من يدفع ثمن استمرار الانقسام الليبي؟

على مدى ستة أسابيع، رسخت حكومة الوفاق الوطني الليبية سلطتها في طرابلس، لكنها عجزت عن الحصول على تأييد السلطة الموازية في الشرق، لتبقى البلاد رهينة الانقسامات التي تسهم في تصاعد الخطر الإرهابي وتواصل الانهيار الاقتصادي وفقدان الرقابة على الحدود.

من يحكم ليبيا؟

تخضع معظم مناطق الغرب الليبي وجنوبه إلى سلطة حكومة الوفاق الوطني المدعومة من المجتمع الدولي والمنبثقة عن اتفاق سلام وقع في كانون الأول/ديسمبر. لكن غالبية مناطق الشرق لا تزال خارج سلطة هذه الحكومة، وتاتمر بأوامر حكومة موازية.

تشترط حكومة الشرق غير المعترف بها دولياً والمدعومة من البرلمان المنتخب، أن تحصل حكومة الوفاق على ثقة المجلس النيابي قبل تسليمها مدن الشرق، وهو ما يعجز البرلمان عن تحقيقه بسبب الخلافات بين أعضائه.

ما هي القوى العسكرية الرئيسية؟

تحظى حكومة الوفاق الوطني في المناطق الخاضعة لسلطتها بتاييد جماعات مسلحة محلية إلى جانب وحدات من الجيش الليبي المنقسم منذ نحو عامين. وتشكل مدينة مصراتة (200 كلم شرق طرابلس) المركز الرئيس لهذه القوات التي تتمتع بقدرة تسليحية عالية، إذ تملك الدبابات والطائرات الحربية وتسيطر على العديد من المطارات.

وأعلنت القوى الكبرى وعدد كبير من الدول الداعمة لهذه الحكومة خلال اجتماع في فيينا استعدادها لتسليح القوات التابعة لحكومة الوفاق الوطني.

في الشرق، يقود الفريق أول ركن خليفة حفتر المدعوم من البرلمان خليطا مشابها من الجماعات المسلحة ووحدات الجيش. وتشكل مدينة بنغازي (الف كلم شرق طرابلس) والمناطق المحيطة بها مراكز لهذه القوات التي تملك طائرات ودبابات ومدرعات وتحاول منذ نحو عامين الحصول على استثناء من حظر التسليح المفروض على ليبيا لمحاربة “التنظيمات الإرهابية”.

وإلى جانب هاتين القوتين الرئيسيتين، تسيطر “قوة برقة”، وهي تحالف من قبائل محلية في شرق ليبيا على المرافىء النفطية الرئيسية، وقد أعلنت ولاءها لحكومة الوفاق. كما أن “مجلس شورى ثوار درنة”، وهو خليط من الجماعات المسلحة المحلية، يسيطر على درنة في اقصى الشرق، وهو معاد لقوات حفتر ولم يعلن تاييده لحكومة الوفاق.

وتخوض هذه القوى، كل منها بشكل مستقل عن الأخرى وفي مناطق مختلفة، معارك مع تنظيم الدولة الإسلامية الذي نجح في التمدد في ليبيا بفعل الانقسامات العسكرية.

أين تنظيم الدولة الإسلامية؟

يسيطر تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة سرت الساحلية منذ حزيران/يونيو 2015. ونجح التنظيم المتطرف الذي يضم نحو خمسة آلاف مقاتل في ليبيا، معظمهم من غير الليبيين، بحسب ما يؤكد مسؤولون أمنيون في طرابلس، في التمدد غرب وشرق سرت التي لا تبعد عن أوروبا سوى نحو 300 كلم.

وبعد نحو عامين من بداية ظهوره في ليبيا، توسع نفوذ التنظيم ليشمل مناطق في محيط مدينة درنة وفي داخل بنغازي، وقرى ومدنا صغيرة تمتد من سرت شرقاً وصولاً إلى عتبة موانئ النفط الرئيسية على بعد حوالى 200 كلم، وغرباً على مسافة نحو 50 كلم علما أنه فقد السيطرة على منطقة استراتيجية تبعد نحو 100 كلم غرب سرت.

ورغم سيطرته على هذه المناطق، لم يحظ التنظيم الذي نجح في استقطاب آلاف العراقيين والسوريين والتونسيين وغيرهم إلى صفوفه، إلا على تأييد عدد قليل من المقاتلين الليبيين. ويقول مسؤول أمني في طرابلس أن “المجتمع الليبي محافظ بشكل عام، لكنه لم يكن أبداً مجتمعاً متطرفاً، ولن يكون”.

كما يواجه تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا تحدياً من نوع آخر يتمثل في أنه يحارب جماعات تقاتل بالطريقة ذاتها التي يعتمدها. ويوضح المسؤول الأمني أن “القوات التي تقاتل التنظيم الدولة الإسلامية ليست جيشاً نظامياً كما في العراق وسوريا، بل انها جماعات مسلحة مدربة على خوض حروب شوارع شرسة”.

كيف يتأثر الاقتصاد؟

ينسحب الانقسام السياسي الذي يطال ليبيا، أغنى دول أفريقيا بالنفط والبلد الشاسع الذي يبلغ عدد سكانه نحو ستة ملايين نسمة فقط، على الاقتصاد الذي يشهد تراجعاً غير مسبوق مع تدني معدلات تصدير النفط إلى نحو 300 الف برميل بعدما كانت تبلغ نحو مليون ونصف مليون برميل يومياً.

وتمنع الاضطرابات الأمنية والسياسية تحصيل الضرائب في معظم المناطق، فيما المصرف المركزي الذي يدير السياسة النقدية في البلاد مضطر إلى أن يدفع شهرياً مرتبات مئات الموظفين الحكوميين التابعين لسلطتي الشرق والغرب.

وتشهد ليبيا منذ نهاية 2015 ارتفاعاً قياسياً في أسعار المواد الغذائية والألبسة والإلكترونيات وغيرها بفعل ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازية ومحدودية القدرة على استيراد السلع من الخارج.

ماذا عن الحدود؟

أصبحت ليبيا التي تتمتع بساحل متوسطي بطول نحو 1770 كلم، وتملك حدوداً مشتركة مع النيجر وتشاد والسودان جنوبا والجزائر وتونس غربا ومصر شرقاً، نقطة عبور رئيسية لمئات آلالف المهاجرين من دول جنوب الصحراء الكبرى الحالمين ببلوغ أوروبا.

ومع افتقاد ليبيا للرقابة الفعالة براً وبحراً بفعل عدم وجود قوات موحدة فيها، فهي تعتبر المنطلق الرئيس في أفريقيا للمهاجرين غير الشرعيين الذين يتدفقون عبر حدودها الجنوبية ويتجمعون في وسطها، قبل الانتقال إلى المناطق الشمالية والساحلية ويبحرون نحو أوروبا في رحلة غالباً ما تنتهي بمأساة في البحر.

AFP

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate