الولايات المتحدة تعدّل تموضع حاملات طائراتها في العالم مع تعزيز هذا الانتشار في الشرق الاقصى

قررت الولايات المتحدة الأميركية مؤخراً إعادة النظر في تموضع حاملات طائراتها العشرة حول العالم مع إعطاء أولوية لتعزيز[*] الانتشار في منطقتي آسيا والشرق الأقصى.

وضمن هذا الإطار، تم نقل حاملة الطائرات الأميركية "يو أس أس تيودور روزفلت" من قاعدتها الأساسية نورفولك على الساحل الشرقي للولايات المتحدة إلى قاعدة سان دييغو على ساحلها الغربي. وهي المرة الأولى التي يتم تعزيز منطقة المحيط الهادئ بحاملات الطائرات على حساب المحيط الأطلسي بحيث نشرت 5 حاملات طائرات في المحيط الهادئ وهي: "يو أس أس نيميتز" و "يو أس أس جون ستينيس" (قاعدتهما الإدارية بريميرتون)، و "يو أس أس كارل فينسون" و "يو أس أس تيودور روزفلت" و "يو أس أس رونالد ريغان" (قاعدتها الادارية في سان ديييغو). ويضاف اليها "يو أس أس جورج واشنطن" المتمركزة في اليابان في يوكوسوكا.

أما في المحيط الاطلسي فقد نشرت 4 حاملات طائرات أميركية وهي: "يو أس أس دوايت إيزنهاور" و "يو أس أس أبراهام لينكومن" و "يو أس أس هاري ترومان" و" يو أس أس جورج بوش" ( قاعدتها الادارية نورفولك).

وكما هو معروف، فإن الولايات المتحدة الأميركية تتبنى على صعيد الدولة منذ مطلع القرن العشرين استراتجية هجومية بحرية عامة كما حددها العميد البحري ألفرد تاير ماهان الذي يرى – في كتابه الشهير تأثير القوة البحرية في التاريخ 1660-1783 الذي يصنف من الكتب الهامة التي يقرؤها كل رئيس أميركي منتخب قبل استلامه السلطة – أن غنى الدول وعظمتها هما نتيجة التجارة البحرية لهذه الدولة والمحمية من أسطولها الحربي .

كما حدد ماهان بدقة العناصر الستة التي يجب توافرها مجتمعة في أية دولة ليتم اعتبارها "قوة بحرية -Sea power" وهي تتمثل: بأسطولها الحربي وقواعده البحرية في الداخل والخارج، وأسطولها التجاري، وجغرافية الدولة وموقعها من البحر، بالإضافة إلى وجود طاقات بشرية موجهة نحو المهن البحرية وثروات تسمح بتمويل انشاء بنية تحتية بحرية (مرافىء- احواض جافة – مدارس مهنية بحرية – امن بحري)، فضلاً عن وجود حكومة تدعم التوجه البحري للدولة.

وتتجلى الأهمية البحرية في مقولة ماهان الشهيرة "من يسيطر على البحر يسيطر على البر".
وتتمحور استراتجية ماهان على ضرورة تأمين السيطرة البحرية على مسرح العمليات البحري وعلى خطوط المواصلات البحرية الرئيسية في العالم (مثل الممرات المائية والمضائق والاقنية البحرية …)، بالإضافة إلى السيطرة على المناطق البرية الهامة التي تتحكم بحركة المواصلات البحرية وذلك كخطوة اساسية لقذف القوى الى البر.

يعود سبب إعادة الانتشار الأخير مع تحوّل مركز الثقل العسكري نحو الشرق، والصين تحديدا، برأيي، لما تشكله هذه المنطقة الاستراتيجية الهامة من تأثير على المصالح الاقتصادية الأميركية وبالتالي على مكانة وموقع الولايات المتحدة الأميركية الطليعي في العالم.

كما يندرج السبب ضمن إطار سياسة احتواء الصين بالدرجة الأولى وكبح جماح نفوذها السياسي المتنامي في العالم بخطى ثابتة ونفس طويل، بفضل اقتصادها القوي الذي يعتبر حاليا ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة. ويعتبر اقتصادها أسرع اقتصاد في مجال النمو في السنوات الثلاثين الماضية بمعدل سنوي يتخطى 10%. وتعتبر الصين أكبر دولة مصدّرة وثاني أكبر مستورد في العالم. ويقدر ناتجها المحلي بحوالى 1.4 تريليون دولار.

والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا المجال: هل يشكل نمو الاقتصاد الصيني المستمر بخطى ثابتة في المستقبل خطراً على موقع الولايات المتحدة الأميركية الطليعي في العالم ؟
إن إعادة نشر الولايات المتحدة لحاملات طائراتها التي تتمحور حولها قواتها البحرية التقليدية والاستراتجية مع تعزيزها في الشرق الأقصى هو مؤشر واضح على قلق الإدارة الأميركية من تنامي قوة الصين الاقتصادية وما يمكن أن تشكله مستقبلا من خطر على موقعها الريادي. ويمكن تفسير هذا التوجس الأميركي من خلال مراقبتها عن كثب نشاطات الصين على الصعيد العالمي.

فقد عملت الصين منذ فترة على تنمية علاقتها الإقليمية والدولية حتى مع دول لا تلقى قبولا غربيا مثل السودان وايران وبورما، بهدف تامين احتياجاتها النفطية بطريقة تسهل نمو قدراتها الاقتصادية من جهة والحفاظ عل سيادة واستقلال وضعها السياسي من جهة أخرى.

أما العلاقات بين الولايات المتحدة والصين فهي أيضا معقدة ومليئة بالتناقضات، وفي الوقت نفسه هما بحاجة إلى بعضهما البعض.

وتعتبر الصين أكبر ثالث شريك تجاري وثاني أهم مصدر للواردات الأمريكية. وتُعتبر السلطات الصينية ثاني أكبر دائن رسمي للولايات المتحدة. وفي المقابل تعتبر الولايات المتحدة أهم شريك تجاري ثنائي للصين ومصدرا مهما للاستثمار وتصدير التكنولوجيا.

وفيما يتعلق بالسياسة الخارجية والعلاقات الدولية فإن مصالح الولايات المتحدة والصين متشابكة الا ان ذلك لا يعني عدم وجود خلافات حول عدد من القضايا الإقليمية والدولية بين الدولتين.

إعداد العميد الركن البحري م. علي المعلم

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.