية وعسكرية ضد التنظيمات المتشددة من شأنه أن يخفف من الانتقادات التي توجه للدول السنية حول ظاهرة التشدد الديني، وأن يفتح الأعين على وجود ميليشيات متشددة أخرى وغير سنية.

موقف واضح وفوري من مؤسسة الأزهر صدر ليعلن ترحيبها الشديد بتكوين التحالف “الذي كان مطلباً ملحّاً لشعوب العالم الإسلامي التي عانت أكثر من غيرها من الإرهاب الذي يرتكب جرائمه البشعة باسم الدين دون تفريق بين دين أو مذهب أو عرق” وفق بيان الأزهر الشريف.

وقالت مصر، التي يزورها وزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان، إنها “تدعم كل جهد يستهدف مكافحة الإرهاب والقضاء عليه، لا سيما إذا كان هذا الجهد إسلاميا أو عربيا، فهي تدعمه وتكون جزءا منه”.

وفيما اعتبر تبايناً في المهام، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية، أحمد أبو زيد، الموقف الرسمي المصري بالقول ” أن التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب يستهدف مكافحة الإرهاب فقط في الدول المشاركة، أما القوة العربية المشتركة فتهدف إلى التصدي للتحديات التي تواجه الأمن القومي العربي”.

وتحارب دول عربية وإسلامية بشكل منفرد عدة تنظيمات جهادية تنشط على أراضيها وباتت تشكل تهديدا مباشرا لأمنها. فالباكستان في قلب المعاناة بعد أحداث افغانستان التي لم تلقَ خواتيمها بعد. وتركيا تصبح عرضة لتفجيرات إرهابية كلما مارست تطويقاً جدياً ضد تنظيم داعش. وتشكل ليبيا في وضعها الحالي الميدان الأخطر لنمو وانتشار ارهاب داعش الذي لم تسلم من شظاياه بعد تونس ومصر والجزائر. ولم ينته بعد خطر العمليات الإرهابية الداعشية بحق الجيش المصري ومراكز الأمن والفنادق والمناطق السياحية سواء في سيناء او في فيما تقوم به جماعة من الأخوان المسلمين في الداخل. ولسنا، نحن في لبنان، بمنأى عن مخططات تنظيم الدولة الإسلامية التي عينت لها “اميراً لولاية لبنان” وذلك بالرغم من ضريبة التدخل في الوضع السوري المتفجر حيث اصبح التنظيم محتلاً لمساحات من الأراضي اللبنانية الحدودية.

ليست المرة الأولى التي تسرع فيها الرياض الى الإمساك بالراية الإسلامية المعتدلة ورفعها في وجه التطرف الذي “صُنع” من حولها – وقد تكون المملكة والخليج كله أحد أهم مراميه – فالتصرف الحكيم الذي تبنته الرياض ودول مجلس التعاون (باستثناء قطر) في دعم الشعب المصري في ثورته على نظام الإخوان المسلمين أثبت أن المملكة لا ولن تقبل بأن تتفيأ اية حركات متشددة معروفة بماضيها العنفي وارتباطها الخارجي تحت راية الإسلام. وقبل ذلك ، فقد رصدت المملكة العربية السعودية مبلغ مئة مليون دولار كعطاء أولي لصندوق الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب في خطوة انشأها وتبناها الراحل الملك عبدالله بن عبد العزيز قبل عامين. ونثمّن عالياً الدعم الذي رصدته المملكة لتسليح الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية في تصديها للإرهاب.

أخيراً، بعض الملفات الشائكة التي تؤرق هذا التحالف، تحتاج إلى حلول جذرية تنسيقية تجمع دوله في رؤية مشتركة، مثال ملفي سوريا والعراق، وتباينات النظرة الى الأخوان المسلمين، وإزالة عقبات انضمام دول أخرى وازنة من مقام دولة الجزائر وسلطنة عمان. وهذا من المسلّمات البديهية للتماهي مع التسمية الذي نوافق الخبراء على اعتمادها لهذا التحالف “الناتو العربي”؛ فالتسمية تُلزم المتحالفين على نيل “إجماع” كافة دوله على أي قرار قبل الشروع بالتنفيذ.

الرياض ليست صاحبة غايات توقع الفرقة بين المسلمين أو بين العرب، بل هي ما يجمع الإعتدال العربي – من دون الإنتقاص من دور العواصم الإسلامية الكبرى- وهذا ما يحفّزنا للدعوة لهذا التحالف بالتوفيق لأنه بقيادة الرياض وبدعمها، فالإقدام أضحى ضرورة تنهي التردد. والرياض، عندما يدق ناقوس الخطر، تقرر لا تنتظر.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate