بعد الإنسحاب العملياتي الروسي.. ما هو دور الجيش العربي السوري؟

عدد المشاهدات: 1173

 العميد م. ناجي ملاعب

يجمع المحللون بأنه كان لابد من التدخل العسكري الروسي في الربع الأخير من السنة الماضية في سوريا لوقف النزف المضطرد وفقدان سيطرة الجيش السوري[*] وحلفائه في معظم الجبهات، لا سيما على تخوم المنطقة الساحلية الحاضن الشعبي لقوى السلطة الحاكمة، من جهة والتي تحتوي على القاعدة البحرية الروسية في طرطوس، من جهة أخرى.

ولم يكن بدء العمليات الجوية الروسية من دون تحضير سياسي ودبلوماسي منسق مع الولايات المتحدة وحتى مع القوى العربية والدولية الداعمة للمعارضة. ويجب أن لا يتفاجأ المتابعون عن كثب والقيمون على الأمور بإعلان الرئيس الروسي في 14 آذار/مارس عن بدء انسحاب القوات الجوية الرئيسية من سوريا "بعد تنفيذ معظم مهامها التي حددت لها" كما ورد في الإعلان، فالرئيس بوتين أثبت صدقية في التزام كان قطعه عند بدء العمليات بأن المهمة سوف تستغرق ثلاثة أشهر من الناحية المبدئية، وها هي فعلاً لم تتجاوز ضعف المدة المنتدبة لها.

أمام هذا الإعلان الجريء بالإنسحاب – ولو جزئياً – فسوف يعطي هذا التدخل وهذا الإنفكاك للدبلوماسية الروسية نجاحات عدة على الصعيد الروسي والإقليمي والدولي:

فروسيا استطاعت إبعاد المعارضة عن تحقيق انتصارات قد تطال القاعدة البحرية في طرطوس، لا بل نحن أمام قاعدة جوية في مطار حميم بتصرف القوات الجوية الروسية، عدا ما سوف تظهره الأيام من اتفاقات عسكرية وقعت مع الحكومة لإنشاء قواعد أخرى على مشارف المياه الدافئة في المتوسط، وأضعفت الغارات الجوية المكثفة قدرات جماعات من المتشددين الشيشان المنضوين تحت إمرة جبهة النصرة إن لم نقل قضت على الكم الأكبر منهم، وأبرمت مع الحكومة السورية اتفاقية تشريع للتواجد الروسي للقيام بالعمليات العسكرية، وعملياً النصر الأكبر يتمثل في انقاذ النظام الذي يرتبط مع الروس باتفاقيات اقتصادية هائلة بدءاً من الغاز السوري على ساحل المتوسط وصولاً الى الفواتير العسكرية الضخمة التي تراكمت ما قبل وطيلة احداث السنوات الخمسة.

في الداخل السوري

حققت روسيا عبر هذا التدخل والإنفكاك منه ما يمكن وصفه بنصف نصر: فحتى أنها إن لم تكن وُفقت في الإنفتاح على المعارضة السورية المعتدلة فقد جرى نوع من فرز عملياتي بين مقاتلي المعارضة ما أوجد قناعة عربية وأميركية بصيغة جديدة للهدف ضد الإرهابيين بعد حصرهم على بقعة العمليات العسكرية الجوية. ومن جهة أخرى فقد

اوصلت القوات النظامية الى الحدود مع تركيا وبالتالي منعت الإمداد التي كان يغذّي المعارضة أو تحكمت به. كذلك فقد مكنت قوى الجيش السوري وحلفائه من فك الطوق عن مطار كويريس العسكري ومنطقتي الفوعة وكفريا لبمحاصرتين منذ بداية الأحداث. وجاءت السيطرة على الطريق الدولي بين محافظات اللاذقية وحلب وحمص ودمشق لتسمح للجيش السوري بتنفس الصعداء وإعادة الوصل بين قواته والبدء باحتضان مجموعات كانت قد خرجت عن سيطرة القيادة المركزية.

اقليمياً:

أثبتت روسيا أن لأسطولها البحري الحق بالتواجد في المياه الدافئة كما تشاء، وعربدت طائراتها في سماء المنطقة معلنة للحالف الدولي أنها هي من يرسم خطوط التواجد الجوي في سماء سوريا والتنسيق في الطلعات يجب أن يسبق العمليات الجوية، ولم ينعكس إسقاط المقاتلة الروسبة السو 24 من قبل المضادات الجوية التركية خيراً على تركيا رغم اشكالية حق هذا التصرف من عدمه. وكان من نتائج التدخل العسكري الروسي إحساس المعارضة بضرورة توحيد الصفوف والدخول تحت المضلة العربية فكانت اجتماعات الرياض التي وفقت في صياغة وفد مشترك الى المحافل الدولية.         

دولياً:

رغم قيام التحالف الدولي بقيادة أميركية بجمع ما يقرب من خمسين دولة لمحاربة "داعش" ورغم بعض النجاحات في وقف تقدم هذا التنظيم وشل إمكاناته فقد كان للضربات الجوية الروسية الأثر الفاعل في تدمير مصادر استخراج النفط ووسائل نقله الذي يغذي التنظيم. هذا عسكرياً، أما دبلوماسياً ما كان لجنيف 3 أن ينعقد لولا التوافق الحثيث بين الجبارين على تفعيل دور الأمم المتحدة في البحث عن الحل السياسي للأزمة السورية، وما كان للكلام في السياسة والحلول مكان لو لم يرسم وزيرا الدولتين الكبريين خيوط هدنة أصبحت فرصة مطلوبة من قبل الجيع انسانيا وامنيا وعسكريا وحتى دبلوماسيا.

قدرة الجيش السوري العرَضية على الصمود

لن يكون انسحاب القوات الرئيسية الروسية كاملاً وما زال التواجد الروسي العسكري في حله وترحاله ولكن الفرصة في تحقيق الأمم المتحدة حلاً وفق رؤية وتصور الإعلان التمهيدي لجنيف 3 أصبحت أكثر امكانية في النجاح في ظل انتزاع الورقة الروسية العسكرية من على طاولة المفاوضات، ولكن السءال الضاغط اليوم أمام المعطى الجديد أي جيش تديره أو يدير السلطة في سوريا بعد خمس سنوات من القتال الداخلي؟
في "تحليل إقليمي" قدمته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في 
14 آذار/مارس 2016 تحت عنوان "القوة في الضعف: قدرة الجيش السوري العرَضية على الصمود" قد يجيب على سؤالنا. يقول الباحث خضر خضّور: "ليس الجيش مجرّد أداة لاستراتيجية النظام؛ فالطرفان يعملان كهيئتَين متمايزتين ولكن معتمدتين على بعضهما البعض، تحتاج إحداهما إلى الأخرى من أجل البقاء. فتحصُّن فرق الجيش في بقاع واسعة من الأراضي السورية، ساعد النظام في الحفاظ على سيطرته على مراكز سكّانية أساسية. كما أن الجيش يشكّل العمود الفقري اللوجستي للميليشيات التي يرعاها النظام، وقناةً مهمةً لداعمتي النظام: روسيا وإيران. وفي حين أن الميليشيات وفّرت معظم احتياجات النظام من المشاة، حافظ الجيش على سيطرته على القوة الجوية واستخدام الأسلحة الثقيلة. نتيجةً لذلك، تراجع عدد الإصابات والانشقاقات، وتعزّزت صورة نظام الأسد كرمزٍ للوحدة الوطنية. وهكذا أتاح تطوّر الجيش السوري وصموده منذ العام 2011 للنظام الصمودَ في الصراع، والتموضع في موقعٍ يجعله جزءاً لايتجزّأ من أي حلّ سياسي تفاوضي قد يجري التوصّل إليه.

ويضيف خضّور: تأتي قدرة الجيش على الإمساك بالأراضي التي تتّسم بأهميةٍ حيويةٍ لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، نتيجة مفارقةٍ غير مُتوقَّعة: العوامل التي سلبت الجيش قدرته القتالية في حقبة السلم، أصبحت قوّته الرئيسة في خضم الحرب. وعلى وجه الخصوص، تحوّلت شبكات الزبائنية والمحسوبية في الجيش، والتي تعود إلى ماقبل الحرب، إلى سلسلةٍ موازيةٍ من القيادة تشدّ عضد النظام. والواقع أن هذا الأخير استطاع، من خلال سحب الجيش من خطوط أمامية محدّدة، أن يعزّز قاعدته الاجتماعية والسياسية والمجتمعية المحلية، بعد أن جنّد ميليشيات مؤقّتة لتلبية احتياجاته من المشاة. سلسلة القيادة الموازية هذه، أتاحت للنظام أن يكيّف استراتيجيته للتفاعل مع ديناميكيات الصراع المتغّيرة بسرعة، وليضمن قبضته على القوات شبه العسكرية الموالية، ويرسّخ نفسه في المناطق ذات الأهمّية. ويستنتج الباحث أن الجيش السوري: ضعيف لكن ذو هيكل مرن.

دور هام ينتظر الجيش العربي السوري في المرحلة الإنتقالية المتوقع للأزمة السورية ولوجها، لكن التوافق السياسي هو ما يفتح الطريق أمام دوره المنتظر.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.