الأمن الأوروبي ما بعد مؤتمر ميونيخ (2)‏

دبابة
جندي فرنسي يقود دبابة "لوكلير" بعد التمارين الحية الصديقة بين دول عدّة ضمن فعاليات "أوروبا القوية ‏‏– تحدّي الدبابات 2017" في موقع التمارين في غرافينووهر، بالقرب من إشنباخ، جنوب ألمانيا، في 12 ‏أيار/مايو 2017 (‏AFP‏)‏

عدد المشاهدات: 1658

العميد (م) ناجي ملاعب

هل يودي الضغط الأميركي على أوروبا إلى القفز إلى الحضن الروسي – تركيا نموذجاً

في ضوء إعلان الرئيس ترامب انسحاب واشنطن من معاهدة حول الأسلحة النووية أبرمتها مع موسكو خلال الحرب الباردة، وتعليق روسيا العمل بالمعاهدة، والتوتر المتزايد في العلاقات بين أنقرة وواشنطن – مع كون تركيا ليست بلداً أوروبياً بالكامل لكنه من الدول المؤسسة لحلف الناتو – تحدث مركز بحثي أميركي عن أن تركيا قد تغير وضعها في النظام الدولي الجديد، وتصبح دولة نووية بالتعاون مع روسيا، إذا وصلت العلاقات مع واشنطن إلى درجة القطيعة.

فقد قال تقرير لمركز (United World İnternational) إنه على الرغم من تبادل الاتهامات بين القوتين العظميين بخرق المعاهدة، فإنهما كانتا تتنافسان خلال السنوات العشر الماضية في التعبير عن رغبتهما في التخلص من المعاهدة. لكن من الناحية العملية، فإن التخلص من المعاهدة سوف يحقق لهما فوائد مهمة.

وفي دبلوماسيته المعهودة، التقط سيرجي لافروف وزير خارجية روسيا المناسبة وتوجه الى الاتحاد الأوروبي بكلمات عاطفية، فدعا أوروبا لتغيير سياستها نحو روسيا، مؤكداً على أن “البيت الأوروبي بأكمله بحاجة إلى ترميم عام”… و”أن تشكيل مجال مشترك يمتد من البرتغال حتى فلاديفوستوك سيفيد الجميع”.

استمرار إدارة ترامب في الانسحاب من اتفاقيات أبقت على الهدوء لسنوات في أوروبا، وأخرها اتفاقية الصواريخ المتوسطة المدى قد يودي بالدول الأوروبية، بعد أن كانت ترى في الولايات المتحدة درعها ضد الترسانة الروسية، الى تلاشي اعتمادها على واشنطن. فأمام كل أزمة مع الولايات المتحدة داخل الناتو يخرج الى العلن مطالبة أوروبية بضرورة انشاء الجيش الأوروبي، وكما يتضح للعيان الإنسياب التركي باتجاه روسيا، فالدول الأوروبية الأخرى صاحبة المصالح الإقتصادية ذاتها في هكذا توجه. وما ظهر في مؤتمر ميونيخ من أقوى القادة الأوروبيين فقد يتم القفز الى اتفاقات أوروبية روسية من دون العامل الأميركي المؤجج للغة القوة ولفتح باب التسلح من جديد.

  ترحيب ألماني بمقترح أوروبي لوقف مشترك لصادرات السلاح للسعودية

النظام العالمي بعد الحرب الباردة يتفكك والمخاطر الى ازدياد

يستنتج التقرير الختامي لمؤتمر ميونيخ للأمن – 2019 ظهور نظام عالمي جديد ثلاثي الأقطاب أساسه المصالح القومية وليس التحالفات التقليدية والإستراتيجية. فالنظام العالمي بعد الحرب الباردة بدأ يتفكك، ويحل مكانه نظام يحكم فيه منطق استعراض القوة عوض التفاهمات المشتركة، وتتنافس على هيمنة هذا النظام العالمي المتحول، وفق التقرير، الولايات المتحدة والصين وروسيا.

المؤشرات على هذا التنافس عديدة ومن أبرزها تعمق خلافات ضفتي الأطلسي واندلاع الحرب التجارية بين واشنطن وبكين. وعسكرياً، فقد أجرت الصين وروسيا قيل أشهر مناورات فوستوك العسكرية، أكبر مناورات عسكرية في تاريخهما منذ الحرب الباردة. بعدها بأسابيع قليلة جرت أكبر مناورة على الإطلاق بين دول الناتو – مناورات الرمح الثلاثي 18.

ويفيد تقرير الأمن أن الولايات المتحدة الأمريكية رصدت “الصين وروسيا كأهم منافسين استراتيجيين”. ويتجسد التنافس الجديد بين القوى الكبرى الثلاث بشكل مختلف، بحيث أن النزاع يتأجج بين واشطن وبكين حاليا لاسيما فيما يرتبط بقضايا الاقتصاد والتجارة. فيما تعتبر الصين وروسيا في تحالفهما خصما للغرب، إلا أنهما تراقبان بعضهما البعض في منافسة جيوسياسية. وبين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية تبقى المنافسة على التسلح، وهنا أيضا يشير التقرير إلى ضعف الأمل في تحسن قريب. فبعد تعليق العمل باتفاقية الحد من الصواريخ النووية المتوسطة المدى، تدهور الوضع بالنسبة إلى مكونات مراقبة التسلح أيضا. ويبدو حاليا “من غير الوارد” أن تجدد واشنطن وموسكو العمل بما يُسمى “اتفاقية ستارت الجديدة” حول الأسلحة النووية الاستراتيجية بعد انتهاء مهلتها عام 2021. ويفيد التقرير الأمني بأن “استعداد الاتحاد الأوروبي سيء” للمنافسة بين القوى الكبرى، وهذا لا يعكسه فقط الجدل حول “الاستقلالية الاستراتيجية” للقارة العجوز، ولا يملك أحد في الوقت الراهن “خطة بديلة” تستقل بموجبه أوروبا من الناحية الأمنية.

  واشنطن تدرس تصميم أسلحة صاروخية جديدة في ظل انسحابها من الإتفاق مع روسيا

الا أن التنافس بين القوى الثلاثة بدأ يحتدم في الفضاء أيضاً في حقبة ما يسمى بالذكاء الصناعي؛ ففي تقرير استخباراتي جديد حذر البتاغون من أن روسيا والصين أقتربتا من تطوير أسلحة لايزر لغزو الفضاء والسيطرة على الأقمار الصناعية وان النفوذ الأميركي هناك بدأ بالتراجع، ما حدى بالإدارة لأميركة الى إنشاء قوة خاة بالفضاء ملحقة بقيادة القوات الجوية – مؤقتاً – ريثما تصبح مرتبطة مباشرة بالقيادة العسكية العليا.

بعد مؤتمر ميونيخ ما هي الفرضيات المتوقعة أمام أوروبا؟

حيث أن الصفة الغالبة على الإتحاد الأوروبي هي التحالف الإقتصادي السياسي، من دون استكمال الجهاز الأمني والعسكري الأوروبي، والخروج المتوقع لبريطانيا من هذا الإتحاد بما يمثل من تأخير الإنطلاق الى خطوات أمنية عسكرية توحيدية في المدى القريب، يتوقع أن تستمر تلك الخلافات الأوروبية الأميركية لسنوات مستقبلا، ولفترة طويلة، فهذه هي السيناريوهات المتوفرة أمام الإتحاد:

1 – المزيد من التعاون الأوروبي – الروسي الصيني، وذلك لمواجهة الرسوم الأميركية المحتملة، على المنظومتين.

2 – محاولات حثيثة من دول الاتحاد الأوروبي للتنسيق بين الولايات المتحدة وروسيا من أجل إعادة صياغة للاتفاقيات الخاصة بأمن أوروبا.

3 – استمرار الأطراف الأوروبية في الاتفاق النووي الإيراني، في حين أن الولايات المتحدة ربما تفرض المزيد من العقوبات على إيران.

4 – استمرار ألمانيا في مشروع استيراد الغاز الروسي، ومحاولة كسب موافقة جيرانها الأوروبيين. لا سيما بعد تدشين خط السيل لجنوبي للغاز الروسي الى أوروبا عبر تركيا.

5 – ربما تستعيض دول الاتحاد الأوروبي باتفاقيات الأمن التاريخية بين روسيا والاتحاد السوفيتي السابق مع الولايات المتحدة باتفاقيات مباشرة بين الاتحاد وروسيا.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.