التطور التكنولوجي والذكاء الصناعي يدفعان عالم التسلح والحروب المستقبلية لآفاق جديدة

رياض قهوجي، مدير عام موقع ومجلة الأمن والدفاع العربي

إن التطور الذي تشهده القوات الجوية وسرعته فاق جميع التوقعات حيث تعمل القيادات العسكرية في الدول المتقدمة على إعادة تقويم خططها العسكرية وسياساتها الدفاعية وهيكليتها لتتماشى مع التقدم الكبير والمستمر في هذا المجال. فالثورة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لا تزال قائمة وتحدث تغييرات كبيرة في شكل الحرب وطبيعتها وإدارتها. كما أن طابع النزاعات العسكرية بات متنوعاً جداً. فبعد أن طغت الحروب بالوكالة واللامتكافئة على الساحة الدولية وصعود عالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990، تعود اليوم أجواء الحرب الباردة مع تراجع نفوذ واشنطن في أكثر من مكان حول العالم ودخول قوى عظمى مثل الصين وروسيا ساحة الصراع الدولي لتنافس الغرب في أكثر من ساحة. وقد أدى هذا إلى سباق تسلح جديد إنما في شكل آخر يختلف كلياً عما كان عليه في الحرب الباردة في القرن الماضي.

بعد الثورة الصناعية وطوال فترة النصف الثاني من القرن العشرين كان سباق التسلح بين الدول يقوم على بناء وشراء عتاد وأسلحة مثل الطائرات والصواريخ والدبابات والسفن الحربية على أنواعها. لكن اليوم وبعد دخول تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عالم التسلح ولدت قطاعات جديدة في هيكلية القوات المسلحة مثل قيادة الحرب السيبرانية وقيادة حرب الفضاء لتشكل مع قيادات القوات البرية والجوية والبحرية هيئة موسعة لقيادة الأركان المشتركة في الجيوش المتقدمة. ومع تطور الذكاء الصناعي الذي بدوره يضاعف من قدرات المنظومات المسيرة، باتت عملية تجهيز وتدريب الجيوش تأخذ منحاً آخر تحضيراً لشكل جديد من النزاعات العسكرية. وعليه فإن سباق التسلح اليوم هو في تطوير شبكات الاتصال بين قواعد بيانات ضخمة تحفظ فيما يعرف بالسحابة القتالية. ان عدد الطائرات والدبابات والعتاد العسكري لم يعد مهم في معادلات قوة الجيوش بل في الشبكات المركزية التي تربطها ومدى مؤتتة منظومات القيادة والسيطرة والاتصال وجمع المعلومات وتوزيعها. ويلعب الذكاء الصناعي دوراً محورياً اليوم في آلية تطوير المنظومات الدفاعية وفي برامج التدريب والقيادة والسيطرة، مما يزيد من سرعة القرارات والوتيرة التي ستخاض فيها الحروب المستقبلية.

لكن هذه القدرات الكبيرة ليست متوفرة عند جيوش العالم كافة بل لدى نخبة من القوى العظمى والدول النامية، إذ أن العديد من دول العالم الثالث والفقيرة لا تزال تعتمد على منظومات متأخرة وطائرات من الجيل الثالث أو الرابع. هذا الأمر سيتطلب من هذه الدول إحداث قفزات كبيرة في تدريب قواتها البشرية لتمكنها من استيعاب التكنولوجيا الحديثة وطريقة خوض الحروب في هذا القرن. إلا أن هذا لا يعني أن هذه الجيوش غير قابلة للتحديث أو العمل مع الجيوش المتقدمة. فلقد قامت مقاتلات ميغ وسوخوي سودانية من الجيل الثالث بعمليات هجومية مشتركة مع طائرات أف-  15 وأف-16 سعودية وإماراتية من الجيل الرابع المحدث ضمن التحالف العربي في اليمن. وحسب القائد السابق للقوات الجوية السودانية الفريق صلاح الدين عبد الخالق سعيد فان المقاتلات السودانية لم تكن ببادء الأمر قادرة على التواصل مع المقاتلات الإماراتية والسعودية. لكن هذه المشكلة تم حلها عبر تعديل منظومات الاتصال وتحديثها الكترونيا مما مكنها من المشاركة في عمليات التحالف الجوية بشكل فعال والتواصل مع كافة الوحدات العاملة ضمن التحالف.

جزء كبير من المنظومات الإلكترونية الحديثة والتطبيقات معدة بشكل يمكن تحميلها على منظومات قديمة لحد ما مثل مقاتلات الجيل الرابع الأساسية وحتى الثالث أحيانا، وهذا سيساعد العديد التي تملك إمكانيات مادية محدودة من تمديد خدمة أساطيلها الجوية والاتكال على برامج التطوير والتحديث لإبقاء مقاتلاتها في الخدمة لسنوات اضافية، نظرا للكلفة الباهظة لطائرات الجيل الرابع المحدثة أو الجيل الخامس. هذا في حين أن سرعة التقدم التكنولوجي والتي سيضاعفها الذكاء الصناعي في المستقبل القريب، تدفع بالقوى العظمى والنامية لمضاعفة سرعة تحديث أسلحتها وعتادها وتسريع آلية مشترياتها من أجل الحفاظ على تفوقها ومنع خصومها من التقدم عليها. وهذا يزيد من الضغط على القوى البشرية التي تجد نفسها مضطرة على التدرب على منظومات جديدة وتعديل خططها وتكتيكاتها لتتماشى مع آخر الابتكارات التكنولوجية . لكن وسائل التدريب بدورها تحسنت بشكل ملحوظ وباتت تعتمد على أجهزة الواقع الافتراضي المطعمة بالذكاء الصناعي حيث تقلصت فترة تدريب الطيارين بستة أشهر على الأقل مما خفض من ميزانيات التدريب بشكل كبير.

التشكيلات الجوية الهجومية المستقبلية للدول المتقدمة ستتكون من مقاتلات وقاذفات مسيرة وطائرات الشبح تعمل مع بعضها بشكل متناسق. قد يحتوي سرب هجومي من اثنتي عشرة طائرة على طائرتين مأهولتين فقط من الجيل الخامس والباقي يكون من طائرات مسيرة مزودة بذكاء صناعي ومبرمجة لمهاجمة أهداف محددة. ويمكن لأحد الطيارين الذين يقودون التشكيل من تعديل المهمة وتغيير الأهداف للطائرات المسيرة في خضم العملية. هذا الشكل من الحروب سيكون واقعياً خلال أقل من خمس سنوات مما سيخفض بشكل كبير من حجم الخطر على الطيارين بالعمل خلف خطوط العدو إذ أن الجزء الأكبر من الطائرات المهاجمة ستكون مسيرة. وطبعا وجود طائرات الرصد المبكر والقيادة والسيطرة ستمكن القوى العظمى من ادارة عمليات جوية كبيرة وربما مع إسناد بري أو بحري بحيث تكون جميع الطائرات المغيرة مسيرة. فالأسلحة الذكية باتت اليوم أكثر ذكاء نتيجة تطور الذكاء الصناعي، وعليه ستكون الصواريخ بشكل عام أكثر سرعة ودقة وصعبة الاعتراض.

عودة التنافس بين القوى العظمى وسباق التسلح فيما بينها سيزيد من حجم التطور التكنولوجي وسرعته بشكل غير مسبوق. فالصين بصدد عملية تطوير مهمة في قدراتها العسكرية خاصة من ناحية زيادة حجم قدرة فرض القوة عن بعد وذلك من أجل منع خصومها، وتحديداً الولايات المتحدة، من استخدام مناطق نفوذ لها في بحر الصين. كما أن روسيا تعمد للاستثمار بشكل كبير في منظوماتها الصاروخية لتكون فوق صوتيه لتنفي قدرة أميركا على اعتراضها بعد أن عملت الأخيرة على مدى سنوات على بناء منظومة دفاع صاروخي متعددة الطبقات منتشرة على أراضيها وفي مناطق استراتيجية أخرى في الغرب. هذا في حين تثابر أميركا لابقاء تفوقها في مجالات عسكرية عديدة وخصوصاً في القوات الجوية للحفاظ على مكانتها كالقوة العسكرية الأقوى عالمياً. إلا أن قدرة أي جهة على الاحتفاظ على الهيمنة الجوية أو البرية أو البحرية في أي حرب مستقبلية لن تكون طويلة بسبب الشكل الجديد للنزاعات العسكرية الذي أحدثه دخول الذكاء الصناعي والتطور الالكتروني والسيبراني على عالم التسلح وادارة الحروب. إن قدرة كافة القوى العظمى على تطوير نفسها عسكريا والمنافسة سيزيد من عامل الردع ويفرض على الجميع السعي للحلول السياسية لأي نزاعات. لكن في الوقت نفسه تبقى الحروب بالوكالة منتشرة في عدة أماكن، خاصة في الشرق الأوسط، مما يبقي خطر الحروب الإقليمية أو العالمية قائماً.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
WhatsApp chat