تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية: خطوة تغيّر قواعد اللعبة وتصعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران

رياض قهوجي – مدير عام موقع ومجلة الأمن والدفاع العربي

عدد المشاهدات: 889

يبدو أن قرار الإدارة الأميركية تصنيف الحرس الثوري الإيراني بأنه منظمة إرهابية هو خطوة مقررة مسبقاً تماشياً مع سياسة التصعيد المستمرة للبيت الأبيض والتي تهدف إلى إخضاع طهران لضغط غير مسبوق من شأنه إما أن يدفعها إلى التنازل لمطالب واشنطن أو الردّ بطريقة عنيفة من شأنها أن تشعل الحرب التي يسعى إليها المتشددون من كلا الجانبين. ويشير رد فعل طهران فيما يتعلّق بتصنيف القوات الأميركية كإرهابيين إلى أنها تحتفظ بكافة الخيارات على الطاولة، بما في ذلك الخيار العسكري لاستهداف القوات الأميركية في المنطقة إما بشكل مباشر أو عبر مجموعات تابعة لها تعمل في العراق وسوريا ولبنان واليمن.

وعلى الرغم من أن توقيت التحرّك الأميركي ربما كان لإعطاء دفعة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الانتخابات العامة الإسرائيلية في 9 نيسان/أبريل الحالي، إلا أنه بدا متزامنًا مع سياسة الرئيس دونالد ترامب تجاه إيران، والتي اتّسمت بالتصعيد المستمر على مدى السنة الفائتة. وكان وزير الخارجية مايك بومبو قام بتصعيد خطابه ضد إيران وحليفتها اللبنانية حزب الله في زيارته إلى بيروت في أواخر آذار/مارس 2019، مكرّراً تهديداته لحزب الله وقوات الحرس الثوري الإيراني في مؤتمره الصحفي في 8 نيسان/أبريل ومعلناً عن الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها إدارته ضد إيران.

من جهته، انتقد الرئيس الإيراني حسن روحاني القرار الأميركي، محذّراً واشنطن من أن بلاده تمكنت في العام الماضي من بناء “أسلحة وصواريخ لا يمكنها تخيّلها”. كما هدد أنه إذا استمرت الولايات المتحدة في الضغط الحالي على طهران، فإن بلاده ستستأنف عملية تخصيب اليورانيوم بطريقة أسرع بكثير من خلال استخدام أجهزة الطرد المركزي الأكثر تقدماً. ومن المؤكد أن لدى إيران من الأوراق التي يمكن أن تستخدمها، لكن الكثير منها قد يؤدي إلى عواقب وخيمة. ومع ذلك، فقد أتقنت طهران لسنوات عدة سياسة المشي على حافة الهاوية. وكما أشار الوزير بومبو في بيانه في 8 نيسان/أبريل، فإن طهران لم تتردد خلال السنوات الماضية في استخدام قواتها بالوكالة لمهاجمة وقتل المئات من القوات الأميركية في لبنان والعراق والمملكة العربية السعودية. وبالتالي، يخشى العديد من المراقبين ومسؤولي الدفاع الأميركيين من أن يتمكن الحرس الثوري الإيراني من الحصول على ميليشيات تابعة له في المنطقة لاستهداف القوات والمصالح الأميركية في العراق وسوريا ولبنان. وكانت ميليشيات الحوثي الإيرانية في اليمن قد استهدفت العام الماضي السفن الحربية الأمريكية قبالة مضيق باب المندب بصواريخ أرض-أرض.

  أوباما يطالب الحكومة الإسبانية المزمع تشكيلها بالمشاركة في مواجهة "داعش"

والآن، بعد أن نظرت الولايات المتحدة إلى الحرس الثوري الإيراني على أنه منظمة إرهابية، إلى أي مدى ستذهب واشنطن في فرض العقوبات الاقتصادية والمالية على الكيانات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو على البلدان التي تتعامل معها؟ ماذا ستكون قواعد الاشتباك الجديدة فيما يتعلق بأصول الحرس الثوري الإيراني وميليشياتها بالوكالة في المنطقة؟ كثيراً ما “تتحرّش” زوارق الحرس الثوري الإيراني بالسفن الحربية الأميركية في مياه الخليج العربي، حتى وأنها في إحدى المرات أسرت بعض البحارة الأميركيين ليوم واحد. في الماضي، قامت السفن الحربية الأميركية إما بتجاهل هذه المضايقات أو بإطلاق طلقات تحذيرية. ولكن اليوم وبعد تصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية، كيف سيكون رد فعل البحرية الأميركية على أي استفزازات له؟ ماذا عن احتمال هجمات الميليشيات الإيرانية بالوكالة ضد القوات الأميركية في العراق أو سوريا؟ قبل الإنسحاب العسكري الأميركي من العراق في عام 2011، قامت القوات الأميركية هناك بالانتقام عبر الرد مباشرة على الميليشيات التابعة لإيران عند تعرضها للهجوم. أما اليوم، وبعد عودة القوات الأميركية إلى العراق وقواعدها في متناول الآلاف من الميليشيات العراقية المدربة والمسلحة من قبل الحرس الثوري الإيراني، فكيف سيكون رد فعل واشنطن على الهجوم على جنودها من قبل الوكلاء الإيرانيين؟ وهل ستكون قواعد الاشتباك كما كانت قبل عام 2011 أم ستنتقم الولايات المتحدة ضد الحرس الثوري الإيراني مباشرة في إيران؟

إن منطق السياسة الواقعية يحتم على أن واشنطن قد أجرت حساباتها بشكل جيد وستكون راغبة في المضي قدماً في تنفيذ سياساتها تجاه إيران بعيداً عن الاعتماد على التهديدات الكلامية والمواقف الاستعراضية. فان سياسات الخداع لا تنفع مع خصم مثل إيران التي أبدت دائمًا استعدادها لدفع الأمور إلى حافة الهاوية. ما لم يكن لدى واشنطن الاستعداد والرغبة في الانتقام بقوة وبطريقة مباشرة ضد أي أعمال عسكرية أو استفزازات من جانب إيران، فإن سياساتها الحالية لن تسفر عن أي نتائج، كما ومن المحتمل أن تأتي بنتيجة عكسية ضد الولايات المتحدة. إن طهران تعتبر نفسها قوة عالمية وندية للولايات المتحدة، حتى وأنها حاولت لفترة طويلة من الزمن إقناع شعبها والمنطقة بأنها قوة عسكرية مساوية لأميركا. وبالتالي. من المحتمل أن يستفز الحرس الثوري الإيراني الولايات المتحدة بشكل مباشر أو من خلال الميليشيات التابعة له بهدف الترويج لنفسه كلاعب قوي يوازي للولايات المتحدة. من هنا، فإن الطريقة الوحيدة لواشنطن لتجنب الوقوع رهينة لسياساتها الحالية المناهضة لإيران تكمن في فرض قواعد الاشتباك الخاصة بها ضد الحرس الثوري الإيراني واكتساب الزخم منذ اليوم الأول وعدم السماح للقوات والمصالح الأميركية في المنطقة لتصبح أهدافًا سهلة لإيران وحلفائها.

  هل سيشتري العراق اسلحة من ايران؟

يستعد الحرس الثوري الإيراني لمواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة لسنوات عديدة وهو قد حسّن موقعه في المنطقة بشكل كبير. كما تمتلك طهران ترسانة واسعة من الصواريخ البالستية المنشورة في جميع أنحاء بلاد الشام – في العراق وسوريا ولبنان – واضعة بذلك الأهداف الأميركية حتى أطراف أوروبا الشرقية من حيث النطاق. حتى أن لديها صواريخ سطح-سطح مضادة للسفن في لبنان وربما في سوريا والتي تهدد السفن الحربية الأميركية في شرق البحر الأبيض المتوسط. كما لديها بالفعل صواريخ كروز مضادة للسفن وترسانة كبيرة من الصواريخ البالستية موجهة ضد أهداف محيطة بإيران، وخاصة مياه الخليج العربي. بالتالي، فإن الحرس الثوري الإيراني لديه القدرة على شن هجمات مفاجئة عنيفة ضد القواعد والقوات الأميركية في الخليج العربي والشرق الأوسط وإلى حد أفغانستان، مما قد يتسبب بخسائر فادحة. وعلى الرغم من أن ميزان القوى العسكري لا يزال يصبّ لصالح الولايات المتحدة، إلا أن واشنطن ستظل تجد نفسها في حرب صعبة قد لا يكون الشعب الأميركي حريصًا على الدخول فيها أو الاستمرار بها. ومن المرجح أن تراهن طهران على ضعف الجبهة الداخلية الأمييكية في تحمل الخسائر الكبيرة في حرب طويلة محتملة معها.

لذلك، يجب حساب التصعيد ضد إيران جيدًا والاستعداد له سياسياً وعسكريًا لأن أي خطأ يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية طويلة كارثية قد تعزز مكانة الحرس الثوري الإيراني ووكلائه بدلاً من إضعافه. ويأمل حلفاء أميركا في المنطقة ألا تكون السياسات الأميركية الحالية تجاه إيران جزء من خطوات سياسية تكتيكية محدودة تخدم ساسة اسرائيليين أو تخدم طموحات انتخابية أميركية. كما يأمل حلفاء أميركا أيضًا أن تتخذ واشنطن خطوات قوية من خلال الاستعدادات والحسابات الجيدة لضمان النجاح السريع بأقل خسائر ممكنة، على أمل ألا تؤدي الى حرب إقليمية.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.