الأبرز

الحرب على “داعش” في طريق مسدود.. المقاربة الاستراتيجية هي الحل

segma

عدد المشاهدات: 447

 ريشار داغر*

بعد خلاصات بحثنا السابق ( العدد 57 من الدفاع والأمن العربي) حول " الدولة الاسلامية "، يصبح ضرورياً اجراء تقويم خاطف للحرب التي[*] تخاض ضده، إن بسبب الآمال الواسعة التي علقت عليها للقضاء على هذا التنظيم، أو بفعل اخفاقاتها التي باتت ترسم الكثير من علامات الاستفهام ليس حول جدواها فحسب، بل حول منطلقاتها الخاطئة التي تجاهلت الحقائق الاساسية للصراع في المنطقة، لتتبنى خيار الحرب كسبيلاً وحيداً لانهاء " داعش ".

وبغية تبيان حقيقة الموقف العسكري على المسرح العراقي ـ السوري بعد ثلاثة اشهر من انطلاق الحرب الجوية، يكفي العودة الى ما اورده تقرير استخباري اميركي الى حلقة ضيقة من اعضاء الكونغرس قبل نحو اسبوعين وخلاصته: أنه على رغم نجاح الضربات الجوية في وقف تقدم " داعش" في بعض المناطق، فأن القدرة العامة ل " التنظيم " لا تزال تتعاظم، كما أن تدفق المقاتلين الاجانب الى صفوفه لا يزال مستمراً بوتيرة تصاعدية. في حين أن القوات العراقية وإن كانت قد حققت بعض النجاحات التكتية بما ادى الى توسيع الخط الدفاعي حول بغداد، فانها لا تزال بعيدة عن المستوى الذي يخولها القيام بأي هجوم رئيسي ضد " داعش " في الموصل او في محافظة الانبار.

ما اورده التقرير الاستخباري لا يحمل في الواقع سوى اشارات ملطفة الى الاخفاقات الجوهرية التي منيت بها الحرب الجوية ضد " الدولة الاسلامية ". ذلك انه وباستثناء بعض نجاحاتها " السلبية "، مثل اجهاض الهجوم على عاصمة الاقليم الكردستاني اربيل، او منع سقوط عين العرب، يمكن القول ان ما حققه خيار التدخل العسكري من الجو لم يتعدَ، في ميزان الغايات والنتائج، حدود الانجازات التكتية المحدودة التي لا تحمل في طياتها اي مؤشر على انتصار استراتيجي وشيك.

على رغم ذلك، يصعب وصف ما اسفرت عنه الحرب ضد " داعش " حتى الآن بالمفاجأة غير المحسوبة. ففي الأسس التي بني عليها خيار الحرب، كما في اسلوب تنفيذها عسكرياً عبر الضربات الجوية، ما رشح نتائجها، منذ البداية، لأن تراوح دون سقف الانتصار الاستراتيجي. في غياب اي دلالات ثابتة ما إذا كان الخيار الاميركي بالذهاب الى مثل هذه الحرب المحكومة النتائج سلفاً قد اتخذ نتيجة لسوء في التقدير او لسوء في النوايا.

فمن بديهيات العلم العسكري ان حملات القصف التقليدي لا تنهِ معركة ولا تحسم حرباً . حيث تبقى مهمة الوصول الى " العدو " والقضاء عليه منوطة حصراً بالقوات البرية المؤهلة للقيام بعمليات القتال الرئيسة في مسرح المواجهة، والتي من دونها يظل اي كلامٍ عن انتصار ناجز هو مجرد اوهام تدحضها تجارب الحرب في اكثر من مكان.

هذا المبدأ وإن كان ينطبق اساساً على حالات المواجهة بين جيش وآخر، فانه يصبح حاسماً عندما تأخذ المواجهة شكل الحرب اللاتماثلية (asymmetric warfare ) ضد تنظيم مسلح على غرار " الدولة الاسىلامية " الذي بات يمتلك، بعد معركة الموصل، اسلحة ثقيلة ومتطورة، ويتحرك قتالياً على مسرح مترامي يشكل اكثر من نصف سوريا والعراق، مندمجاً مع بيئة سكانية مناصرة، من دون ان يكون له بنى عسكرية ظاهرة يمكن استهدافها على النحو الذي يفضي الى نتائج قاصمة.

من هنا يصبح البند المتعلق بمشاركة قوات برية في الحرب على " داعش " عاملاً اساسياً ومفصلياً في تحديد مسار هذه الحرب ونتائجها. وعند هذه النقطة تظهر الاستحالة الاولى للقضاء على هذا التنظيم في المدى المنظور. فلا القوات العراقية المصدعة بالفساد والفئوية واللا احترافية قادرة على تنفيذ مثل هذه المهمة التي تتطلب وفقاً لرئيس هيئة الاركان الاميركية 80000 جندي مؤهل . ولا الولايات المتحدة مستعدة لتدخل عسكري بري بهذا الحجم وأبعد من مستوى المستشارين، في الوقت الذي تعمل جاهدة للخروج من مستنقات الحروب الدولية، وفي اللحظة التي بدأت ضغوطات الوضع العسكري في الشرق الاوسط تربك الادارة الاميركية وتفضي الى اقالة اهم اركانها، وزير الدفاع تشاك هيغل.

الاستحالة الثانية، والأهم، تكمن في المنطلقات الخاطئة التي انتجت خيار هذه الحرب واعتبارها الوسيلة الانجع لانهاء ظاهرة " الدولة الاسلامية " ، في تجاهل كامل للاسباب والعوامل التي انتجتها وساهمت في صعودها السريع، وفي تصور خاطئ انه بالامكان التصدي لها والقضاء عليها من دون معالجة الازمات الكبرى التي تعتمل في الشرق الاوسط بدءاً من النفوذ الايراني المتمدد في المنطقة، مروراً بالممارسات الفئوية التي تمارس في العراق، وصولاً الى الحريق الكبير الذي يلتهم سوريا منذ ثلاث اعوام.

فعند النظر الى دقائق الصراع المذهبي ـ الجيوبوليتكي المحتدم في الشرق الاوسط يتبين انه من الخطأ الجسيم الاعتقاد أن انهاء " الدولة الاسلامية " هو مشروع قابل للتحقيق بالوسائل العسكرية فقط وبمعزلٍ عن مسار استراتيجي شامل يأخذ في الاعتبار العوامل التي ادت الى ظهورها، ويستجيب لهواجس وتطلعات إطارها السوسيوـ بوليتيكي الاوسع، ألا وهو المعسكر السني المنخرط في هذا الصراع بما يتضمنه من دول وتنظيمات وبيئات حاضنة.

بذلك تصبح المقاربة الاستراتيجية لمعضلة " داعش " واضحة لا لبس فيها: تصحيح الوضع الجيوبوليتكي المختل في المنطقة على النحو الذي ينهي مشاعر الاستهداف والتهميش في الفضاء السني المترامي بانظمته وشوارعه ومرجعياته الدينية. والطريق الى تحقيق ذلك تبدأ من العراق عبر اعادة تكوين السلطة على نحو عادل وإنهاء الوضع الفئوي الشاذ في القوات المسلحة العراقية التي تجاهر برفع الرايات الحسينية على مواقعها وقطعاتها في اسوأ اشكال الطعن بمشروع الدولة الجامعة.
والطريق لا بد أن تعبر في دمشق من خلال حلٍ نهائي يعالج مشكلة الأسد ويضع حداً لحرب إلابادة الممنهجة التي يتعرض لها السنة، والتي باتت اصداؤها تتردد في العالم الاسلامي بكامله من الشيشان الى اندونيسيا محرضة الشباب المسلم للانضمام الى الجهاد.

وسيكون ضرورياً بلا ريب ان تعبر طريق الحل في لبنان وفي اليمن وما يقع بينهما من بيئات مشحونة. ففي مشاعر الاضطهاد والاستهداف التي تعتمل في ارضية البيئة السنية تكمن قوة " الدولة الاسلامية " ومبررات وجودها. ومن دون استراتيجية عريضة تنهي عناصر القوة هذه وتعيد ترتيب اوضاع المنطقة على قاعدة التوازن، ستظل كل حربٍ من اي نوع مجرد وقود اضافي يأخذ الشرق الاوسط برمته الى جحيم حروب طويلة الأمد.

*عميد ركن متقاعد

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.