تفوُّق جوّي للصواريخ المجهَّزة برؤوس باحثة عاملة برادار AESA

عدد المشاهدات: 1058

رائد القاقون – 

ترسَّخ تفوُّقُ الرؤوس الباحثة الرادارية في توجيه الصواريخ عند المرحلة الطرفية النهائية منذ ستينات القرن الماضي. وقد جرى اعتماد ثلاثة تصميمات أساسية هي: الرأس الباحث الراداري النشط Active Radars Seekers، والآخر نصف النشط (Semi-active)، والثالث الخامل (Passive) في أنواعٍ مختلفة من الرؤوس الباحثة، بما في ذلك مفهوم “التعقُّب الراداري عبر الصاروخ” (track-via-missile) الذي اعتُمِدَ في صواريخ “باتريوت” (Patriot) خلال حرب الخليج الأولى. ومع ذلك، لا تزال الرؤوس الباحثة الرادارية النشطة أكثر شعبيةً في جميع برامج الصواريخ، وذلك بفضل مرونة التصميم والتطبيق لملاءمة جميع متطلّبات المهام فضلاً عن قدرتها في جميع الأحوال الجوّية والبيئية. وهذا يعود في الأساس إلى خيار تصميم الشكل الموجي، والتفعيل الأمثل لجهاز التلقِّي، والقدرة على التكيُّف والمرونة بفضل تقنيات معالجة الإشارة الرقمية.

وتُمثِّل صواريخ جو-جو الموجّهة رادارياً في الوقت الحالي أفضل ما يمكن أن توفّره أحدث التكنولوجيات المتطوّرة، سواء من ناحية المدى، أو الدقة، أو مقاومة الإجراءات المضادة.

والرأس الباحث الراداري النشط هو رادار تعقُّب أحادي النبضة (monopulse) متراص ذو هوائي مركّب على منصّة مستقرّة جيروسكوبياً (gyro-stabilized) بحيث يكون معزولاً عن حركة الصاروخ. ومن أجل استكمال توجيه الرأس الحربي، يتعيّن حوسبة أوامر التوجيه الضرورية بواسطة كومبيوتر صُغرَوي على متنه (OBC)، فضلاً عن جهاز إرسال وجهاز استقبال، ومعالِجات إشارة رقمية. وخيرُ مثالٍ على الصواريخ الموجّهة برأس باحث راداري نشط هو الاشتقاقات الحديثة من صاروخ AMRAAM، وهو سلاح “ارمِ وانسَ”.

وتقوم هذه الأنظمة برصد أهدافها والإطباق عليها عبر استشعار الطاقة الكهرومغناطيسية المنعكسة عن سطح الهدف. ومصدر هذه الطاقة هو جهاز إرسال راداري، يكون داخل الصاروخ في حالة الرأس الباحث الراداري النشط، أو على متن الطائرة المقاتلة المُطلِقَة للصاروخ في حالة الرأس الباحث الراداري نصف النشط. وفي كِلا الحالتين يقوم جهاز الإرسال ببَث إشعاع كهرومغناطيسي نحو الهدف فينعكس عن سطحه عائداً إلى الهوائي المتلقّي (receiving antenna) للصاروخ، فيُضخّمه، ويُزيل تضمينه (demodulation)، ويُحلِّله ليُحدِّد اتّجاه الصاروخ، ومن ثم تتيح هذه المعلومات للكومبيوتر الصغري على متنه (OBC) بتوجيه السلاح نحو الهدف ومن ثم تدميره.

  مقاتلات "ميغ" أصبحت قادرة على تدمير 6 أهداف في آن واحد

والصواريخُ ذات الرأس الباحث الراداري نصف النشط تهيمن حالياً على سوق الصواريخ الموجّهة رادارياً على مستوى العالم وذلك بسبب بساطتها نسبياً. والعاملُ الأكثر أهمية في قدرة الفتك (Lethality) لدى الصواريخ المزوّدة بهذه الرؤوس الباحثة هو دقة التعقُّب، والقدرة على التمييز بين الأصداء المُنعكِسة عن الهدف وتلك الناتجة عن التشويش الأرضي. لكن هناك محدوديات في هذَين النوعَين من التوجيه الراداري للصاروخ الجوّي يتمثّل في عدم مجاراة قدرة الهدف على المناورة والإفلات من الإطباق في الثواني الأخيرة من مسرى الصاروخ قبل محاولة ارتطامه بالهدف.

الرؤوس الباحثة برادار AESA

ومن أجل التغلُّب على تلك المحدوديات في أداء الرؤوس الباحثة الرادارية، ثمة سعي لمقاربات تكنولوجية متطوّرة بديلة على غرار الرأس الباحث العامل برادار “صفيف المسح الإلكتروني النشط” AESA. والفارق الرئيسي الذي يوفّره المسح الإلكتروني النشط (Active Electronic Scanning) هو تنقُّل الإشعاع الراداري فوراً في جميع أنحاء منطقة التغطية من دون حصره في أي زاوية، وكذلك من دون تحرُّك الهوائي من مكانه.

وتحقَّقَ مفهومُ الرأس الباحث بصفيف المسح الإلكتروني النشط عقب تطوير وحدات إرسال/تلقّي T/R modules صغيرة الحجم عند حيّز J. ويمكن رصف هذه الوحدات في صفائف (arrays) ضمن الفسحة المتوافرة لمكوِّنات الرأس الباحث. وتُكمَّل تلك بتقنية المسح المُمَرْحَل (Phased Scanning)، وهي ذات ميزةٍ إضافية تتمثَّل في تضليل مصدر إشارة التشويش بما يُخفِّض من فاعليتها كإجراءٍ مضاد. وكلّ وحدةٍ من صفيف المسح الإلكتروني تشتمل على مُضخِّم طاقة (amplifier) خاص بها بما يجعل كلّ واحدة منها نشطة. وأصبح كلُّ ذلك ممكناً بفضل استخدام تكنولوجيا الدارات المدمجة المايكرووفية (microwave integrated circuit) فضلاً عن اعتماد مكوّنات تستند إلى “الأنظمة الإلكتروميكانيكة الصُغروية العاملة بالتردُّد الراديوي” RF) MEMS)، ولو أنّ ذلك يضاعف من تعقيد هذه الرؤوس الباحثة ويزيد كلفتها، وهو ما قد يُبقي نادي القوى العالمية التي تستأثر بها محصوراً بعددٍ قليل من الأعضاء.

  مقاتلة ميغ-35 قيد التصنيع وجاهزة في الخريف المقبل

وأول رأس باحث يشتمل على رادار AESA هو لصاروخ الجو-جو المتطوّر Mitsubishi AAM-4B، الذي جُهِّزت به المقاتلات اليابانية الحديثة لا سيّما Mitsubishi F-2.

في مقابل هذه المستجدّات التكنولوجية، طوّر الروس رأساً باحثاً مزوّداً بهوائي رادار صفيف مسح إلكتروني مُمَرْحَل نشط، لصالح الصاروخ الروسي الجديد الفتّاك K-77M، وذلك سعياً لحل مشكلة المحافظة على الإطباق “ضمن حقل الرؤية للرادار” حتى الثواني الأخيرة وارتطام الصاروخ بالهدف، دون الإفساح في المجال للمقاتلات المستهدَفة القيام بانعطافاتٍ حادّة مفاجئة لتضليل الصاروخ والإفلات من مجال رؤية راداره. وبذلك يُطبِّق هذا الرأس الباحث حلاً يُماثل أداء نظام صاروخ السطح-جو Patriot من “رايثيون” Raytheon.

وستُجهَّز الطائرات المقاتلة الروسية الخفيّة من الجيل الخامس PAC FA الجديدة (اشتقاق T-50) بهذه الصواريخ الفائقة الدقة التي تُضاهي، وربّما تفوق، تكنولوجيا صواريخ الجو-جو الأميركية الحالية. وقد عبَّر خبراءٌ دفاعيون غربيّون عن خشيتهم من بيع تكنولوجيا الرأس الباحث برادار المسح الإلكتروني النشط المُمَرْحَل المتطورّة هذه إلى الصين لتعزيز أداء صواريخها من نوعَي PL-12 و PL-15، التي ستُجهِّز أحدث المقاتلات الصينية.

ويشتمل هذا الرادار الصاروخي على عدد كبير من خلايا الصفيف الرقمية الفردية، كلٌّ منها يُوجِّه إشعاعه الراداري الخاص بسرعة الضوء، وتتلقّى كلّ خلية جزءاً فحسب من الإشارة. لكن ما أن تعالج رقمياً حتى تُشكِّل جميع المعلومات التي استخلصت من سائر الخلايا “صورةً كاملة” تُمكِّن صاروخ K-77M من الاستجابة للانعطافات والمناورات الحادّة للهدف وإصابته لا محال عملياً، حيث يتيح المسحُ الإلكتروني تعديلَ الإشعاع من ناحية الاتّجاه آلاف المرّات في الثانية الواحدة، وهو ما يحافظ على الإطباق ومن ثم تحقيق الإصابة.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
x

عدد المشاهدات: 1057

هل يمكن لحالة التوتر العسكري المتصاعدة بين الهند وباكستان أن تؤدي إلى حرب بين البلدين؟

النتيجة

  مقاتلة ميغ-35 قيد التصنيع وجاهزة في الخريف المقبل