المنطقة الآمنة في سوريا: الوعد الأميركي غير الصادق!

جندي أميركي
صورة تم التقاطها في 30 كانون الأول/ديسمبر 2018 تُظهر جندياً أميركياً يركب ناقلة جند مدرعة كسلسلة من العربات العسكرية الأميركية التي تقوم بدوريات في مدينة منبج بشمال سوريا (AFP)

نوال الأشقر – لبنان 24

تحلم تركيا منذ سنوات بإقامة منطقة آمنة شمال سوريا تحقّق لها هدفين أساسيين، الأول إبعاد خطر الوحدات الكردية عن حدودها، والثاني تخفيف عبء النزوح السوري المليوني عبر ترحيل هؤلاء إلى تلك المنطقة الموعودة. هذان الهدفان لا يعنيان شيئًا للولايات المتحدة الأميركية، لا بل يتناقضان مع رؤيتها ودعمها للوحدات الكردية، ومع ذلك وافقت على المطلب التركي بإقامة تلك المنطقة بعدما رفضته لسنوات. فهل موافقة واشنطن شكلية بهدف كبح جماح الأتراك الذين يحشدون على الحدود للقيام بعملية عسكرية؟ أم أنّ هناك التقاء مصالح أميركية – تركية دفعت بواشنطن لعقد اتفاق مع أنقرة وبيع حلفائها الأكراد؟

الإتفاق حول إقامة المنطقة الآمنة تزامن وإعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنّ ساعة الصفر للعملية التركية في مناطق شرق الفرات في سوريا قد اقتربت، في وقت تسعى واشنطن لوقف هذه العملية أو تأجيلها. كما أنّ نقاط الخلاف بين طرفي الإتفاق ما زالت كبيرة. من هنا قد تكون واشنطن سعت إلى بيع أنقرة وعدًا بإقامة المنطقة الآمنة ليس بالضرورة تنفيذه على أرض الواقع، ولكنّه سيحقّق لها مكسب تأجيل العملية العسكرية التركية في المدى المنظور على الأقل. وهي سياسة دأبت واشنطن على انتهاجها بحسب ما أوضح الخبير العسكري والإستراتيجي العميد المتقاعد ناجي ملاعب في حديث لـ “لبنان 24” “فعندما تقول واشنطن إنّ الإتفاق بينها وبين أنقرة سوف ينفّذ لا يعني ذلك أنّه سينفّذ فعليًا، وهناك سوابق ومنها إتفاق منبج بين الطرفين، الذي بقي حبرًا على ورق ولا تزال أنقرة تنتظر منذ عام 2016 وفاء الجانب الأميركي بتعهداته، بالرغم من أنّه أخذ منحىً تفصليًا ووضعت له آلية لعمل الدوريات المشتركة داخل منبج”.

هناك تباينات بين طرفي الإتفاق تتجاوز تفاصيل المنطقة الآمنة إلى هدف كلّ منهما. فتركيا تريد تقويض أيّ إمكانية لتحوّل مناطق سيطرة الوحدات الكردية إلى كيان سياسي، وتطلب إبعادهم خارج المنطقة الآمنة وتعتبر هؤلاء منظّمة إرهابية. في حين أنّ الولايات المتحدة لا تريد التفريط بهم ، وفي هذا السياق يلفت ملاعب إلى “أنّ واشنطن عملت على تجهيز جيش من الأكراد قوامه 60 ألف عنصر، درّبته وجهّزته بالعتاد والأسلحة، وهؤلاء تمرّسوا على القتال وحاربوا وحقّقوا انتصارات كبيرة على تنظيم “داعش”، بحيث تمكّنوا من تحرير الرقّة ودير الزور ومدن هامة جدًّا، كانت خاضعة بالمطلق لسيطرة “داعش” ويقيم فيها حكومته. وليس بهذه السهولة تترك واشنطن هذه الأماكن وتسلّمها للأتراك، لأنّها تدرك أنّ أنقرة لن تفي بتعهداتها أو تستجيب لضمانات بعدم تعرض الأكراد الذين تحالفوا معها في قتال تنظيم “داعش” في سوريا للأذى، خصوصًا وأنّ تركيا تعتبر هؤلاء بمثابة أعدائها. هناك تباينات أخرى تتعلق بعمق المنطقة وإمتدادها، بحيث تطالب تركيا بأن يتراوح عمق المنطقة بين 9 و 11 كلم، في حين أنّ الولايات المتحدة لن تسمح بأن تتجاوز المنطقة مساحة 6 كلم”.

أمّا هدف تركيا بترحيل جزء من النازحين السوريين لديها إلى المنطقة الموعودة فليس بالأمر السهل بحسب ملاعب “فهؤلاء ليسوا أكرادًا وسيكونون مواطنين درجة ثانية، وترحيلهم يعني إدخالهم إلى الجحيم، ورأينا ما يحصل اليوم في خان شيخون وفي أدلب من قصف روسي سوري لم يبقِ أي سبل للعيش، وفي المقابل رأينا كيف يتعامل التركي في إدلب محاولًا تتريكها، بحيث يضع واليًا تركيًا يدير المنطقة بالكامل، ويتم التداول بالعملة التركية وهناك أخبار أنّ المدارس بدأت بتعليم اللغة التركية هناك”.

يخلص ملاعب إلى أنّ وضع المنطقة الآمنة معقّد، والإتفاق على إقامتها مجرد تفاهمات مبدئية، ولعّل مجاهرة تركيا بالخوف من المماطلة الأميركية أبرز دليل. “فالأميركي لا يأتمن للجانب التركي، والعكس صحيح، والسوري الرافض للمنطقة الآمنة لا يمكنه التقدّم بأي مكان من دون ضوء أخضر روسي، والروسي تربطه مصالح بتركيا، والأكراد حلفاء واشنطن خائفون من أن تبيعهم واشنطن، فراحوا يفاوضون النظام السوري، لا سيّما أنّ الأميركيين لا يحتفظون بأصدقائهم ويفضّلون السير وفق مصالحهم . وباعتقادي الوعد الأميركي سوف يلقى مصير وعد منبج، وفي أحسن الأحوال يُطبّق ولكن وفق رؤية واشنطن لا وفق طموحات أنقرة التي ستقبل على قاعدة خذ وطالب”.

إذن هي لعبة مصالح دولية في الجغرافيا السورية، لا يقيم أركانها أيّ وزن للشعوب ومصيرها، وإلتقاء هذه المصالح في لحظة ما بزواج أميركي – تركي أطلسي يحوّل الأكراد كبش محرقة من جديد.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.