إرتفاع الإنفاق العسكري العالمي إلى أعلى مستوياته منذ الحرب الباردة

أغنس الحلو زعرور

صاروخ K50 جو-جو الروسي (صورة أرشيفية)

الأسلحة النووية تتراجع عددياً وتتقدّم نوعياً

 

شهد الإنفاق العسكري العالمي إرتفاعا كبيرا في الآونة الأخيرة حتى وصل عام 2017 إلى أعلى مستوياته منذ الحرب الباردة. ففي حين أن دول العالم تسعى إلى إرتقاء “رأسمالها الرمزي” العسكري Symbolic Capital على الصعيد العالمي لتظهر قدراتها العسكرية، إن إستمرار النزاعات المسلّحة في مجموعة من دول العالم أتاح للدول الكبرى بإنتاج أكثر الأسلحة دقة وتطوّرا وعرضها في أماكن النزاع. وفي حين أن ما نراه في سوريا هو استعراض عسكري روسي لأحدث أنظمتها العسكرية مما أتاح لها بتوقيع عدد من العقود مع دول المنطقة، تبقى القدرات النووية للدول الكبرى هي اللاعب الأبرز في ميزان القوى العالمي. إلا أن الأرقام تبوح بالحقائق كما هي: إنخفاض في عدد الأسلحة والصواريخ النووية تطبيقا لمعاهدات حظر الأسلحة النووية ولكن في الوقت عينه تطوّر هذه الأسلحة بشكل هائل وتحديثها.

الإنفاق العسكري العالمي: دولة عربية وحيدة ضمن قائمة الدول العشر الأوائل

ارتفع الإنفاق العسكري العالمي في عام 2017 إلى أعلى مستوياته منذ الحرب الباردة، وتصدرت الولايات المتحدة والصين والسعودية قائمة الدول الأعلى إنفاقًا، بحسب ما ذكر معهد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) في حزيران/ يونيو 2017.

وقدّر المعهد أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 73.1 تريليون دولار في عام 2017 ،بزيادة 1.1 %مقارنة مع عام 2016. وظلت الولايات المتحدة على رأس القائمة باعتبارها الأعلى إنفاقا في العالم بقيمة 610 مليارات دولار، دون تغيير على أساس سنوي. وشكلت الولايات المتحدة أكثر من ثلث الإنفاق العسكري العالمي.

وتشير التقديرات إلى أن الصين جاءت في المرتبة الثانية بـ 228 مليار دولار، وفقًا للمعهد. وقال معهد الأبحاث، ومقره السويد، إنه يقدر أن نصيب الصين من الإنفاق العالمي تضاعف منذ عام 2008 إلى 13 .%وحلت المملكة العربية السعودية مكان روسيا في المركز الثالث، حيث أنفقت 4.69 مليار دولار في عام 2017.

وفي الوقت نفسه انخفض الإنفاق الروسي بمقدار الخمس مقارنة مع 2016 إلى 3.66 مليار دولار. وهذا هو أول انخفاض منذ عام 1998 .وعزا المعهد هذا الانخفاض إلى عوامل مثل انخفاض أسعار النفط. وتخطت الهند فرنسا لتحتل المركز الخامس، حيث أنفقت ما يقرب من 64 مليار دولار. وأفاد المعهد أن أرقامه تشمل الرواتب وتكاليف العمليات وشراء الأسلحة والمعدات بالإضافة إلى الأبحاث والتطوير.

هذا وكانت دراسة جديدة أظهرت مؤخرًا ازدياد واردات السلاح الى الشرق الأوسط وآسيا بشكل كبير على مدى الأعوام الخمسة الماضية على خلفية الحروب والتوترات في المنطقتين. وأفاد معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري) أن الفترة بين العامين 2013 و2017 شهدت زيادة بأكثر من الضعف في استيراد السلاح في منطقة الشرق الأوسط التي تمزقها نزاعات عدة، وهي زيادة بنسبة 103 بالمئة مقارنة بالأعوام الخمسة التي سبقت.

وتجدر الإشارة إلى أن منطقة الشرق الأوسط شكلت 32 بالمئة من جميع واردات السلاح في العالم.

 

السلاح النووي: إنخفاض في العدد وإرتفاع في الدقة والتطوّر

تقلّص الدول التي تملك أسلحة نووية ترساناتها لكنها تحدّثها، رغم سعي المجتمع الدولي الى نزع هذه الأسلحة، معتبرا أن ”استراتيجية الردع مقلقة“.

وفي بداية 2018، كانت تسع دول هي الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا والصين والهند وباكستان واسرائيل وكوريا الشمالية، تملك 14465 رأسا نوويا، بينها 3750 رأسا تّم نشرها، بحسب الأرقام السنوية لمعهد سيبري لأبحاث السلام ، مقابل 14935 رأسا في بداية 2017.

وأتى في تقرير المعهد أن ”خفض العدد الإجمالي للأسلحة النووية في العالم يعود بشكل أساسي إلى روسيا والولايات المتحدة (…) التي تستمّر في تقليص قدراتها النووية الاستراتيجية تنفيذا للمعاهدة حول التدابير الإضافية للحدّ من الأسلحة الاستراتيجية الهجومية وخفضها (معاهدة ستارت الجديدة)“.

وتنص هذه المعاهدة التي وقعتها روسيا والولايات المتحدة العام 2010 ودخلت حّيز التنفيذ العام 2011 ،على خفض عدد الرؤوس النووية التي تملكها القوتان (تملكان معا أكثر من 90 %من الأسلحة من هذا النوع في العالم) بنسبة30  ،%وعلى إجراء عمليات تحقق متبادلة أكثر شفافية.

وأوضح معهد ”سيبري“ أن الدول الأخرى التي تملك أسلحة نووية وهي بريطانيا (215 رأسا نوويا) وفرنسا (300( والصين (280 (والهند (130-140 (وباكستان (140-150 (واسرائيل (80 (وكوريا الشمالية (10-20 ،معطيات غير مؤكدة لهذا البلد)، ”تطّور أو تنشر (جميعها) أنظمة أسلحة نووية جديدة أو أعلنت نيتها القيام بذلك“.

وأكد رئيس مجلس إدارة ”سيبري“ جان الياسن أن ”العالم بحاجة إلى التزام واضح من الدول التي تملك أسلحة نووية من أجل عملية فعالة وملزمة قانونا من أجل نزع السلاح النووي“.

وحذر المعهد من التقدم ”السريع وغير المتوقع“ الذي أحرزته كوريا الشمالية، خصوصا في ”تجربة نوعين جديدين من أنظمة اطلاق الصواريخ البالستية البعيدة المدى“.

وفي 12 حزيران/يونيو الماضي، عقد الرئيس الأميركي دونالد ترامب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون قمة تاريخية في سنغافورة، وقعا خلالها اعلانا مشتركا ولكن من دون تحقيق خرق كبير في قضية تخلي كوريا الشمالية عن ترسانتها النووية.

وبعد يومين من القمة، جدد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو تأكيد أهمية الاستمرار في العقوبات حتى النزع الكامل لأسلحة كوريا الشمالية النووية.

 

الأسلحة النووية بالأرقام:

بلغ عدد الأسلحة النووية التي تمتلكها 9 دول في مطلع عام 2018 – الولايات المتحدة الأميركية، روسيا، المملكة المتحدة، فرنسا، الصين، الهند، باكستان، إسرائيل وكوريا الشمالية – حوالي 14465 سلاحا. وبذلك يكون عدد الأسلحة النووية في العالم انخفض من 14935 في مطلع عام 2017.

وهذا الانخفاض في العدد الإجمالي للأسلحة النووية يعود بمعظمه إلى روسيا والولايات المتحدة الأميركية حيث تمتلكان 92% من كل الأسلحة النووية في العالم، حيث قامت لخفض القوات النووية الاستراتيجية تطبيقا لاتفاقية 2010 حول الإجراءات للخفض والحد من الإسلحة الاستراتيجية الهجومية.

ولكن وعلى الرغم من خفض القوات النووية، إلا أن لكل من الولايات المتحدة وروسيا برنامج طويل الأمد لاستبدال وتحديث رؤوسها النووية، صواريخها وأنظمة نقل الطائرات ومرافق إنتاج الأسلحة النووية. فقد أكّدت الولايات المتحدة الأميركية ضمن مراجعة الموقف النووي NPR الذي أصدرته في شباط/ فبراير 2018 ، تحديث برامج الأسالحة النووية ووافقت على تطويرها. كما ركّزت هذه المراجعة على توسيع آفاقها النووية لردع وإذا لزم الأمر لهزيمة الهجمات الاستراتيجية النووية وغير النووية.

وقال السفير جان إلياسون، رئيس مجلس إدارة معهد ستوكهولم لأبحاث السلام  SIPRI، ” إن التركيز المتجدّد على الأهمية الاستراتيجية لردع الأسلحة النووية وقدرتها هي نزعة مقلقة جدا. يحتاج العالم إلى إلتزام واضح من الدول التي تمتلك أسلحة نووية إلى عملية ملزكة قانونيا وفعالة لنزع هذه السلحة. ”

هذا وتعتبر الترسانات النووية للدول النووية الأخرى أصغر بكثير، ولكنها جميعا إما تطوّر أو تنشر أنظمة نووية جديدة أو على الأقل أعلنت نيّتها لذلك. فتزيد الهند وباكستان مخزونها من الأسلحة النووية كما تطوّر أنظمة صواريخ  برية، بحرية وجوية.

في عام 2017 استكملت كوريا الشمالية تقدّمها التقني في تطوير قدراتها النووية، وتضمّنت اختبار الأسلحة النووية الحرارية في أيلول/سبتمبر 2018. كما استعرضت كوريا الشمالية تقدّمها السريع غير المتوقّع في اختبار نوعين حديثين من الصواريخ البالستية بعيدة المدى.

وقال شانون كايل ، الباحث في معهد سيبري لأبحاث السلام، ” على الرغم من الاهتمام العالمي الواضح بنزع الأسلحة النووية الذي ظهر في خلاصة معاهدة حظر الأسلحة النووية في 2017، إلا أن برامج التحديث التي تقوم بها الدول النووية تشير إلى أن االتخلّص من الأسلحة النووية لا زال هدفا بعيد المنال.”

 

الأسلحة النووية في العالم في شهر كانون الثاني 2018
الأسلحة النووية في العالم في شهر كانون الثاني 2018

 

تداعيات إرتفاع الإنفاق العسكري العالمي وتطوير الأسلحة النووية:

مع التطوّر التقني الهائل على كافة الصعد بات من الطبيعي أن تواكب الصناعات العسكرية هذا التطوّر. وليس من المستغرب أبدا أن تصرف الدول المتقدّمة نسبة لا يستهان بها من موازنتها العامة على الإنفاق العسكري.

وفي مقابلة خاصة مع النائب اللبناني العميد وهبي قاطيشه، وهو جنرال متقاعد ف يالجيش اللبناني أضاء على بعض جوانب إرتفاع الإنفاق العسكري في العالم قائلاً :” هذا الإرتفاع يعود إلى إرتفاع كلفة الآليات والذخائر والطائرات العسكرية ودخول عوامل الذكاء الإصطناعي إلى هذه الأنظمة مما يرفع سعرها تلقائيا. هذا لا يعني بأن الحروب اصبحت على الأبواب ولكنه يعني بأن الحرب بمفهومها الكلاسيكي تتراجع لصالح الحروب الذكية. ”

أما فيما يتعلّق بالأسلحة النووية قال قاطيشه: ” هناك إتفاقيات بين الدول تحكم إنتاج هذا النوع من الأسلحة بما فيها معاهدة حظر الأسلحة لتقليص عدد الصواريخ لدى الفريقين. على الرغم من تقيّد الولايات المتّحدة الأميركية وروسيا بهذه المعاهدة إلا أن نقل هذه الصواريخ واستخدامها يتطلّب أسلحة أذكى وتعدد رؤوس الصواريخ التي تطلقها. مثلا روسيا

ولكن أشكّ أن يتم إستخدام هذه الأسلحة النووية فعليا، باستثناء حرب النجوم التي أطلقتها الولايات المتّحدة التي تطلق صواريخ مضادة للصاروخ القادم عليها من دولة أخرى ميثلا روسيا على سبيل المثال. ممّا يحتّم على هذه الأخيرة إطلاق 3 صواريخ واحد حقيقي و2 وهميّين عندها الصواريخ المضادة ستضيع في أي هذه الصواريخ هو الحقيقي فعلا.”

 

الإنفاق العسكري العالمي لعام 2017 بحسب معهد سيبري للأبحاث
الإنفاق العسكري العالمي لعام 2017 بحسب معهد سيبري للأبحاث

 

في الخلاصة، يلعب التقدّم التقني الدور الأهم في إرتفاع الإنفاق العسكري العالمي بحيث تأتي الإختراعات العسكرية بأشكال مختلفة من أنظمة الحرب بالوكالة إلى أنظمة إختراق الفضاء إلى أنظمة الحرب الإفتراضية.

 

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.