الأبرز

هل مصر في حاجة فعلية لمقاتلة سو-35؟ وما الذي ستضيفه للقوات الجوية؟

محمد الكناني - بوابة الدفاع المصرية

سوخوي-35
مقاتلة "سوخوي سو-35" الروسية وهي تهبط بعد عرض تحضيري في "لوبورجيه" فرنسا في 16 حزيران/يونيو 2013 عشية افتتاح معرض باريس الدولي للطيران (AFP)

في البداية، يجب أن نعترف أن المقاتلات الثقيلة المُختصة بمهام التفوق الجوي كالسو-30/35 أو الأف-15 مُصممة خصيصاً لفرض نطاق كامل من السيادة/السيطرة الجوية فوق أي مجال جوي صديق أو معادي وتحييد أية تهديدات جوية تدخل هذا النطاق، إلى جانب مهام المرافقة والحماية للأهداف الجوية عالية القيمة والدورية الجوية القتالية لحماية الأهداف عالية القيمة (لحماية منطقة بعينها سواء برية أو بحرية للدفاع عن طائرات صديقة أو وحدات برية متحركة أو سفن حربية في البحر)، وكذلك تنفيذ هجمات جوية بعيدة المدى بحمولة تسليحية كبيرة ضد الأهداف عالية القيمة التي تتطلب قوة نيرانية ضخمة (الصواريخ الجوالة ذات الرؤوس الحربية الثقيلة).

ولكن من جهة أخرى، فإن هذه النوعية من الطائرات المقاتلة لا تتميز بالمرونة في تنفيذ باقي المهام كالطائرات التكتيكية متعددة المهام (F-16 – F-18 – Rafale – Typhoon) نظراً لحجمها الضخم وبصمتها الحرارية والرادارية الكبيرة اللذان يفرضان عليها نوعيات مُحددة من المهام القتالية، إلى جانب تكاليف تشغيلها الضخمة الناتجة عن شراهة محركاتها الضخمة والقوية للوقود بأضعاف ماتستهلكه محركات المقاتلات متعددة المهام.

القوات الجوية المصرية كانت ولازالت تعتمد عقيدة تشغيل المقاتلات التكتيكية متعددة المهام التي يمكنها تنفيذ أكثر من مهمة بتكلفة اقتصادية تتناسب مع إمكاناتها المالية بشكل خاص والإمكانيات المالية للدولة بشكل عام. ولكن إذا كانت تنوي الحصول على مقاتلة كالسو-35 فهذا يعني التوسيع مفهوم القوة الجوية القادرة على القيام بكل شيء في اي مكان بدون ادنى مشكلات للوصول لتصنيف مقارب او مماثل للقوة الجوية الهندية -كيفاُ وليس كما بالتأكيد-.

فالقوة الجوية الهندية تبرز ميزتها الرهيبة والرئيسة في التنوع المُكثف في الطائرات المقاتلة ما بين Su-30 وMiG-29 بنوعيها لدى طيران القوات الجوية وطيران البحرية وMirage-2000 وRafale وإلى جانب المفاوضات على الرافال البحرية والـF/A-18 Super Hornet وحتى الأف-35 نفسها. بخلاف المناقصة الحالية لإحلال مقاتلاتها المتقادمة طراز MiG-21BIS وMiG-27 بمقاتلات متوسطة متعددة المهام تتنافس فيها الولايات المتحدة بالـF-16 Block 70 Super Viper والسويد بمقاتلات JAS 39 Gripen.

ولكن، وكما يُمثل التنوع ميزة قوية جداً، فإنه أيضاً يُعدّ في حد ذاته عيباً بارزاً يتمثّل في تعدد خطوط الدعم الفني واللوجيستي التي ستتحمل عبء التعامل مع اكثر من طراز من الطائرات المقاتلة في آن واحد، بدلاً من طراز أو طرازين أو حتى 3 بحد أقصى. إلى جانب الحاجة لتخريج أعداد أكبر من الطيارين بتخصصات أوسع نطاقاً للتعامل مع اكثر من نوع من المقاتلات بأكثر من اسلوب وتكتيك في القيادة والقتال الجوي.

ناهيك عن وجود شقين شرقي وغربي في سلاح جوي واحد، يعني أن كل شق منهما لا يمكن ربطه بوصلات البيانات مع نظيره لاختلاف السوفتوير وكمبيوتر المهام لدى كل منهما، وبالتالي فطائرات كالـAWACS الغربية لا يمكنها تنفيذ مهام الربط والقيادة والسيطرة الا مع مقاتلات غربية المنشأ، ونفس الأمر لطائرات الـAWACS الشرقية لن تكون قادرة على الربط الا مع مقاتلات من نفس المنشأ.

هل ترغب القوات الجوية المصرية في ذراع طولى إضافية تزيد من قدراتها الهجومية بعيدة المدى إلى المستوى الذي يُثير قلق جهات دولية عدة؟

مقاتلة كالرافال بكل تأكيد توفر تعددية مهام متميزة تجمع مابين الحمولة التسليحية الممتازة والمدى العملياتي المُوسّع ولم يُطلق عليها لقب “مقاتلة كل المهام Omnirole Fighter” من فراغ، فهي تمتلك حزمة إلكترونية للرصد والتتبع والإعاقة الإلكترونية تمكنها من تنفيذ اكثر من مهمة في الطلعة الجوية الواحدة، فيُمكن ان تقوم بتنفيذ اعتراض جوي بالوصاريخ جو-جو ودعم بحري بالصواريخ المضادة للسفن والاستطلاع والدعم الإلكتروني لصالح لمقاتلات والسفن الصديقة بواسطة حزمة الحرب الإلكترونية المتطورة جداً SPECTRA، بل ولن أكون مبالغاً على الإطلاق اذا قُلت أنني أميل إلى مضاعفة أعدادها كمقاتلة تكتيكية مرنة ذات تعددية حقيقية للمهام بدلاً من مقاتلة ثقيلة ذات محدودية في المهام كالـSu-35 وهو الأمر الذي لا يعيب الأفعى الروسية بكل تأكيد، طبقاً لما هو سالف ذكره فيما يتعلق بمهامها الاستراتيجية.

الـMiG-29M/M2 من جهتها، توفر إضافة قوية جداً للقوات الجوية المصرية في الجانب الدفاعي (الاعتراض والدفاع الجوي) بفضل تفوقها الهائل في هذا الجانب وستوفر – بجانب الأف 16- مظلة جوية ممتازة لدعم الدفاعات الجوية الارضية في السماء المصرية ضد اية عدائيات تحاول الدخول للمجال الجوي المصري وستكون بمثابة الكابوس في الاشتباك والقتال الجوي المتلاحم حيث تمتاز بقدرتها على القيام بأعمال الكمائن الجوية والهجوم المفاجىء من ارتفاعات منخفضة ومتوسطة وبسرعات عالية مع قدرة المناورة الهائلة التي تتميز بها المقاتلات الروسية بشكل عام.

عندما نتحدث عن قوات جوية مصرية لديها رافال وأف-16 وميج-29/35 فهذا ليس بالمقلق كثيراً للجهات المُعادية وسيكون منظورهم وتقييمهم لنا: “تطوير ممتاز جداً في القدرة الدفاعية مع ظهور قدرة هجومية جيدة جداً عما كان الوضع عليه سابقاً”. ولكن عندما نضيف السو-35 لهذه المعادلة فسيختلف المنظور بنسبة 180 درجة وسيتصاعد القلق لأقصى المستويات لأن المنظور والتقييم سيكون: “قدرة دفاعية ممتازة جداً مع قدرة هجومية غير مسبوقة”.

عندما نقول إن الرافال مع الميج 35 والأف 16 ستشكلان قدرة قتالية هائلة للجيش المصري للتصدي لأية تهديدات جوية مستقبلية بما فيها الأف 35 نفسها بل ويمكننا الرد عليها أيضاً. ولكن عندما نضيف لها وحش جوي هائج كالسو 35 يمجرد رصده لأي هدف جوي يفتح عليه بطارية صواريخ كاملة تصل إلى 12 صاروخ جو-جو بمختلف الأنواع (R-77 / R-27 / R-73) وكل نوع يخرج منه عدة إصدارات ببواحث رادارية نشطة وسلبية وبواحث حرارية، فنحن هنا نتحدث عن قوة جوية قادرة على تنفيذ هجوم جوي على الأسطول السادس الأميركي في قلب البحر المتوسط والأف-35 والسايلنت ايجل لن تكفيان الطرف الأخر لمجابهة هذا التنوع.

وهنا سيتساءل البعض “أليست الـSu-35 مقاتلة ثقيلة غير مرنة؟” وردي سيكون عليهم: نعم هي والأف 15 من فئة المقاتلات الثقيلة، وتحديداً ثيران طائرة هائجة .. ونعم يملكون بصمة رادارية وحرارية ضخمة، ولهذا السبب هم لا يصلحون في مهام الإخماد أو فتح الثغرات ضد الدفاعات الجوية أو تنفيذ الكمائن الجوية أو الدعم الإلكتروني ومراقبة مسرح العمليات عن قرب، لأن هكذا مهام تتطلب بصمة رادارية وحرارية منخفضة جدا تتوافر لدى الرافال مثلاً، ولا يصلحون لتنفيذ أية مهام تتطلب استخدام مقاتلات تكتيكية ذات تكاليف تشغيل وصيانة اقتصادية مقارنة بالمقاتلات الثقيلة التي تتولى المهام التي تناسب إمكاناتها.

السو-35/30 والأف-15 يُمكننا أن نُصنفها في فئة “العضلات – البلطجة” لأنها تحدث عاصفة وفضيحة لدى دخولها مسرح العمليات، لا يُمكن إخفاؤها بأي صورة من الصور، دون وجود قدرات حرب إلكترونية متطورة للتشويش على وسائل الرصد والدفاع الجوي المعادي، او أنواع اخرى من المقاتلات التي تعمل في الخفاء، وهنا تأتي اهمية المقاتلات متعددة المهام كالرافال او الاف 16 او الميج والتي تستطيع تنفيذ سيناريوهات وتكتيكات خداعية عديدة نظرا لعددها الاكبر ومرونتها وتنوع مهامها وبالتالي تحقق التكاملية الشديدة مع مقاتلات التفوق الجوي (دائماً مقاتلات السيادة/السيطرة الجوية عددها أقل من المقاتلات متعددة المهام مقابل مداها الأكبر وحمولتها التسليحية الاكبر وقدرات رصدها الافضل ولكن مقابل ايضا تكلفة تشغيلها الباهظة ومقاطعها الرادارية وانبعاثاتها الحرارية الكبيرة) وهناك دول كثيرة جداً تعتمد على المقاتلات متعددة المهام وحدها بدون مشكلات.

من المهم جداً استخلاص التالي: لا وجود لسلاح ذات مناعة وتفوق مُطلق، فكلٌ له مميزاته وعيوبه وكلٌ يكمل بعضه بعضاً، وكل سلاح جو لديه عقيدته وأسلوبه وتفكيره والذي ببني عليه خططه التسليحية والقتالية.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.