أوباما يفي بتعهده أمن وتفوق الدولة العبرية.. وأول مقاتلة من الجيل الخامس تسلّم لإسرائيل

العميد م. ناجي ملاعب –

رغم مظاهر الخلافات الشخصية المروًج لها أميركياً طيلة السنوات الأربعة من الولاية الثانية للرئيس باراك اوباما فإن ما حصلت عليه حكومة نتنياهو اليمينية في عهد أوباما، من مساعدات عسكرية واقتصادية، أكبر مما حصلت عليه أي حكومة إسرائيلية سابقة، ناهيك عن ثبات إدارة أوباما في تقديم الدعم الأميركي التقليدي للدولة العبرية، على الصعيد السياسي بتعطيل أية محاولة للحل، وعلى الصعيد الأمني بتنفيذ كامل واجبات التفوق العسكري.

ففي 22 حزيران/يوليو الجاري، تم الإحتفال بتسليم المقاتلة الأولى من الجيل الخامس من الطائرات الحربية الأحدث والأكثر تطوراً في الترسانة العسكرية الأميركية، “إف 35” (الشبح)، في حضور وزير الدفاع الإسرائيلي، ويتم العمل على استكمال تصنيع وتركيب باقي الدفعة الأولى، وعددها خمس، بحيث تسلم مقاتلتين في كانون الأول/ نوفمبر المقبل، أي قبل رحيل إدارة أوباما بشهرين، لترسي هذه الصفقة حدثاً مفصلياً ونوعياً في تاريخ الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، ليعود بها خبراء إلى ما قبل أربعين عاماً تاريخ حصول إسرائيل على طائرات الجيل الرابع الأميركية، “إف 15” و “إف 16″، والتي بواسطتها حصلت تل أبيب التفوق الجوي العسكري الساحق في المنطقة.

البدء بتنفيذ تزويد إسرائيل بطائرات حربية “إف 35” أكبر هدية يمكن أن تقدمها إدارة أميركية لحكومة اليمين المتطرف، ومن شأنها تعميق من الخلل في ميزان القوى العسكري في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.

يبلغ العدد الإجمالي من مقاتلات الـ F- 35 (الشبح) الذي تعاقدت إسرائيل عليها 33 مقاتلة، على أن يصل العدد إلى 50، وفي مرحلة لاحقة إلى 75 بعد عشر سنوات، ويتم بذلك استبدال الطائرات الحربية القديمة بالحديثة، في عملية تحديث منظومة القوى الجوية الإسرائيلية.

وتعد إسرائيل الحليف الأول من بين حلفاء الولايات المتحدة الذي يحصل على تلك المقاتلة المتطورة، ولم تكتف إدارة أوباما بهذا المستوى من الدعم، فقد سمحت لشركة “لوكهيد مارتين”، المصنعة للطائرة، بأن تجيز لتل أبيب إجراء كل أعمال الصيانة داخل إسرائيل، علماً بأن الشركة تشترط أن تجري أعمال الصيانة في مراكزها، في الولايات المتحدة أو أوروبا، بسبب الأجهزة المركبة في الطائرات. ويمنح اتفاق الصيانة، كذلك، إسرائيل إمكانية إدخال تطويرات على الطائرة، لاسيما منظومات الحرب إلكترونية، وبالطبع الاستفادة من الخبرات التقنية العالية التي تتمتع بها المقاتلة وتوظيفها في تطوير الصناعات الحربية الإسرائيلية.

وكتب المحلل العسكري في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أليكس فيشمان، حول تأثير ذلك على الميزان العسكري في المنطقة: “علاوة عن كونها طائرة ذات قدرة عالية على التملص، تملك طائرة “أف 35″ ميزة مهمة في جمع المعلومات، إذ إن كمية ونوعية المعلومات، التي تستطيع هذه الطائرة الحصول عليها بفضل أجهزة الرادار الحساسة، ستحسن من قدراتها الهجومية، وستخلق تحولاً تكنولوجيا ليس موجوداً في منظومات أخرى”. ويضرب فيشمان مثالاً على هذا قائلا: “تستطيع الطائرة الاقتراب من طائرة معادية ومن هدف أرضي والظهور والعمل في مرحلة لا يكون لدى الخصم خلالها قدرة على القيام برد فعال. وبفضل أجهزة الرادار المتطورة تستطيع الطائرة رؤية الخصم قبل وقت طويل من أي رادار جوي آخر..”.

أن حصول إسرائيل على أحدث ما في الترسانة الأميركية من أسلحة متطورة وفتاكة سيؤدي إلى أن مزيد من التعنت في مواقفها الرافضة لتسوية سياسية شاملة كما سيشجعها على مواصلة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعلى القيام بمغامرات عسكرية جديدة، وهذا لن يعفي إدارة الرئيس أوباما من المسؤولية التاريخية.

ويمكن القول إن كل ما يجري في المنطقة يندرج في سياق تحقيق الهدف الأميركي بالحفاظ على تفوق الكيان الصهيوني الغاصب لحقوق الشعب الفلسطيني، وفي هذا يرى الباحث هشام دبسي مدير مركز “تطوير” البحثي الفلسطيني “أن دفاع الإدارة الأميركية عن الاتفاق حول الملف النووي الإيراني ينسجم مع أولوية الأمن الاسرائيلي كما أن السياسات الإقليمية الإيرانية ذهبت عميقاً في التدخّل المباشر في العراق وسوريا واليمن فضلاً عن البلاد العربية الأخرى. وانكشفت حركة الصراع في المنطقة بما هو صراع على الفضاء العربي كأولوية حقيقية وليس الصراع مع “الشيطان الأكبر” أو إسرائيل على الرغم من استمرار البعد الدعائي والإيديولوجي”.

ويضيف دبسي “كشفت الأزمة السورية عن توافق روسي – اسرائيلي – أميركي سبق التدخُّل المباشر الذي شهدناه منذ أيلول العام الماضي. هذا التوافق تمَّ برضى إيراني وقبول للتفاهمات الروسية – الاسرائيلية حول التدخُّل في سوريا. ما يعني بالخلاصة أننا إزاء إدارة أميركية للأزمة في المنطقة تستهدف إعادة صياغتها من دون احتساب للوقت أو للخسائر البشرية والمادية التي تدفعها شعوب المنطقة وحكوماتها طالما ان إعادة الصياغة تتم من خلال سيطرة القطب الاميركي على حركة الصراع بين القوى الإقليمية (إيران – تركيا – السعودية). علماً ان الدور الاسرائيلي يحاول عدم الظهور بشكل مباشر خارج العباءة الاميركية، لكن تأثيراته شديدة الوضوح في المفاصل والمواقف الرئيسية التي شهدتها المنطقة وخصوصاً الأزمة السورية بما هو دور حافظ للتوازنات ومانع لانهيار النظام السوري”.

ولا يصنف الدبسي التدخل الروسي خارج السياق الأميركي فيضيف: “يمكن القول ان الإدارة الاميركية تستثمر أيضاً في القوة الروسية تحديداً التي تتعامل معها على أنها قوة إقليمية من عيارٍ ثقيلٍ، وتمتلك قوة عسكرية من الدرجة الثانية على المستوى الدولي. ويمكن من خلال الاستثمار معها في الشرق الأوسط الوصول إلى نتائج أفضل للمصلحة الأميركية، مع احتساب الحصة المناسبة للمصالح الروسية في مستقبل الشرق الأوسط”.

هذا الإستثمار الأميركي أخرج القوتين الكبريين في المنطقة ، برأي الخبراء، إيران وروسيا من حجريهما وبدأ باستنزاف قدراتهما العسكرية والاقتصادية، وليست القوة الثالثة التركية بمنأى عن هذا الإستنزاف، وما يجري في اليمن يمتص القدرات الخليجية الهائلة في غير مكانه الصحيح، وحدها مصر التي استعاد الجيش دورها العربي والإفريقي بعد مخاض مع التواطوء وغض النظر الأميركي والغربي على تسلم الأخوان المسلمين للسلطة. وبعد كل هذا الدمار والقتل والتهجير في أفق عدواني مسدود بإحكام يخطئ من يظن أن لا سياسة أميركية في المنطقة، فأمن وتفوق اسرائيل محور كل الإدارات الأميركية حتى اليوم.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate