جيوش دول الطوق الليبي تتحرك

عدد المشاهدات: 297

عادل محمد بلعربي- الجزائر
دول شمال افريقيا كانت الحاضنة الأولى للتغييرات السياسية المفروضة بقوة الشارع التي اصطلح عليها إعلاميا بـ"الربيع العربي". أحداث لبت الكثير من طموحات أهل المنطقة فأنها أُتبِعت بتجاذب سياسي كبير حول أحقية الأطراف السياسية بإدارة المرحلة المعقبة للثورات.

هذه التجاذبات وزيادة على تأثيرها على معنويات الناس وإشاعة شعور عام بالإحباط، كان لها أثر أمني على الأرض، أضحت معه أسباب تحقيق أهداف الثورات من تنمية وسلم اجتماعي وحرية فكرية بعيدة المنال.

تونس التي كانت السباقة للانتفاض على النظام السياسي القائم أصبح الإرهاب هاجسها الأول وأضحى يحصد أرواح العديد من ممثلي الأطياف السياسية المخالفة في الفكر ومنتسبي القوى الأمنية. ليبيا، هي الأخرى، أضحت بؤرة لفوضى السلاح والعمليات العدائية المدفوعة بضغائن قبلية أو ايديولوجية. مصر أضحت تعاني من انتشار التشدد في [*] صحراء سيناء الذي أضحى يتسبب في اراقة دماء افراد الجيش. الجزائر التي كانت في منأى نسبي عن أحداث الربيع العربي مسّها من تبعاته الكثير بحكم جوارها لمناطق متوترة تصعب مراقبة الحدود فيها. كل هذا، في الوقت الذي تتنامى فيه قوة متطرفة تمكنت في وقت وجيز من اقتطاع مساحات شاسعة من العراق وسوريا وأضحت تهدد لبنان والأردن.

جيوش وقوى أمن شمال افريقيا، المخولة قانونا بالتصدي لهذه الحالة، أصبحت تعاني من تحديات شتى لم تواجهها مسبقا.

الجيش التونسي الذي انحاز للشعب خلال الثورة واكتسب رصيدا شعبيا كبيرا عبر حياده وتوازنه يعاني من شح في الموارد وقلة في المعدات وعدم ملائمة تكوينه وعتاده مع نوع الحرب الجديدة التي فرضت عليه، حرب العصابات.

الجيش الليبي اختفى بعد تهاوي الحكم الجماهيري وتعرض معداته للتدمير الكلى أو الجزئي وتقاسم ما تبقى منها بين ثوار الأمس ورفقاء اليوم أو تهريبه نحو بؤر نزاع أخرى في مالي والنيجر وتونس ومصر.

الجيش المصري الذي فقد بعض الإجماع الشعبي بعد الثورة الثانية التي قام بها مطيحا بالرئيس المنتخب وما جرّه ذلك من أحداث دامية وضعته في بعض جزئياتها في قفص المساءلة، يحاول جاهدا ضبط منطقة سيناء التي لطالما اعتبرت آمنه مسالمة، والتي أضحت مصدر قلق لجيش مصر بل بات مسرحا لعمليات ارهابية أودت بأرواح الكثيرين من منتسبيه، قبل أن ينتقل التهديد إلى صحراء مصر الغربية المحاذية لليبيا.

الجيش الجزائري حرّكته الأحداث ودفعته لإجراء تعديلات عميقة في بنيته لمجابهة جبهة السلاح الليبي وضبط الحدود المشتعلة مع الجارة تونس.

في وقت يحظى فيه الجيش المغربي بهدوء نسبي لبعد منطقة التحولات السياسية عنه وحؤول الجزائر جغرافيا وعسكريا بين المغرب وبؤر التوتر الكبرى.

وضعٌ كالراهن، أوجب تحركات أمنية موحدة شملت لقاءات عسكرية على أرفع المستويات هدفها ضبط الأمر والوقوف دون الانزلاق إلى الواقع السوري والعراقي اللذين لا يختلفان كثيرا في جوهرهما مع ما قد تصير إليه ليبيا ودول طوق لييبا. التفاهمات التي جرت بين كل من الجزائر ومصر وليبيا وتونس تصب كلها في هذا الإطار.

إذ تم ابرام اتفاق على إمداد الجيش الجزائري الجيشَ التونسي استعجالاً بمعدات عسكرية مخصصة للرصد وتدخل جوي لإضافة ذخائر مع تدريب الضباط على استراتيجيات الحرب على الإرهاب واستخدام المعدات الشرقية المصدر في أغلبها.

والأمر هنا يتعلق بمعدات استشعار عن بعد، ورصد المتفجرات، والتعقب في الظروف الاستثنائية، وطائرات القصف الأرضي، وقنابل جوية، ومعدات مضادة للآليات والدروع.

يشار إلى أن عمليات تجديد أسلحة الجيش الجزائري منذ مطلع الألفية الثالثة أدت إلى سحب عشرات الطائرات الصالحة للخدمة مقابل استقدام معدات احدث. بعض هذه الطائرات كطائرة التدريب والقصف الأرضي التشيكية أيرو أل-39 ألباتروس والتي لدى الطيارين التونسيين خبرة في التعامل مع طائرة اخرى من نفس عائلتها أل-59 ألكا قد تكون موضوع ترحيل إلى تونس.

بؤرة الإرهاب في تونس، جبل الشعانبي، وبحكم قربها من الحدود الجزائرية ووقوعها تحت تغطية طائرات الاستطلاع الجزائرية المأهولة وغير المأهولة، ستكون تحت مراقبة دورية يستفيد من نتائجها الجيش التونسي.

يحدث هذا، في وقت تعتزم فيه تونس تزويد جيشها بحوامات جديدة، اقترحت الجزائر أن تكون روسية من أحد طرازات المي-24 المجربة بكفاءة، إلا أن الأمر قد يمضي لاقتناء حوامات البلاك هوك الأميركية وسط ما يجر هذا من جدل في أوساط المجتمع التونسي حول الكلفة وأثرها على الاقتصاد المتأرجح.

قرار الدعم العسكري لتونس يوحي بإحجام الجيش الجزائري عن التدخل المباشر، مفضلاً تقوية جيش الجارة تونس دون إلزام بدفع مصاريف قد تثقل كاهل الدولة التي تعوّل كثيرا على السياحة المتضررة بشدة جراء الوضع الامني الحالي.

ليبيا التي يفتقد جيشها قيادة فعلية تمكن من التعامل معه في صفقات مضبوطة آثرت طلب التدخل المباشر من الجزائر شرقا ومن مصر غربا، تدخل تضاربت بشأنه الأخبار بين جازم ومشكك وناف، إلا أن الواقع يدل على قرب حدوثه بغطاء إعلامي أو دونه.

الليبيون أكثر من يعلم بجدوى الضربات الجوية. فهي من أوقفت زحف القوات الحكومية التابعة للنظام السابق نحو بنغازي التي أوشك النظام على استردادها حينها، كما أن ضعف سلاح الجو الليبي الذي دمر أغلبه ولم يبق عامل فيه إلا بعض المقاتلات الرابضة في مدن بعيدة عن الأحداث وأغلبها من صنف ميغ -21 أو 23 التي لا يمكنها لعب دور حاسم فيما يجري الآن، برغم القادة الحاليين على طلب مساعدة الدولتين الجارتين باعتبارهما صاحبتا أقوى جيشين في المنطقة وتمتعهما بذراع طولى يمكنها تغطية التراب الليبي كاملا.

تغطية قد توفرها من الجانب المصري طائرات الميراج 5 و2000 مرفوقة بمقاتلات أف-16 ومن الجانب الجزائري قاذفات السوخوي-24 مرفوقة بالمقاتلات سوخوي-30 والصهاريج الطائرة ميداس، مع تنسيق استخباراتي واستطلاعي متقدم.

إلا أن نفقات حرب قد تطول ويصحبها "تورط في المستنقع الليبي" تجعل الجميع يفكر مرتين قبل الإقدام على ذلك في حين يقول المعهد الأميركى للدفاع والأمن ان الوضع المتدهور فى ليبيا كلف الجزائر ملياري دولار حتى الآن، فى صورة نقل معدات عسكرية وإقامة قواعد عسكرية دائمة على طول الحدود مع ليبيا، وأن التدخل المباشر من قبل الجزائر قد يكون ضرورة حتمية.

يجدر بالذكر أن انباءاً تناولت تدخلا عسكريا جزائريا – غريبا في ليبيا أوردتها الصحافة البريطانية في وقت سابق من هذه السنة لم تنفها الجزائر صراحة، بل أكدت على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو مبدأ باتت الأحداث المحيطة والتحديات الكبرى التى تفرض إقامة مناطق عازلة وآمنه تؤكد قرب التنازل عنه إن لم يكن قد تم فعلا.
 

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.