الأبرز

عشية الموعد النهائي للإتفاق النووي العقبات المانعة والحل المؤجل

segma

عدد المشاهدات: 483

 ريشار داغر*

عشية الموعد النهائي لابرام الاتفاق النووي الموعود بين مجموعة ال5 +1 وايران، المحدد في تاريخ 24 تشرين الثاني الجاري، لا يزال مسار [*] المفاوضات المتصلة بهذا الملف محاطاً بالكثير من الشكوك، ومرشحاً لأن يستهلك مزيداً من الجهود في ضوء ما يكتنفه من تعقيدات بالغة، وما يحيط به من عوامل تقنية وسياسية واستراتيجية متداخلة من شأنها أن تطيل عمر هذه الأزمة الدولية الضاغطة.

وفي اللحظة التي لا تزال فيها العواصم الرئيسة المعنية بالتفاوض تجهد لاحداث اختراق ايجابي في ربع الساعة الاخير قبل انقضاء الموعد (المرشح لتمديد ثانٍ بعد الاول) من المفيد القاء الضوء، باقتضاب، على النقاط الثلاث التي تشكل العناوين الكبرى للملف النووي الايراني. 1- الأبعاد الاستراتيجية للبرنامج النووي الايراني. 2- واقعه الراهن 3- معادلة الحل التي يطرحها المجتمع الدولي.

باختصار، يمكن القول ان ايران اليوم باتت دولة تقف على عتبة القدرة النووية، وفي هذه الحقيقة ما ينطوي على قدر واسع من المخاطر والمفاعيل التي تلقي بثقلها على الساحتين الدولية والاقليمية.

اقليمياً،لأن المعطيات التي تكشفت حتى الآن حول البرنامج النووي الايراني تشكل واحداً من اسوأ الكوابيس لمروحة واسعة من القوى الاقليمية الكبرى، بفعل ما يرتبه هذا البرنامج من انعكاسات حادة إن على صعيد منظومة التوازنات الاستراتيجية في المنطقة، أو على آليات الصراع الجيوبوليتيكي الذي يعصف بالشرق الاوسط، في الوقت الذي تلعب فيه ايران دور القطب المحرك لمحورٍ عقائدي – استراتيجي يملك اهدافاً بعيدة المدى بحيث يصبح معه من الخطورة القصوى بمكان التسليم بحيازة هذا المعسكر مظلة نووية تعزز طموحاته ومشاريعه.

ودولياً، لأن حيازة ايران على السلاح النووي سيشكل ضربة جديدة لجهود منع التسرب النووي بعد الضربة التي تلقتها أثر قيام كوريا الشمالية بتفجير نووي قبل اعوام. تطور مثل هذا من شان عواقبه ان تنسحب على ثلاثة مستويات: اولها الاخلال بموازين القوى الاستراتيجية على الساحة العالمية، ثانيها، تشريع ابواب الشرق الاوسط امام سباق تسلح نووي محموم، وثالثها، إطلاق العنان لوضع مخيف من الفوضى النووية، في لحظة الرعب الدولي من وقوع الاسلحة النووية بين ايدي التنظيمات الارهابية.

وقوف ايران على عتبة القدرة النووية يعني انها قد اجتازت الطريق الطويل والصعب المؤدي الى امتلاك السلاح النووي، في حال ارادت الذهاب في هذا الخيار. فخلال العقد الماضي نجحت طهران، من خلال شبكة واسعة من المنشآت العالية التقنية، في السيطرة الكاملة على دورة الوقد النووي (استخراج اليورانيوم الخام – تحويل اليورانيوم الى غاز اليورانيوم هيكسافلورايد – تخصيب اليورانيوم بدرجات مختلفة) والتي تسمح في نهايتها بحيازة المادة الانشطارية (اليورانيوم – يو 235 أو البلوتونيوم 229) ووضعها إما في خدمة الغايات السلمية مثل انتاج الطاقة التي تتطلب يورانيوم مخصب بنسبة 3- 5 %، او الغايات العلمية من خلال مستوى تخصيب 20%، او الغايات العسكرية (سلاح نووي) التي تقتضي الوصول الى درجات عالية من التخصيب تفوق 90%.

والتوصل الى تخصيب اليورانيوم بنسبة 5% يشكل المحطة الحاسمة والأصعب على طريق حيازة السلاح وهذا ما يشكل جوهر الأزمة الدولية الراهنة مع ايران التي نجحت في اجتياز عقبات دورة الوقود النووي وصولاً الى انتاج كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب بنسب 5% و20%، ما يجعل الطريق نحو حيازة القنبلة النووية مفتوحاً امامها ورهن نواياها.

وعلى رغم تأكيدات ايران المستمرة حول سلمية برنامجها النووي فأن ما يثير مخاوف المجتمع الدولي هو إن ذهابها الى خيار السلاح النووي يتطلب توافر ثلاثة مكونات رئيسة تقع ضمن نطاق القدرات الايرانية.

1) انتاج كمية كافية من اليورانيوم المخصب( critical mass) بنسبة 90%. هنا، وإن كانت ايران عملياً لم تعمل اطلاقاً على انتاج يورانيوم مخصب بهذه النسبة، لا بل انها بدأت بتذويب جزء كبير من مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% ( بعد الاتفاق المرحلي مع مجموعة 5+1 في جنيف، تشرين الثاني 2013)، إلا ان المجال يبقى متاحاً امامها للوصول الى هذه النسبة في غضون اشهر.

2) بناء الجهاز القادر على احداث تفجير نووي (nuclear device) وهو ما يعتبر في نظر الخبراء النوويين البند الاسهل في الأحجية النووية ومتطلباته تقع ضمن مجال الامكانات الايرانية.
3) إمتلاك وسائل اطلاق الرأس النووي وايصاله ((delivery vehicle وهو المكون الذي تتفوق فيه ايران، نسبياً، بفضل ترسانتها الصاروخية الكبيرة التي استثمرت فيها خلال العقد الماضي ما يفوق المليار دولار، والتي تحتوي نماذج متعددة من صواريخ شهاب 3 ومشتقاته القادرة على حمل اسلحة دمار شامل الى مسافات تتعدى 1500 كلم.

من هذه المعطيات تتضح صورة المعادلة التي يطرحها المجتمع الدولي للتوصل الى اتفاق نهائي مع ايران. اساسها بند تخصيب اليورانيوم، وشروطها وقف عمليات التخصيب التي تفوق ال5%، التخلص من الكميات المخصبة بنسبة 20%، وقف بناء اي اجهزة طرد جديدة، ووقف العمل بمفاعل اراك لمنع انتاج البلوتونيوم. مقابل ذلك تحصل ايران على رفع تدريجي للعقوبات مما يسمح لها الحصول على ارصدة مالية مجمدة، تأمين الكميات اللازمة من اليورانيوم نسبة 4% المطلوبة لانتاج الطاقة، والعودة الى الانخراط في المجتمع الدولي.

وفي الوقت الذي استجابت فيه ايران خلال الأشهر الماضية لمعظم بنود الإتفاق المرحلي الذي أقر في جنيف في تشرين الثاني 2013، فأن فرص ابرام اتفاق نهائي لا تزال متواضعة في ضوء ما يواجهه من عقبات في واشنطن، بعد فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية، وفي طهران من جانب الجناح المتشدد.

*عميد ركن متقاعد

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.