خطوات إيران العسكرية تختبر الجهود الأميركية لتجنّب الحرب والحفاظ على الضغط الإقتصادي

رياض قهوجي – مدير عام الأمن والدفاع العربي

إن السلسلة الأخيرة من التحركات والتحركات المضادة الإيرانية-الأميركية كشفت عن أن سلاح المواجهة المفضّل لدى الرئيس دونالد ترامب، كان ولا يزال – القوة الاقتصادية لأميركا، في حين أن الخيار الوحيد المتبقي لطهران يكمن باستخدام مجموعة واسعة من القدرات العسكرية غير المتكافئة من خلال الحرس الثوري الإيراني (IRGC) أو وكلائه. وعلى الرغم من أن واشنطن تمكّنت حتى اليوم من ممارسة ضبط النفس ضد الاستفزازات الإيرانية المتكررة، الا أن صبرها قد ينفذ قريبًا، خاصة إذا ما تم إراقة الدماء الأميركية في أي هجمات مستقبلية من قبل الحرس الثوري الإيراني أو وكلائه.

لقد أثبت قرار الرئيس ترامب بإلغاء هجوم جوي وبحري على بطاريات ورادارات الدفاع الجوي الإيراني رداً على إسقاط طائرة استطلاع أميركية، أن الإدارة الأميركية الحالية لا تسعى إلى شن حرب مع إيران. إن التصوّر الذي خلقته الإدارة عن نفسها هو إدارة حريصة على التمسّك بوعد الحملة الانتخابية لتجنب الإنزلاق إلى حروب جديدة في منطقة الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، تظلّ الإدارة عازمة على الوفاء بوعد آخر من حملتها الانتخابية بإلغاء الاتفاقية النووية القديمة مع إيران وإجبار طهران على التفاوض على صفقة جديدة تُنهي بشكل أو بآخر طموحات إيران النووية.

أصبحت عقيدة ترامب أكثر وضوحًا، حيث تعتمد على استخدام القوة الاقتصادية الأميركية الكبيرة من خلال فرض عقوبات أو حروب تجارية لتخويف خصومها واجبارهم على الخضوع لمطالبها.

هذا وقد أصبحت عقيدة ترامب أكثر وضوحًا مع مرور الوقت، حيث تعتمد إلى حد كبير على استخدام القوة الاقتصادية الأميركية الكبيرة من خلال فرض عقوبات أو حروب تجارية لتخويف خصومها واجبارهم على الخضوع لمطالبها. إن استخدام القدرات العسكرية الأميركية القوية كان حتى الآن بمثابة استعراض للقوة لردع الأعداء، وهو أمر كان جلياً في المواجهة مع كوريا الشمالية، الصين ودول أخرى.

مع ذلك، أثبتت إيران أنها تمثّل تحديًا فريدا وأكثر صرامة وأن تحركاتها المضادة لمقاومة الضغط الاقتصادي الأميركي الكبير قد تُعقّد الأمور على واشنطن وتجبرها على التفكير بجدية في الخيارات العسكرية. فمن الواضح جداً أن إيران مستعدّة للجوء إلى وسائل عنيفة ودفع الوضع إلى حافة الحرب، على الرغم من أن ميزان القوى يصبّ في صالح الولايات المتحدة إلى حد كبير. لذلك، تبدو طهران اليوم مستعدة لخوض الحرب بينما تُحاول واشنطن تجنّبها. هذا وتستخدم إيران بشكل أساسي استراتيجية الابتزاز القائمة على تحذير المجتمع الدولي من أنه إذا استمرت العقوبات الأميركية عليها وليس لديها بدائل لممارسة الأعمال التجارية مع العالم الخارجي، ستدفع الصراع الحالي نحو حرب إقليمية تنتشر من ساحل البحر المتوسط إلى أفغانستان وتمرّ عبر الممرات الاستراتيجية لمضيقي هرمز وباب المندب.

خطوات إيران العسكرية تختبر الجهود الأميركية لتجنّب الحرب والحفاظ على الضغط الإقتصادي

فسواء كان ذلك عن قصد أو تحرك من قبل غريزة رجل أعمال جيد، فإن قرار ترامب بوقف الضربة العسكرية قد حسّن موقف واشنطن وقدمها للرأي العام كطرف يسعى إلى الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لتحقيق أهدافه، في حين أن إيران كانت هي التي تعتمد على الوسائل العسكرية لتنفيذ سياستها.

لقد كشفت الأحداث الأخيرة أيضًا عن مدى القوة التي تمكّنت إيران من بنائها في المنطقة عبر قواتها الوكيلة. إن السياسة الطويلة لغض النظر والتهدئة من قبل الاتحاد الأوروبي وإدارة باراك أوباما تجاه سياسات طهران التوسعية قد سمحت لإيران بتثبيت نفسها عسكرياً في العراق وسوريا ولبنان واليمن. ولدى الحرس الثوري الإيراني اليوم عشرات الآلاف من الميليشيات التابعة لها في هذه البلدان المسلّحة بترسانة كبيرة من الأسلحة تشمل الصواريخ البالستية وطائرات هجومية من دون طيار وصواريخ مضادة للسفن. إن الصواريخ البالستية إذا ما تم وضعها في شمال العراق أو شمال سوريا قد تُهدد الحدود الجنوبية لحلف الناتو والإتحاد الأوروبي. كما ستهدد صواريخ كروز المضادة للسفن المتمركزة على ساحل البحر المتوسط أو البحر الأحمر أو الخليج العربي خطوط الشحن على العديد من طرق التجارة البحرية الرئيسة.

هذا ونبّهت الآفاق المتزايدة لحرب إقليمية في الأسابيع القليلة الماضية المجتمع الدولي إلى حجم التهديد الذي تشكله إيران اليوم. كما من المرجح أن تكون جعلت إدارة ترامب تُدرك أنها مواجهة لا يمكن للولايات المتحدة أن تفوز بها بمفردها إذا كانت ترغب في تجنب الانزلاق إلى حرب أو إيجاد نفسها بمفردها في نزاع عسكري. لذا، يتعيّن على الولايات المتحدة إشراك حلفائها الأوروبيين وفي الشرق الأوسط للتوصل إلى استراتيجية وخطة مشتركة لمواجهة التحركات الإيرانية وجعل العقوبات الاقتصادية أكثر فعالية. من هنا، يجب تشكيل تحالف بحري واسع أو فرقة عمل بحرية لحماية السفن التي تبحر عبر كافة الممرات الاستراتيجية في المنطقة – وخاصة مضيق هرمز. يجب عدم ابقاء المواجهة محصورة بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما بين إيران وتحالفًا دوليًا كبيرًا تقوده واشنطن.

أن قرار طهران الأخير ببدء تعليق بنود الاتفاقية واتخاذ خطوات لزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم والاحتياطيات ستنهي نقطة الضغط الرئيسة المتبقية لها وتقرّب الدول الأوروبية من موقف الولايات المتحدة.

على الرغم من أن العديد من الدول الأوروبية والقوى العالمية الأخرى كانت على خلاف مع ترامب بشأن انسحابه من المعاهدة النووية مع إيران، والمعروفة باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، إلا أن قرار طهران الأخير ببدء تعليق بنود الاتفاقية واتخاذ خطوات لزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم والاحتياطيات ستنهي نقطة الضغط الرئيسة المتبقية لها وتقرّب الدول الأوروبية من موقف الولايات المتحدة.

لقد نجح القادة الإيرانيون حتى الآن في اتخاذ خطوات محسوبة بشكل جيد حيث تمكنوا من تغطية معظم آثارهم في الهجمات على الناقلات في مضيق هرمز واسقطوا طائرة من دون طيار، وبالتالي تجنبوا إراقة الدماء الأميركية. لكن في كل مرة يقومون فيها بعمل عسكري، يتعرضون لخطر سوء التقدير واراقة دماء أميركية والذي من شأنه أن يترك الولايات المتحدة بلا خيار سوى الانتقام عسكريًا. يجب أن يكونوا قد توقّعوا ورصدوا تأهب الطائرات والسفن الأميركية للقيام بضربة بعد إسقاط الطائرة. ومن ثم فقد أدركوا أن الحرب، التي يعرفون أنها يمكن أن تؤدي الى سقوط النظام، قابلة للاندلاع حتى ولو أراد الرئيس ترامب تجنّبها. بالتالي، إن أفضل خيار لهم هو الاستفادة من الفرصة التي توفرها دعوة ترامب للزعماء الإيرانيين للعودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد بشأن البرنامج النووي الإيراني وسياساتها الإقليمية.

خطوات إيران العسكرية تختبر الجهود الأميركية لتجنّب الحرب والحفاظ على الضغط الإقتصادي

لقد حان الوقت أيضًا لأن يدرك القادة الإيرانيون أنهم ليسوا قوة عظمى مساوية للولايات المتحدة اقتصاديًا وعسكريًا، وأن أفضل خيار لهم للخروج من الصراع الحالي هو عبر القنوات الدبلوماسية. لقد تمكنوا من الوصول إلى صفقة من قبل ويمكنهم القيام بذلك مرة أخرى – إذا كانت الإرادة موجودة.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.