الدول العربية والتصنيع العسكري المحلي:‏ التحديات والآمال

مدرعة فهد
مدرّعة "فهد 300" المصرية خلال معرض EDEX 2018 الذي أقيم في القاهرة بين 7 و 10 كانون الأول/ ديسمبر 2018 (الأمن والدفاع العربي - صورة خاصة)

عدد المشاهدات: 1527

شيرين مشنتف

أصبحت دول الشرق الأوسط فعالة بشكل جدي في بناء شركات تصنيع دفاعية قوية وعالية التقنية، مدفوعة في الأساس بالرغبة في التحرر من الاعتماد الإقتصادي على النفط. فبعد سنوات طويلة من الإعتماد المُكثّف على الاستيراد الخارجي للطائرات والدبابات والصواريخ وأنظمة الحرب الأخرى دون النظر إلى كيفية دعم هذه المعدات بشكل مستقل عن المصنعين الأجانب، باتت الدول العربية أكثر اعتماداً على نفسها.

مثالاً على تلك الدول، نذكر المملكة العربية السعودية التي اتّجهت نحو رفع نسبة مساهمة الإنتاج المحلي في التسليح من 2% عام 2017 إلى 50% عام 2030، من خلال “الشركة السعودية للصناعات العسكرية” (SAMI) التي أسستها الرياض حديثًا. وخلال عام 2019، يُتوقع أن يشهد تنفيذ صفقة الـ110 مليار دولار للمملكة تباطؤًا، وكذلك توقيع عقود تسليح جديدة، في ظلّ انتهاء “عاصفة الغضب” من السياسات العربية على الساحة الدولية، الأمر الذي يمكن أن يتيح المجال أكثر وأكثر أمام السعودية للإعتماد على قدراتها المحلية.

ومع ذلك، لا تزال تلك الدول في المراحل الأولى من بناء قدرات التصنيع المحلية، بحيث شكّل الإنفاق العسكري السعودي (على سبيل المثال) في السنوات العشر الماضية نحو 26% من الإنفاق الحكومي بواقع نحو 70 مليار دولار عام 2017، وهو ثالث أكبر إنفاق عسكري في العالم بعد الولايات المتحدة والصين. وتشير التقديرات إلى أن المملكة العربية السعودية ستستثمر 129 مليار دولار حتى عام 2021 في حين ستستثمر الإمارات مبلغ 41 مليار دولار في قطاع الدفاع. ويأتي العراق في المركز الثالث مع خطط لاستثمار 36 مليار دولار، في حين تلتزم قطر عن كثب مع خطط لاستثمار 35 مليار دولار.

ووفقاً لإحصاءات موقع “أفسينت” الأخيرة، فإن الإمارات العربية المتحدة هي الوحيدة – حتى اليوم – التي تتمتع بدرجة عالية من مجال الدفاع الداخلي وصناعة الطيران في حين تُعتبر المملكة العربية السعودية ومصر والأردن ذات مستويات معتدلة، كما أن العراق وعمان وقطر والبحرين يتمتعون بدرجة منخفضة من الصناعة المحلية. هذا وتمتلك الإمارات مجموعة كبيرة من الشركات المصنعة للمعدات الدفاع الدولية الأصلية (OEM) داخل البلاد، في حين لا تتمتع المملكة إلا بوجود معتدل منها. أما بقية المنطقة فوجود الشركات الأجنبية فيها منخفض نسبياً.

  الشركة السعودية للصناعات العسكرية تستعرض منتجاتها في "أفد 2018"

العقبة الأبرز: الاستيراد الخارجي

احتلّت دول عربية، لسنوات، مواقع متقدمة في قوائم الأكثر استيرادًا للسلاح عالميًا، واستحوذ هذا القطاع على جزء كبير من موازنات حكومات المنطقة، صغرت إيراداتها أم كبرت؛ وبطبيعة الحال، شكلت الأزمات الإقليمية المتلاحقة دافعًا أساسيًا لزيادة الإنفاق على التسلح، حيث يُقدّر إجمالي الإنفاق العسكري للمنطقة العربية بنحو ترليون دولار في السنوات الـ10-15 الأخيرة  – وهو رقم “خيالي” يشكّل أحد أبرز وأكبر العقبات أمام تعزيز القدرات التصنيعية المحلية.

فعلى سبيل المثال، وفي السنوات العشر الماضية، حافظت مصر على مستوى يزيد عن 5% سنويًا لصالح الجيش من الإنفاق الحكومي، بمعدل 4.5 مليار دولار سنويًا، حسب بيانات معهد ستوكهولم؛ أكثر من نصفها لواردات السلاح، ما جعلها ثالث أكبر مستورد للسلاح في العالم عام 2017، بعد السعودية والهند. من جهتها، تحافظ الجزائر على الصدارة في الإنفاق العسكري إفريقيًا عند حدود 10 مليارات دولار سنويًا منذ عام 2012؛ 10% منها لصالح استيراد السلاح. ويأتي المغرب ثانيًا على مستوى القارة السمراء بمعدل إنفاق يتجاوز 3.5 مليارات دولار سنويًا منذ عام 2012.

وعلى الرغم من أن بعض الشركات العربية متكيّفة مع وضع شركات OEM، لا يزال من الصعب على منطقة الخليج تعزيز صناعة الدفاع المحلية وهي تحصل على أفضل المعدات الأجنبية التي يمكن أن تشتريها؛ ففي حين أن الحكومات بدأت في عمليتي التوطين ونقل التكنولوجيا، فإنها تحمّل العبء الأكبر إلى حد كبير على شركات التكامل الدفاعي (Defense Integrators) والشركات المصنعة للمعدات الدفاع الدولية الأصلية لتحديد أي جانب من جوانب العمل التي عليها القيام به وأي تقنية يحب نقلها. ويؤدي هذا إلى أن تتّخذ تلك الشركات قرارات من شأنها “تعظيم الربحية” و”التقليل من الاختلال في سلاسل التوريد العالمية الخاصة بها”، الأمر الذي يؤدي غالبًا إلى نقص في نقل التكنولوجيا ذات المعنى الحقيقي.

  تسليم أول طراد إسباني للسعودية في عام 2021

هذا وتُعتبر مجموعة “باراماونت” الجنوب أفريقية (على سبيل المثال) إحدى أكثر المنشآت الدفاعية “المتفهّمة” للدول العربية بحيث لطالما دفعت لإنشاء مصانع إنتاج محلياً، وهي بالفعل تعتمد على مثل هذه الترتيبات لنجاحها كشركة عالمية. وتعتمد مثل هذه الشركات على سياسة أن معظم المنتجات التي تنتجها تخدم لمدة 25 إلى 30 عاماً لذا فإنها عندما تعمل مع الحكومات المحلية، تكون هذه العلاقة ذات مدة زمنية طويلة الأمد.

يدفعنا ذلك للإستنتاج أن الدول يجب أن تمتنع عن محاولة تطوير مجموعة كاملة من القدرات، بل تركز أو تعطي الأولوية لمجالات “التركيز الاستراتيجي” والحصول على مقاربة أكثر حزماً بشأن تكوين قواعدها الصناعية حيث تكون أكثر منطقية للنمو.

اليوم والمستقبل

بقي أن نشير إلى أنه مما لا شك فيه، تمكّنت الدول العربية من تحقيق مجموعة واسعة من النجاحات على صعيد التصنيع المحلي وأبرزها الإمارات، السعودية مصر والأردن، الأمر الذي جعل الإتحاد الأوروبي يقوم برصدها في دراسة قام بها معهد الدراسات الأمنية في باريس بعنوان “الصناعات الدفاعية في الدول العربية: لاعبون واستراتيجيات” في عام 2017، حيث أشار معدو هذه الدراسة بالقول إنه “بين الدوافع الاستراتيجية والاقتصادية الرمزية لتصبح منتجي الأسلحة، تهتم الدول العربية باستخدام الصناعة المحلية لتكون قادرة على تفعيل قدرة الأسلحة التي تستوردها، ولا يُنظر إلى هذا فقط كوسيلة لتنويع اقتصاداتها، بل أيضًا كطريقة لتصبح أكثر استقلالاً عن البلدان التي تستورد منها الأسلحة عادةً، حيث تحاول تعزيز قدرتها على الاكتفاء الذاتي من خلال الدخول في شراكات طويلة الأجل، لكن من المستحيل تقريبًا أن تحقق الدول العربية أهدافها المعلنة لتحقيق الاستقلال في إنتاج الأسلحة، لكنها بدأت في إعادة ضبط وتحقيق أهداف أكثر واقعية لتعزيز قدراتها العسكرية، وربما تبذل دول كمصر ومجلس التعاون الخليجي لجهة تعزيز التعاون الإقليمي”.

  الشركة السعودية للصناعات العسكرية تستعرض فرص التعاون مع السوق المصرية في "إيديكس 2018"

كما تنظر الدراسة إلى أن “حالات كمصر والسعودية والإمارات متميزة عن بعضها البعض، ففي حين أن مصر مدفوعة بالمصالح الاقتصادية، فإن انتشار الأسلحة المصرية هو نتيجة إستراتيجية مقصودة ومن المحتمل أن تستمر، خاصة إذا كانت بدايات العلاقات الصناعية الصينية – المصرية تتصاعد، وبالنسبة للسعودية فإن وجود طموحات مفرطة في الحماسة من قبل القدرات لتحقيقها هي مشكلة مزمنة، مشكلة تسببت بالفعل في الوصول إلى موردين غير غربيين لتنويع وارداتها العسكرية، ومن ناحية أخرى فلدى الإمارات طموحات مشابهة للسعودية، وعلى الرغم من حجمها الأصغر، فإن فرصها أكبر بكثير لتحقيقها، حيث إن الاستحواذ الإماراتي على الشركات الأجنبية والبصمة الإقليمية للمنصات الإماراتية تثبت أن الإمارات قد خطت خطوات متقدمة نحو تحقيق أهدافها”.

ووفق ذلك، بات على الدول العربية أن تتطلّع إلى إقامة تعاون أكبر في ما بينها بحيث يعتبر من المهم جداً أن تحاول تلك الدول تفهّم مدى مصلحتها في قيام إنتاج عسكري عربي، يتضمن قدرًا كبيرًا من التعاون والتنسيق والتكامل لأنه بدون ذلك ستظل الدول العربية كما هي، تستورد السلاح بأثمان باهظة من الدول الصناعية الكبرى التي تحاول من تفرض إرادتها على الدول المستوردة، مما يوثر سلبًا على الأمن القومي العربي والقدرة الدفاعية للأمة العربية ككلّ.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
x

عدد المشاهدات: 1526

هل يمكن لحالة التوتر العسكري المتصاعدة بين الهند وباكستان أن تؤدي إلى حرب بين البلدين؟

النتيجة

  التوقيع على اتفاقية توطين أكثر من 55% من صيانة وإصلاح الطائرات الحربية في السعودية