الأبرز

‎158‎‏ عام من عمر “الجندرمة اللبنانية”..‏ قوى الأمن الداخلي بين الأمس واليوم

عناصر من قوى الأمن الداخلي اللبناني في تمرين محاكاة مكافحة التهريب الدولي للمواد الكيميائية الذي أقيم من 20 إلى 22 آذار/مارس الجاري (ISF)
عناصر من قوى الأمن الداخلي اللبناني في تمرين محاكاة مكافحة التهريب الدولي للمواد الكيميائية الذي أقيم من 20 إلى 22 آذار/مارس الجاري (ISF)

العميد م. ناجي ملاعب

في نبذة تاريجية تحاول الإطلالة على مسيرة الأمن والجهاز الأمني الذي واكب مجتمعنا اللبناني، في مرحلة أفول سلطة بني عثمان مروراً بنظام المتصرفية الى مرحلة الإنتداب الفرنسي وصولاً الى تاريخنا الحاضر ننهل من كتاب “كلمات وصور من تاريخنا” الذي أعدته وأشرفت عليه لجنة برئاسة العميد الدكتور محمد ياسر الأيوبي وأصدرته المديرية العامة عام 2007.

يعود عراقة تاريخ هذه المؤسسة الأمنية الى اتفاق دول عظمى، ذاك الوقت، مع السلطنة العثمانية في التاسع من حزيران عام 1861 بموجب بروتوكول أنهى صراعاً دموياً، امتد من عام 1840 ليتفاقم خلال عشرين عاماً، متخذاً منحى طائفياً ما بين الطوائف اللبنانية الأساسية في جبل لبنان، وجاء إنشاء “الضابطية” التي حلت محل الفرقتين المشكلتين عام 1942 على عهد القائمقاميتين، الأولى في الشويفات والثانية في صربا، فشكلت الذراع الأمني بيد الحاكم الذي سيتولى إدارة ما عُرف بـ “متصرفية جبل لبنان”.

إدارة وتنظيم و…معاناة

كان عديد “الضابطية” عند انشائها 350 رجلاً، وجيء بضابط فرنسي لتنظيم سلكهم وتدريبهم على غرار الجندرمة الفرنسية عملاً وادارة، وخُصصوا بلباس مماثل لزي الجنود المغاربة، وكان هندام الضابط على غرار الضابط التركي. وقد نصّت المادة 14 من بروتوكول 1861 على إنشاء “الضابطية” بمعدل سبعة عناصر لكل ألف مواطن. وكن اكتُفي، وفق الإمكانيات المتوفرة بتجهيز 1500 عنصرا بدلا من 3500.

على أعتاب الحرب العالمية الأولى، عانى أفراد الضابطية عشية هزال سلطة الدولة العثمانية، وثاروا على سوء المعاملة وعدم حصولهم على رواتبهم، فعلّوا الصوت في زغرتا عام 1913، ولا من مجيب، وزحفوا الى طرابلس وانضمت إليهم عناصر المخافر تباعاً، والتقاهم، في جونيه رئيس مجلس الحكم حبيب باشا السعد، موفداً من المتصرف أوهانس باشا، محاولاً تهدئة غضبهم وثورتهم ولما لم يفلح في مسعاه، تابعوا المسير الى بعبدا، فاستمع اليهم المتصرف، وأنصفهم، وأمر بصرف مساعدة مالية فورية وأقال الميرالاي قائد الجند، واستعان بضابط فرنسي من رتبة قومندان لوضع تنظيم وادارة للسلك. لكن الحرب العالمية أنهت وجود الضابطية، التي تدنى عديدها الى 800 عنصر، واستحضر العثمانيون الضباط الأتراك لرئاسة القوى وهي المرحلة التي امتدت من 1915 الى 1918. ومنذ استعادة العثمانيين السلطة في الضابطية اتخذ السلك اسمه المعروف بالـ “جندرمة”.

زمن الإستعمار الفرنسي

حين وصلت الفرق الفرنسية الإنكليزية الى سواحل لبنان عام 2018 كان الدرك اللناني في حالة من التفكك وكأنه أشبه بالعصابات المسلحة غير القادرة على القيام بأية مهمة أمنية نظامية بسبب ذيول الحرب الكبرى. استدرك الفرنسيون الأمر في 1919 فعينت القيادة العليا ضابطاً فرنسيا لرسم خطوات بناء الدرك الجديد. وأنشأ المستعمر الفرنسي مدرسة بيت الدين لتنشئة وتدريب الضباط والرتباء والأفراد، ونشرت الإدارة الجديدة التعليمات والأنظمة والقوانين ووزعتها على جميع العناصر واعتُمد دفتر الخدمات والمهمات الفرنسي. وفي 20 أيلول 1919 صدر القرار التنظيمي بتشكيل درك لبنان الكبير الذي ضم الدرك اللبناني وقطعات من الدرك السوري الذي كان مسؤولا عن بعض الأجزاء التي ضمت الى دولة لبنان الكبير.

وضع الفرنسي المنتدِب يده على الإمرة في سلك الدرك تعزيراً للأمن، بعد أحداث عام 1922 الطائفية، وعين منذ عام 1923 خمسة ضباط قادة للسرايا الإقليمية الخمسة وضابطاً للأمور الإدارية في القيادة ورتباء مساعدين لآمري السرايا، واعتُبر الضباط اللبنانيون مساعدين للفرنسيين وبقي كل منهم في مركزه. واستمرت القيادة الفرنسية للدرك اللبناني حتى صيف 1940 حيث غادر قائد البعثة وضباطها لبنان وكان له ولرجاله اليد الطولى في تدريب الجنود وحمايتهم من التدخلات الأجنبية وصون استقلالهم في عملهم.   

 ماذا تغير بين الأمس واليوم.

بالطبع، لقد تغير الكثير. وأنا، من حيث السنوات السبعة والثلاثين التي أمضيتها في هذا السلك، تختزن جعبتي المتغيرات الكثيرة، التي شهدت ورشة تطوير مستمرة داخل المؤسسة لن أطرقها في هذه العجالة، ولكن لا يسعني إلا أن أنوّه بالثقة التي تحوزها تلك القوى لدى المواطنين، اليوم، وانجازاتها في سرعة كشف وضبط الجريمة، والدور الفاعل في حفظ الأمن والنظام في زمن التصدي للإرهاب المستورد الى البلاد، ولم يغفلوا دورهم الحضاري في مواكبة المسيرات والمظاهرات والإعتصامات ضمن احترام حق التعبير الذي كفله الدستور.

 قفزة نوعية في الأداء الأمني

 القفزة النوعية التي رفعت مستوى الأداء الأمني وننعم بها اليوم، هي من فعل وارادة قادة جديرين من المدراء العامين ورؤساء الإدارة والقادة الإقليميين في العاصمة وعلى مساحة الوطن، ولم يكن جديدها في السهر على تطبيق القوانين وتنفيذ التكاليف الإدارية باحترام صارم لحرية المواطن وفق قانون اصول المحاكمات الجزائية والتقيد بالدور الموكل لرجال اقوى الأمن كضابطة عدلية مساعدة للنائب العام، بل تمثل الجديد في الأداء الأمني في تجهيز فريق متمرس بتكنولوجيا المعلومات والإتصالات، وتحصين عمل الفصائل المجموعة والمخافر بشبكة من المعلومات الإستقصائية أسهمت في الإمساك بالشارع مهما كانت الأخطار والصعوبات، من جهة. والإهتمام الجدي بالتدريب وصقل المهارات في معهد قوى الأمن في مبناه الجديد في عرمون، والمثابرة على إرسال الضباط والرتباء الى المعاهد الأمنية في الدول الكبرى بهدف تدريبهم على أرقى المهارات في القضايا الأمنية المستجدة سواء في الأمن الإلكتروني (السيبراني) أو مكافحة الإرهاب، من جهة ثانية.

تعزيز الإنضباط بتطبيق مبدأ الثواب والعقاب

ما تعودنا، ويا للأسف على المحاسبة في بلدنا، فيما ندعي أننا نظام ديمقراطي. فركائز الديمقراطية تكرست بالمبدأ الأول وهو حكم الشعب للشعب، أي سواء بالإستفتاء المباشر أم بالتكليف، وهنا ينتخب رجال البرلمان بقانون واحد يساوي بين المواطنين وهذا غير متوفر في بلدنا بسبب القيد الطائفي. والركيزة الثانية هي مبدأ فصل السلطات، فالسلطة التشريعية الممثلة بالبرلمان هي من يراقب عمل الحكومة ويحاسب الوزراء، ولكن تحت ستار “الوحدة الوطنية” تُمثل الحكومة اليوم كافة الكتل في المجلس النيابي، ضمن الصيغة الهجينة لكل أربعة نواب وزير! ما يجعل البرلمان مستقيلا من دوره الرقابي. وأخيراً السلطة القضائية، والتي ما زالت غير مستقلة، فمجلس القضاء الأعلى تُعيِّن الحكومة نصف اعضائه، حتى محكمة محاكمة الرؤسا والوزراء تشكَّل مناصفة من قبل مجلس القضاء الأعلى والمجلس النيابي، والمفجع أن الإحالة الى هذه المحكمة يتطلب موافقة ثلثي اعضاء البرلمان، فالمحاسبة إذاً، تقتصر على صغار الموظفين، وتقف حاجزاً عند من يجب محاسبتهم. أضف الى ذلك شل عمل أجهزة الرقابة، والتغافل عن قراراتها، وتجاوز معظم تقاريرها. ليس هنا مجال البحث في هذا الموضوع، ولكني تعمدت الإشارة إليه لأثبت أن ما يجري في هكذا ادارة لا ينطبق على الجيش والأجهزة الأمنية. وإذ أشيد هنا في مبدأ الثواب والعقاب الممارس بجدية وبقسوة في قوى الأمن الداخلي وهو معيار الإنضباط، ولا حصانة على المرتكب مهما علت رتبته ومركزه. ولا خوف على لبنان ما دامت قواه العسكرية خارج الممارسات السائدة في باقي الإدارة اللبنانية.       

“أولادنا وأطفالنا لا يريدون منا الكثير… هم لا يتطلبون إلا مجتمعا يديره رؤساء لا يصادرون السلطات ولا يتعسفون في استعمالها، ومؤسسات دستورية مسؤولة تحترم الفصل والتكامل بين السلطات، وقادة يحترمون الدستور وحكم القانون ويضعون في أولوياتهم مصلحة الوطن والمواطنين، وليس مصلحة الآخرين في بلدان أخرى، والرهان على إنتصار هذا المحور أو ذاك في تلك البلدان. وأطفالنا يحلمون بوطن يجتمع أبناؤه متعاضدين متكافلين لرفع شأن وطنهم بدل ان يكونوا قطعانا منقسمين وراء قادتهم حول شعارات سياسية غير مبالين بما يعانيه الناس من أزمات إجتماعية ومعيشية”.

التخطيط المستمر لمستقبل معلوماتي متقدم

ستبقى قوى الأمن الشمعة المضيئة في هذا التسيب السياسي، وتعدنا بالمزيد من التخطيط لإجتياز المصاعب. يقول اللواء عماد عثمان المدير العام في مناسبة قريبة العهد: إن اعتمادنا للمكننة في قطعات قوى الأمن الداخلي بات نهجاً نعتمده لنصلَ بمؤسستنا إلى نظام معلوماتي دقيق وشفاف ومبني على أسس وقواعد علمية لا يستطيع أحد التلاعب بمصداقيتها. كما أن النظام المعلوماتي الملحوظ في خطتننا الإستراتجية والمنوي تعميمه في قوى الأمن الداخلي سيساعد قطعاتها في عملها ويفعّلُ مصداقيتها لدى المجتمع الذي نسعى لجَعلِهِ أحد أركان الأمن باعتمادنا الشرطة المجتمعية لنتوصّلَ معاً نحو مجتمع أكثر اماناً.

كما أن المكننة والربط الإلكتروني لقطعات الأمن الداخلي اللّذَين نسعى لتحقيقهما على المدى القريب، يتطلبان دعماً كبيراً من الجهات المانحة والقادرة، سيما وأنها من أهم وسائل مكافحة الفساد الذي نعمل جادّين على استئصاله من مؤسستنا وإداراتنا العامة والدّولة ككل، فعندما تصبح معظم المعاملات إلكترونية ستكون إداراتُنا بمنأى عن الانجرار نحو الفساد وينتظم عمل المؤسسات وتصبح المكننة نهجاً ونظاماً لإدارة ناجحة. لنصلَ سوياً الى عالمٍ أكثر أمناً، وبذلك تكون قوى الأمن الداخلي في لبنان إحدى أجزاء المنظومة الأمنية والشُرَطية في العالم.

مبروك عليكم عيدكم يا رجال قوى الأمن، بهذه الإرادة الواعدة في التخطيط لمستقبل أفضل، في سبيل منعة لبنان في زمن ما زال التهديد الإرهابي، والجريمة المنظمة، وتحمّل وزر النزوح، ووجود مخيمات خارج سلطة الدولة، وفي ظل انسداد أفق الأزمة المتفجرة في الجارة الشقيقة سوريا وانعكاسها المباشر على بلدنا، هذه الإرادة تلقي بالمسؤولية على كافة رجال قوى الأمن لمواكبة تخطيط وتصميم المديرية بمزيد من الجهد والمثابرة حفاظا على الأمن والإستقرار.

ماذا تغير! تغير كل شئ؛ السياسي، المواطن، المقيم، أنواع الجرم، وسائل الجريمة، الإعلام.. ولكننا كلنا أمل في هذه المناسبة الإحتفالية العريقة باستمرار التقدم والإنجازات التي تصون المجتمع اللبناني في ظل التعاون بين الأجهزة الأمنية، وبالإستفادة من دعم الجيش الذي انخرط في مهام حفظ وصيانة السيادة الوطنية. كلنا أمل ان تحافظ قوى الأمن على مستواها الأمني في مواكبة المتغيرات وتتأقلم مع اي تهديدات جديدة وتتجاوزها. لكن العامل الأهم الذي يساعد قوى الأمن في تحسين أدائها هو الثقة بالنفس، من خلال تفعيل مبدأ الثواب والعقاب، ونشر الثقافة الأمنية بين العناصر لتقوية عملهم كشرطة مجتمية، ورفع شأن التدريب.. والتدريب.. والتدريب.

مبروك عيدكم يا رجال قوى الأمن الداخلي

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.