التدخل غير المرحب به في المنطقة… ورقة رابحة بيد واشنطن (2)

العميد م. ناجي ملاعب

الجزء الأول من المقال: التدخل غير المرحب به في المنطقة… ورقة رابحة بيد واشنطن (1)

رابعاً: الحلول والتطورات المرتقبة وفق محلين وخبراء

1- الحلول المعقولة: الإنحناء للعاصفة

ما قبل القرار الأميركي الأخير باستهداف الحرس الثوري بالعقوبات، يعتقد الباحث الكويتي العميد الدكتور ظافر محمد العجمي أن ما رشح حتى الآن مما سيجري تجاه إيران هو خليط غير ناضج من عناصر حرب إعلامية تمهيدية متباعدة، وكما هو معروف لا يصنع الإعلام سياسات الدول؛ وإن كان يمهد لها، بل تصنعه مصالح الدول بالدرجة الأولى إذا كانت بيد رجال دولة محنكين. ولعلّ مجرى التصعيد سيصب كما يبدو في شرايين الحرس الثوري الإيراني أو الأطراف الإيرانية في سوريا ولبنان. ويقوي هذا الإعتقاد الهلع الذي رافق تحركات قادته مؤخراً.

هذا الهلع  جعل الميجر جنرال محمد علي جعفري قائد الحرس الثوري الإيراني يصرح إن إيران لا تعتزم في الوقت الراهن زيادة مدى صواريخها، مشيراً إلى أن المدى الحالي وهو 2000 كيلومتر كاف لحماية الجمهورية الإسلامية مضيفاً أن معظم أهداف الأعداء الاستراتيجية تقع بالفعل ضمن مدى 2000 كيلومتر. ويسعى القائد الإيراني من تك الرسائل لتحقيق أهداف عدة أهمها:

– تهيئة الشعب الإيراني والقوى المرتبطة بالحرس الثوري في الخارج كحزب الله في لبنان والحوثيين (انصار الله) في اليمن والحشد الشعبي في العراق لظروف تتطلب الإنحناء للعاصفة. كما أن الظروف قد تلزم الحرس الثوري بالتنازل عن توسعه الصاروخي وربما الوصول للسيناريو الكوري الشمالي بتدمير بعض الصواريخ في مرحلة قادمة.

– طمأنة الدول الأوروبية التي كان لها موقف شبه مقبول من ايران حيث لم تنسحب من الاتفاق وأبقت أبواب التواصل مشرعة، فكان على طهران إظهار حسن النية من أن صواريخها لن تطال أوروبا، مما يبدد مشروعية وجود صواريخ باتريوت الأميركية في بولندا والتي كررت واشنطن امام العتب الروسي أنها لحماية الغرب من صواريخ ايران وليس صواريخ موسكو.

– كسب تعاطف المجتمع الدولي فيما لو هاجمت واشنطن الحرس الثوري وصواريخه، حيث يمكنها القول ان مسافات صواريخنا هي لحماية المدى الحيوي لطهران وليس للوصول لأماكن أخرى. وفي الوقت نفسه هي رسالة تشي بإمكانية التفاوض مع واشنطن على برامج الصواريخ، مادام مزاج التنازلات مقبولاً بعد قيام بيونغ يانغ بالتطوع بتدمير بعض صواريخها[1].

ويستمر سيل التصاريح حيث عاد قائد الحرس الإيراني الى الإعلان عن رفض التفاوض حول الصواريخ ودعم الحلفاء الإقليميين، وتفاخر بتمدد إيران في سوريا والعراق ولبنان، موضحاً أن الهدف من الضغوط الأميركية إضعاف القدرات الصاروخية الإيرانية ومشيرا إلى أن بلاده تملك الترسانة الصاروخية الأولى في المنطقة؛ وفقاً لمراكز أبحاث أميركية.

2- انسداد الأفق بعد الترويج أن ايران قوة عالمية وندية للولايات المتحدة

  ان سياسات الخداع لا تنفع مع خصم مثل إيران التي أبدت دائمًا استعدادها لدفع الأمور إلى حافة الهاوية. إن طهران تعتبر نفسها قوة عالمية وندية للولايات المتحدة، حتى وأنها حاولت لفترة طويلة من الزمن إقناع شعبها والمنطقة بأنها قوة عسكرية مساوية لأميركا. وبالتالي، وفق رأي الخبراء، من المحتمل أن يستفز الحرس الثوري الإيراني الولايات المتحدة بشكل مباشر أو من خلال الميليشيات التابعة له بهدف الترويج لنفسه كلاعب قوي يوازي للولايات المتحدة[2].

يستعد الحرس الثوري الإيراني لمواجهة عسكرية محتملة مع الولايات المتحدة لسنوات عديدة وهو قد حسّن موقعه في المنطقة بشكل كبير. كما تمتلك طهران ترسانة واسعة من الصواريخ البالستية المنشورة في جميع أنحاء بلاد الشام – في العراق وسوريا ولبنان – واضعة بذلك الأهداف الأميركية حتى أطراف أوروبا الشرقية من حيث النطاق. حتى أن لديها صواريخ سطح-سطح مضادة للسفن في لبنان[3] وربما في سوريا والتي تهدد السفن الحربية الأميركية في شرق البحر الأبيض المتوسط. كما لديها بالفعل صواريخ كروز مضادة للسفن وترسانة كبيرة من الصواريخ البالستية موجهة ضد أهداف محيطة بإيران، وخاصة مياه الخليج العربي.

بالتالي، فإن الحرس الثوري الإيراني لديه القدرة على شن هجمات مفاجئة عنيفة ضد القواعد والقوات الأميركية في الخليج العربي والشرق الأوسط وإلى حد أفغانستان، مما قد يتسبب بخسائر فادحة. وعلى الرغم من أن ميزان القوى العسكري لا يزال يصبّ لصالح الولايات المتحدة، إلا أن واشنطن ستظل تجد نفسها في حرب صعبة قد لا يكون الشعب الأميركي حريصًا على الدخول فيها أو الاستمرار بها. ومن المرجح أن تراهن طهران على ضعف الجبهة الداخلية الأمييكية في تحمل الخسائر الكبيرة في حرب طويلة محتملة معها.[4]

لذلك، يجب حساب التصعيد ضد إيران جيدًا والاستعداد له سياسياً وعسكريًا لأن أي خطأ يمكن أن يؤدي إلى حرب إقليمية طويلة كارثية قد تعزز مكانة الحرس الثوري الإيراني ووكلائه بدلاً من إضعافه. ويأمل حلفاء أميركا في المنطقة ألا تكون السياسات الأميركية الحالية تجاه إيران جزء من خطوات سياسية تكتيكية محدودة تخدم ساسة اسرائيليين أو تخدم طموحات انتخابية أميركية.

من جهة ثانية، فقد نشر عبدالباري عطوان في صفحته “رأي اليوم” خلاصة حديث مع النائب في حزب الله نواف الموسوي “… المسألة الأخرى التي تستحق التوقف عندها تأكيده وهو الذي التقى السيد حسن نصرالله مع آخرين، (لم يذكرهم)، لأكثر من خمس ساعات قبل يومين فقط، أن الثالث من أيار (مايو) المقبل قد يكون يوما تاريخيا، وعندما طلبت منه التوضيح قال إنه يوم تطبيق المرحلة الثانية من العقوبات الأمريكية على إيران، ومنع تصديرها برميلا نفطيا واحدا، وقال بالحرف الواحد “إن إيران ستصبح أمام خيارين: الأول أن تترك أمريكا تجوع سبعين مليون إيراني وبما يؤدي إلى تقويض النظام من الداخل، وهذا ما لن تسمح به القيادة الإيرانية، أو أن تدخل في حرب مع أمريكا و”إسرائيل” وحلفائهما في المنطقة، ولذلك فإن الرد العسكري سيكون حتميا، ومهما كانت النتائج”، أما أين سيكون الرد وكيف، فهذا ما رفض الحديث عنه، وقال إن هذا سيكون متروكا للعسكريين، ولكنه لم يستبعد أن يكون “حزب الله” وآخرين في قلب المعركة[5]

خامساً: أين لبنان من تداعيات القرارت الأميركية والردود المحتملة

قد تصل الإدارة الأميركية التي اختارت سكة التفاوض مع زعيم كوريا الشمالية الى حل ما مع طهران، ولن يغيب عن بالنا أن الأوراق التي تملكها ايران للتفاوض دسمة ومهمة للأميركيين، لكن ما يعنينا في لبنان والمنطقة هو، بانتظار الطريق الذي سيسلكه الطرفان سواء على البارد أم على النار، هل سيقدم الإيراني على الولوج بالحرب بالوكالة ويستخدم الجبهة الجنوبية اللبنانية لتلافي نقل الصراع الى أراضيه؟

1- ماذا جرى في واشنطن

ما ينقله أحد أعضاء الوفد اللبناني الذي زار واشنطن أن المسؤولين الأميركيين يريدون من لبنان أن ينتقل من وضعية الساحة المفتوحة والمشرعة، إلى دولة مؤسسات تُحكم من خلالها الدولة السيطرة بالقانون على كل ما يجري ضمن أراضيها، وقد وجّه المسؤولون في وزارة الخارجية تنبيها لجهة انفلات الحدود مع سوريا، والتي تحوّلت إلى مناطق يجري عبرها تنفيذ عمليات تهريب تطال كلّ ما هو ممنوع بين لبنان وسوريا. ويمثل وقف التهريب جزءً من مراحل تجفيف مصادر تمويل حزب الله الذي يسيطر مقاتلوه على معابر غير شرعية يتم التهريب من خلالها.

وتعتقد مصادر اميركية “أن السلطات الاسرائيلية لا تنوي شن حرب على ​لبنان​، وان السياسة​ الاسرائيلية لم تعد تتلهى بفروع ​الحرس الثوري​ الإيراني، بل صارت ترى ان المواجهة الوحيدة المطلوبة هي مواجهة الحرس الثوري والنظام الايراني نفسه في ايران” ورات أنه “قد يحاول نظام الملالي في ايران تشتيت الانتباه عن المصاعب الاقتصادية، التي يواجهها بسبب تجدد العقوبات الاميركية، عن طريق فتح حروب جانبية”. ورأت المصادر ذاتها أن “حرب العام 2006 كانت لتشتيت الانتباه عن المصاعب التي كان يواجهها “حزب الله” وحليفه الرئيس السوري ​بشار الأسد​ على اثر اغتيال رئيس ​حكومة​ لبنان السابق ​رفيق الحريري​” ورصدت “مصاعب اقتصادية جمة يواجهها “حزب الله” بسبب شح الاموال الايرانية، وهي مصاعب صارت تطول ​الدولة اللبنانية​ نفسها”.[6]

في موازاة ذلك، يبدو “أن احتمال حصول حرب بين حزب الله وإسرائيل سيبقى واردا، ويمكن أن يتحوّل إلى قرار، خاصة إذا ما حاولت واشنطن نزع ورقة الحدود اللبنانية مع إسرائيل من يد طهران، وإذا ما كانت الأخيرة تجد في ذلك خطرا وجوديا على نفوذها في لبنان، سواء باسم الأمم المتحدة أو من خلال الدفع نحو مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل وقبرص باسم ترسيم الحدود المائية” [7].

2- حزب الله والمعاناة المالية

لا شك في أن حصة “حزب الله” هي الكبرى من الانفاق الايراني للميليشيات. وتشير التقديرات ان الى إيران تقدم 200 مليون دولار سنويًا للحزب كرواتب. وتقول صحيفة “لاستامبا” الايطالية إن الحزب تمكن من تحقيق استقلالية مالية منذ حربه مع إسرائيل سنة 2006، حيث أصبح يملك شبكة تمويل هامة تضم شركات ومؤسسات مالية ضخمة، بالإضافة إلى الدعم الذي يتمتع به من رجال اعمال اللبنانيين. ومع ذلك، أكد المستشار في معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى الديبلوماسي السابق دنيس روس أن قيمة المساعدات المالية التي تقدمها إيران للحزب تقدر ب800 مليون دولار سنوياً.[8].

وباتت سياسة تشديد القبضة الأميركية على لبنان والتي تبدو واشنطن مستمرة باعتمادها، تلقي بثقلها على حزب الله، الذي أصبح بدوره يتلمّس آثار هذه السياسة في تراجع قدراته المالية، سواء بسبب هذه القبضة أو نتيجة العقوبات الأميركية على إيران، فضلا عن الأزمة العميقة التي يعاني منها لبنان اقتصاديا وماليا والتي زاد من انكشافها سطوة إيران عليه، وما يمكن أن نسميه انكفاء الدول العربية ولاسيما الخليجية من لبنان إلى حدّ كبير إذا ما قيس الحضور العربي بما كان عليه قبل عقد من الزمن.

3- تخوف الحزب من اعادة فتح ملف السلاح

ويخشى اعلام محور طهران من الطرح الأميركي عبر القول إنه “اقترح الحل في المدى الفوري لمشكلة خط الحدود بما يرضي لبنان وبرعاية الأمم المتحدة، بينما الأزمة البحرية ستعالج على نحو منفصل من خلال تحكيم متفق عليه. والى أن ينهي التحكيم عمله، تنتج شركات الغاز الدولية الغاز من البحر وتوزع مداخيلها بين إسرائيل ولبنان. وبعد التحكيم، تعمل الدولتان وفقا لقرار المحكَّم”.[9]

ويتمثل التخوف الإيرانية في زعم صحيفة اسرائيلية من أنه كلام منسوب للرئيس نبيه بري معتبرة أن «بري وحزب الله يريان أنه في حال موافقة إسرائيل على حل الأزمة البرية كما يطلب لبنان، فإن ذلك سيسحب من تحت أقدام حزب الله الادعاء بأن إسرائيل تحتل أرضاً لبنانية، وبالتالي لن تكون حاجة إلى مخزون السلاح الذي يحوزه!»،. ومع ذلك، تابعت الصحيفة بالقول إن المعارضين للموقف الأميركي يرون بأن «هذه الخطوة ستفتح ثغرة لبحث لبناني داخلي عن الحاجة الى نزع سلاح حزب الله».

هذه الخشية تصب في مكانها لأن الوضع الإقتصادي المتردي إن لم نقل المنهار في لبنان، لم يكن الفساد الإداري فيه سوى نتيجة للتسويات المتكررة التي أذعن لها الفرقاء السياسيين اللبنانيين بوجود وتهديد واستخدام سلاح حزب الله في خارج موضعه المأمول منه؛ ما أفقد المؤسسات الكبرى في الدولة دورها وسلطتها جراء التعطيل الكيدي. لذلك فإن موضوع وجود سلاح خارج شرعية حق استعمال العنف للدولة وحدها، هو المدخل للإصلاح السياسي قبل الإصلاح المالي والإداري. فهل يعمد الحزب، المتوقع عودة مقتليه من سوريا الى تسخين الجبهة مع العدو الإسرائيلي وفق ما يجري من تسريب معلومات حول انشاء وتدريب قوى فلسطينية (2500 مقاتل) على يد حزب الله وحماس جاهزة للتدخل في الجنوب اللبناني نصرة لحماس في غزة.

في الخلاصة، وفي علم الجيوبوليتيك

من يحكم الأوراسيا يحكم العالم. فالتدخل الإيراني “غير المرحب به في المنطقة” بصيغته، المذهبية أو بدعم وتدريب وتسليح جيوش بديلة تسهم في عرقلة سيادات الدول، قدّم لواشنطن ورقة رابحة لإعدة ضبط المنطقة كاملة على ايقاع يخدم الإستراتيجية الأميركية الإسرائيلية. فواشنطن تقدّر تماماً الثروات الإيرانية من البترول والغاز والمعادن، وتعي كذلك الموقع الإستراتيجي للجمهورية الإسلامية على بحر قزوين والمحيط الهندي، وتدرك أهمية التعاون ما بين دول البريكس اذا ما طورت صيغته، وتقتضي المصلحة الأميركية بتقليم أظافر وقدرات طهران قبل أن تتعبد طريق الحرير أمام الشرق الى أوروبا وافريقيا، وليس أفضل من ساحاتنا الهجينة لتنفيذ الأستراتيجيات الدولية.



[1]  ظافر محمد العجمي: موقع الأمن والدفاع العربي تاريخ 11/12/2019

[2]  رياض قهوجي موقع الأمن والدفاع العربي في 10 – 4 – 2019

[3]  أفاد قائد المنطقة الشمالية السابق وسلاح البر الحالي في الجيش الإسرائيلي “يؤال ستريك”، أن “حزب الله حصل على صواريخ C-802 المضادة للسفن”، مشيراً إلى أن “وجود هذه الصواريخ على شواطئ لبنان وسوريا لا يحد من حرية الحركة البحرية لـ “إسرائيل” فحسب، بل يهدد أيضاً السفن في ميناء حيفا”. موقع ليبانون ديبيت 19 – 4 – 2019

[4]  قهوجي، المرجع السابق

[5]  قناة العالم بتارخ 31 – 3 – 2019

[6] حسين عبدالحسين، الرأي الكويتية في 22 – 4 -2019

[7]  علي الأمين: موقع العرب الإلكتروني في 2019/04/18

[8]  موناليزا فريحة صحيفة “النهار” 4 كانون الثاني 2018

[9]  كلام مقتطع من جريدة الأخبار في 19 – 4 – 2019 منسوب الى موقع صحيفة “إسرائيل هايوم” الإسرائيلية

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate