الأبرز

تنظيم “الدولة الاسلامية” إرهاب في خدمة مشروع

segma

عدد المشاهدات: 520

 ريشار داغر*

بين ظهور تنظيم "الدولة الاسلامية"، في بداية العام الحالي، واليوم، تغيّر الكثير في صورة هذه الظاهرة الإستثنائية،[*] فـ "الدولة الاسلامية" باتت تحتل موقع الصدارة في لائحة اللاعبين المؤثرين في أزمات المنطقة ومستقبلها، كما في تصنيفها مصدر الخطر الأول الذي يتهدد الأنظمة والأقليات وحدود الكيانات السياسية في الشرق الاوسط. فما هي حقيقة هذا التنظيم؟

للإجابة، لا بد من مراجعة موضوعية للإنطباع التبسيطي الذي أُسبغ على هذه الظاهرة، عن جهلٍ او عن قصد، على أنها مجرد حركة تكفيرية إرهابية لا أكثر. وتبيان العوامل التي أسهمت في صعودها الى واجهة الأحداث.

الحقيقة الأولى التي تطالعنا من خلال تتبع حركة " التنظيم الاسلامي" المعروف بـ "داعش"، هي اختلافه الكلي عن تنظيم القاعدة، ليس في ارتباطاته التنظيمية فحسب بل في بنيتة وغاياته ودوافعه. فتنظيم "القاعدة" لم ينجح يوماً في تخطي إطار الحركة الإرهابية البحتة المجندة لمهاجمة أهدافٍ دولية ضد الولايات المتحدة والغرب، ولضرب مصالحهما وحضورهما في الساحة الإسلامية بشكل خاص، عبر شبكة من الخلايا القادرة على تنفيذ عمليات إرهابية، من دون أن يتمكن هذا التنظيم من بناء قاعدة جماهيرية مؤازرة، أو تجاوز إطار الخلايا والشبكات الى ما يشبه الحد الأدنى من ميني – جيش منظم، حتى في ذروة تنظيمه عندما انخرط في القتال ضد الجيش الأميركي في العراق بين عامي 2006 و2007.

مع تنظيم "الدولة الاسلامية" تبدو الصورة مغايرة. ففي طبيعته التي يتداخل في تكوينها خليط معقد من العناصر، ما يضفي عليه صفة الظاهرة المختلفة عن كل ما عرفته الساحة الدولية، وما يجعله أبعد ما يكون من مجرد حركة تكفيرية تحركها دوافع غرائزية. هو فعلاً ظاهرة ذات واجهة عقائدية، لكنها تخفي مشروعاً جيوبوليتيكياً واسعاً، تعززه قدرات استراتيجية وتكتية عالية، إضافة الى إمكانيات مالية كبيرة ومهارات احترافية على المستويات كافة: التقنية، التنظيم والتدريب، منظومة القيادة والسيطرة ومستوى الانضباط في أرض المعركة.

فالفكر الايديولوجي الذي يحرك "القاعدة" لا يشكل الأساس عند "الدولة الاسلامية"، بل مجرد مادة للتوظيف تستثمر من أجل تحريك المشاعر المذهبية في الشارع الإسلامي بهدف استقطاب المناصرين لمشروع جهادي مختلف عن مشروع "القاعدة". جهادٌ محدد الإطار في الساحة الاسلامية حيث الصراع المذهبي على أشدّه، وموجه ضد "عدو" من نوعٍ آخر، ليس الغرب التقليدي، بل قوس النفوذ الشيعي الممتد من طهران الى العراق وسوريا ولبنان.

وممارسات الإرهاب الوحشية التي ينتهجها "التنظيم" لا تشكل غاية بحد ذاتها كما هي الحال مع إرهاب "القاعدة" وتوابعها. بل نوع من أسلحة الحرب النفسية الفتاكة التي يعمد "التنظيم" الى توظيفها في خدمة استراتيجيته العسكرية الأكبر، جنباً الى جنب مع حملة بروباغندا صارخة تواكب عمليات الذبح والإعدامات من خلال تقنيات إعلامية عالية، هدفها إحداث "الصدمة والرعب" في صفوف "العدو"، تطبيقاً لإحدى أهم مبادئ الحرب: الفوز بالمعركة قبل خوض غمارها.

الأهم من ذلك ان تنظيم "الدولة الاسلامية" لا يشكل حالة معزولة عن محيطه الشعبي، المذهبي، السياسي على رغم محاولات التنكر له رسمياً، بل هو جزءاً منه. أو ربما الأصح، هو أحد أهم الإفرازات التلقائية للمعاناة التي لا تزال البيئة السنية الأوسع تكابدها في العراق وسوريا منذ أعوام تحت وطأة التسلط والاضطهاد، سواء من جانب الحكومة العراقية السابقة (حكومة نوري المالكي) او من جانب النظام البعثي العلوي في سوريا.

فمعركة الموصل التي وقعت في حزيران الماضي، بين قوات "داعش" من جهة وقوات الجيش العراقي من جهة أخرى، كانت لافتة في مجرياتها ونتائجها. فرقتان نظاميتان (30000 جندي) تُلقَيا بأسلحتهما المتطورة أمام عناصر "التنظيم الاسلامي" التي لم يكن تعدادها يتعدى الألف مقاتل. في مشهد ينطوي على دلالات عميقة ليس اقلها انحياز البيئة السنية بمعظمها، من العشائر الساخطة والبعثيين السابقين والجنود الشرعيين، الى جانب "التنظيم الاسلامي" وضد الدولة العراقية.
مع تنظيم "الدولة الاسلامية" نحن اليوم أمام ظاهرة عسكرية، سياسية، سنية لا تشبه أي حالة معروفة من قبل. خزانها البشري بيئة متعاطفة من عشرين مليون سني بين العراق وسوريا، يضاف إليها جحافل من الشباب المسلم المتعطش للقتال نصرة لأخوة الدين. عديدها اكثر من ثلاثين الفاً بينهم عسكريين بعثيين سابقين ومقاتلين أجانب لهم تجاربهم القتالية في الشيشان وافعانستان وغيرهما. مناصروها مروحة من القوى الاقليمية النافذة ومن الهيئات الفاعلة التي تقاطعت حساباتها عند خيار دعم "داعش" أو غض النظر عن صعودها .

أما الأهم، فهو ما يقف وراء مشروع "داعش" المعلن، إحياء الخلافة الاسلامية" من ابعادٍ جيوبوليتيكية تتغلب على تلك العقائدية. منها ما يسبغ عليه صفة الحرب المضادة على مشروع "ولاية الفقيه" الذي تقوده إيران، ومنها ما يصح وصفه بالعامل المفجّر لخارطة الكيانات السياسية التي يتشكل منها الشرق الأوسط في زمن الكلام عن نهاية سايكس بيكو.

وربما يكون في هذه الابعاد بالذات ما يبرر الشكوك التي تحيط بالموقف الدولي حيال "التنظيم الاسلامي"، وما يطرح التساؤلات المحقّة حول صدقية الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضده، حول جدواها وآفاقها.

*عميد متقاعد

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.