الأبرز

مقاتلات الجيل السادس: أوروبا نموذجاً

مقاتلة أوروبية
لقطة من المقاتلة الأوروبية الجديدة (FCAS) خلال فعاليات معرض باريس للطيران 2019 (أرشيفية)

الأمن والدفاع العربي – خاص دبي

في خطوة وحّدت صفوف القوات العسكرية في القارة وخفّفت من التباينات القائمة في ما بينها كما ووجدت بديلاً للمقاتلات الأميركية، أطلقت أوروبا مشروع تطوير طائرتين مقاتلتين مختلفتين من الجيل السادس بشكل متزامن في اختبار مفصلي لقدرتها على إيجاد قيادة عمليات مشتركة من شأنها ضمان سيادتها العسكرية في ظلّ تصاعد التوتر مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي تثير مواقفه الشكوك حول متانة حلف شمال الأطلسي.

في التفاصيل، كشفت فرنسا، ألمانيا وإسبانيا النقاب عن جيل جديد من مقاتلات القوات الجوية الأوروبية؛ ويندرج مشروع بناء المقاتلة الخفية ضمن “نظام القتال الجوي المستقبلي” (FCAS) الذي سيضم أيضاً طائرات مسيّرة وصواريخ وناقلات تموين يتم التحّكم بها عن بعد قادرة على نقل الذخيرة وتشويش شبكات الاتصالات كما وتشتيت انتباه دفاعات العدو. من جهتها، تعاونت كل من بريطانيا، إيطاليا، السويد وهولندا لإطلاق مشروع مقاتلة الجيل السادس الأوروبي “تمبست” (Tempest) حيث اتفق الشركاء على استحداث مفهوم مبتكر وشراكة تتضمّن مشاركة المعرفة، تعريف المنتجات، والنمو التقني للتطوير المشترك لأنظمة المعارك الجوية المستقبلية. ويعتبر هذا المشروع خطوة رئيسة في تعزيز الدفاع الأوروبي المشترك رغم خروج بريطانيا من الإتحاد الأوربي.

في ظلّ هذه الخطوات الجدية، تباينت الآراء حول إمكانية أوروبا تشغيل برنامجين لمقاتلات الجيل السادس حيث يعتقد بعض المحللين أن التكلفة الضخمة وربما الأعداد القليلة من الطائرات المطلوبة لساحة المعركة بعد عام 2040 ستمنع الأوروبيين في نهاية المطاف من تشغيل برنامجين منفصلين، في حين تُخالف وزيرة الدفاع البريطانية بيني موردون هذا الرأي معتبرة أن تاريخ أوروبا في البرامج العسكرية حتى اليوم يبرهن قدرة القارة على تحمّل خطّتين عمل منفصلتين للطيران الحربي.

يدفعنا هذا الأمر إلى التفكير في حروب الجيل السادس الجوية وما الذي يمكن أن نتوقعه من طائرات هذا النوع، خاصة وأن طائرات الجيل السادس لم تخرج بعد عن الإطار المفاهيمي، لاسيما وأن القوات المسلحة في كافة أنحاء العالم لا تزال تسعى إلى استيعاب الجيل الخامس من المقاتلات.

مما لا شك فيه أن طائرات الجيل السادس، نظرياً، ستتجاوز مهارات طائرات الجيل الخامس في العديد من الجوانب، حيث تشير التقارير الحالية إلى أن منصات الجيل السادس ستكون “مأهولة (بطيارين) بشكل اختياري”، مما يعني أنها يمكن أن تطير بطيار أو بدونه، الأمر الذي سيُمثّل تحولاً حاسمًا في أوامر القوات الجوية العالمية بمعركة ما. يُضاف إلى ذلك، أن هذا النوع من الطائرات يُمكن أن يُعيد صياغة المفهوم المعروف للعمليات وقواعد الاشتباك في العديد من أركان العالم، خاصة وأن هذه الطائرات تعمل كمنصة لإطلاق ضربات الطائرات بدون طيار كما ومن المحتمل أن تتزوّد بأسلحة الطاقة الموجهة أيضًا.

بدون أدنى شك، فإن إدارة مثل هذه المهام المعقدة والتعامل مع كمية هائلة من البيانات تتجاوز القدرات المعرفية البشرية، وقبل طائرات الجيل الخامس، كان خبراء الصناعة الدفاعية والطيران يميلون إلى حل هذه المشكلة من خلال تعدد عمل بعض منصات الجيل الثالث والرابع، ومن ثم إدخال أدوار جديدة في قمرة القيادة.

ما يُثير الإهتمام هنا هو أن إحدى ميزات تصميم مقاتلة “تمبيست” هي قمرة القيادة. فهي عادة ليست الجزء الذي يركّز عليه الناس، ولكن هناك شيء مختلف تماماً حول تصميمها؛ فعندما نظر الزوار إلى لوحة البيانات – خلال فعاليات معرض “فارنبوروه للطيران 2018”- لم يروا أيًا من أجهزة القياس والميزات المعتادة. ولكن بدلاً من ذلك، كان هناك شاشة سوداء فارغة تماماً أمام أعينهم – إلى أن وضعوا الخوذة الخاصة وظهرت شاشة العرض أمامهم. من هنا، تراهن شركة “بي إيه إي سيستمز” البريطانية على أن مفهومها لقمرة قيادة افتراضية، والتي يمكن تغييرها بحسب أفضلية الطيار وتحديثها بسهولة لتعكس إمكانات جديدة، ستأتي بثمارها على المقاتلة الجديدة. وقم تم تصنيف هذه القمرة على أنها طريق المستقبل، فأولاً، إن النظام أخف وزناً من مجموعة التحكم التقليدية في مقصورة القيادة، والتي تسمح للمصممين بتخفيف الوزن عن التصميم، وثانياً، والأهم من ذلك، يُتيح النظام قدرات معيارية  (Modular Capabilities).

وتُشكّل هذه التقنيات (بالإضافة إلى العديد من غيرها) خاصيّة أساسية تُميز مقاتلات الجيل السادس عن نظيرتها من الجيل الخامس، فما أحضرته هذه الأخيرة حتى يومنا هذا، هو تصاميم أحادية المقعد، وإذا اتبع الجيل السادس هذا النموذج بشكل عام، ولأنه سيتعامل مع كمية هائلة من البيانات وتعدد المهام في مساحة معركة أكثر تعقيدًا، فإن السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو تعزيز قدرة الذكاء الاصطناعي (AI) والتوافق بين البشر والآلات.

لا يختلف اثنان على أن الخطوة الأوروبية جريئة وقد رفعت سقف المنافسة وسط الصناعات الدفاعية العالمية خاصة على الساحتين الأميركية والصينية في ما يخصّ التطورات التكنولوجية الرئيسية، وكذلك النشاط العسكري الروسي ومفاهيم الحروب الهجينة. سيتطلب ذلك استثماراً كبيراً في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، وإنتاج منصات طائرات بدون طيار، وتزويد الطائرات بأنظمة حربية إلكترونية قوية وأسلحة على أحدث مستوى، وضمان مستوى عالٍ جدًا من الاتصال بالشبكات بشكل يتجاوز الجيل الخامس، الأمر كله يتعلق بالثورة المقبلة في الشؤون العسكرية، وبالتالي المنافسة القوية. كما ويجب الأخذ بعين الإعتبار الاختلاف الكبير في سياسات ومرونة الصادرات الأوروبية (على سبيل المثال الألمانية والفرنسية – حيث من المحتمل ألا يريد عمالقة الدفاع الفرنسيين أن يخسروا الأسواق المربحة، ولا سيما في الخليج، بسبب المشهد السياسي الألماني الحساس).

يبقى أن نرى كيف ستتمكّن الدول الأوروبية من تخطّي كافة العقبات المالية، السياسية والتصديرية على أن تواكب المنافسة العالمية بين القوى الكبرى.

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
WhatsApp chat