الأبرز

دول مجلس التعاون الخليجي (1/2) المكانة العالية والتحديات الصعبة

sda-forum

عدد المشاهدات: 465

 ريشار داغر*

في خضم الأعاصير التي ما زالت تعصف بالشرق الأوسط، من شمال إفريقيا حتى بلاد الرافدين، تبقى الأنظار على منطقة الخليج[*] العربي، وسؤال – هاجس يتردد: ماذا عن هذه المنطقة التي تشكل النواة الجيوسياسية للشرق الأوسط؟ وأي مستقبل ينتظر أمن دولها واستقرارها؟

ما يُسقط السؤال في خانة الهواجس هو ان هذا الجسم الجيوسياسي الذي تتربع على سيادته دول مجلس التعاون الخليجي، يحتل من حيث الأهميتين الاستراتيجية والسياسية مكانة مفصلية، ما يجعل اي اختلال في أمن أنظمته واستقرارها زلزالاً من نوعٍ آخر، وذي مفاعيلٍ أشد خطورة تتجاوز حيز الخليج الداخلي لتطال نظام الأمن العربي برمته، صعوداً حتى نظام الأمن العالمي بمفاصله الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية المختلفة.

ففي نظرة خاطفة الى الحقائق المتعلقة بهذه المنظومة الدولية ما يكفي لاظهار مستوى المخاطر التي سيرتبها حتماً اي مشروعٍ لزعزعة أمنها واستقراها. فهي على مستوى تأثيرها في دورة الإقتصاد العالمي تحتل المركز الأول في الشرق الأوسط نظراً الى حجم مبادلاتها التجارية الذي بلغ في العام 2013 ما يقارب 1611 مليار دولار. وهي على صعيد قطاع الطاقة تشكل مركز الثقل النوعي دولياً بفضل احتياطها الضخم في هذا المجال، إذ يبلغ مخزونها من النفط 497 مليار برميل اي ما يعادل 29% من مجموع الاحتياط العالمي، ومن الغاز الطبيعي 1475 تريليون قدم مكعب بما يمثل 23% من المخزون العالمي.

وفي معرض الحقائق يتقدم الجانب الجيو استراتيجي ليضاعف مستوى الاهمية المفصلية التي يرتديها أمن دول الخليج. فجغرافية المنطقة الرابضة وسط ثلاثة أجسام بحرية حيوية، الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر، تحتم الإرتباط العضوي ما بين أمن هذه الممرات البحرية وأمن دول مجلس التعاون واستقرارها، بحيث ان اي اهتزاز يصيب هذه الاخيرة لا بد وأن يصيب الاولى بتداعياته الثقيلة، مُعرِّضاً البيئة الإستراتيجية البحرية المحيطة لاخطارٍ جسيمة تحمل طابع التهديد المباشر لمنظومة المصالح الحيوية والاستراتيجية عالمياً. نظراً الى ما سيرتبه اهتزاز مماثل من مفاعيل مؤثرة على حركة تدفق النفط من الشرق الى الغرب وعلى حركة الملاحة البحرية بشقيها التجاري والعسكري.

ومما لا ريب فيه، ان التأثير الاكبر لأي اهتزاز في استقرار دول الخليج سيكون في الشرق الأوسط، والعالم العربي تحديداً، حيث الصراع الجيوسياسي هو اليوم على أشده، وحيث التحديات المصيرية تحاصر أنظمته وشعوبه. ففي ظل الزلزال الذي يضرب المنطقة اليوم، وما أفرزه من سقوطٍ للأنظمة والحدود وحروبٍ مذهبية وصعود لحركات الإرهاب، يصير تعرض دول الخليج العربي لأيٍ من هذه الإهتزازات بمثابة الكابوس المخيف الذي من شأنه أن يقضي نهائياً على آخر مرتكزات نظام الأمن العربي وأكثرها أهمية.

فالمنظومة الخليجية كانت ولا تزال تشكل الرافعة الإستراتيجية للأنظمة العربية، سياسياً واقتصادياً ومعنوياً، مما يجعل استقرارها حاجة ملحة، اليوم وأكثر من اي وقت. لا بل أن الخروج من المحنة التاريخية التي تعانيها المنطقة العربية يبقى مرهوناً بقدرة دول مجلس التعاون الخليجي، بركنيها الرئيسين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، ليس على الحفاظ على استقرارها فحسب بل على المضي قدماً في تعزيز قدراتها واستثمارها من أجل منع اي اختلال في موازين القوى قد يغير صورة المنطقة، ومن أجل صياغة نظام أمن عربي جديد يكون قادراً على مواجهة القوى اللا – عربية الثلاثة، إسرائيل وإيران وتركيا، ومنعها من املاء اجنداتها السياسية على المنطقة، كما هو حاصل اليوم.

هذه الحقائق تعيدنا الى السؤال الأساس المتعلق بمستقبل الأمن والاستقرار في دول الخليج. وما يبرره هو أن دول مجلس التعاون الخليجي وإن كانت قد نجحت في تلافي مفاعيل الصراع المحتدم في الشرق الأوسط منذ أربعة أعوام، فأن ذلك لا يعني أنها باتت بمنأى كلي عن تداعياته المتصاعدة والمقلقة. وحين يضاف الى ذلك ما بدأت تتكشف عنه البيئة العالمية من انعطافات وتحولات، تكون صورة التحديات التي تعترض دول الخليج العربي قد اكتملت على النحو الذي يجعل السؤال مشروعاً.

في لائحة الهواجس التي تقلق دول "المجلس" تتعدد القضايا لترسم صورة طبق الأصل عما تواجهه جميع دول المنطقة من أزمات ضاغطة. فمحاربة الإرهاب هو البند الذي يستحوذ على الحيز الأكبر من الجهود، سواء بسبب الالتزام الدولي للمنظومة الخليجية بمجابهة التنظيمات الأصولية، او بفعل وقوع الأنظمة الخليجية نفسها داخل دائرة الاستهداف المباشر لهذه التنظيمات، بسبب "عدم شرعية" هذه الأنظمة وفقاً لما تجاهر به هذه الحركات المتطرفة.

وبالتوازي تبرز قضية الحراك السياسي للمكونات الشيعية في كلٍ من البحرين والمملكة السعودية، لتشكل واحدة من أكثر الأزمات المستترة حساسية ودقة نظراً الى ما تحمله من مخاوف إشعال النعرات الدينية داخل المجتمع الخليجي وانتقال عدوى الاقتتال المذهبي اليه، في ظل ما يطوق هذه الحراكات المطلبية من شكوك تلبسها عباءة التوظيف الايراني.

أما ذروة الهواجس فتبقى نتاجاً لما تشهده الساحة الدولية الأوسع من تطورات وتحولات. فعلى الضفة المقابلة للخليج العربي تتراءى علامات القوة الإيرانية، العسكرية والنووية، التقليدية واللاتماثلية، المباشرة والملحقة، وهي تتصاعد جنباً الى جنب مع مشروع نفوذٍ سياسي بات يمتد من العراق الى سوريا ولبنان وصولاً الى اليمن، مطلقاً صفارات الانذار في أروقة مجلس التعاون الخليجي الى أعلى درجاتها.
وعلى ضفة الغرب – الحليف تتلاحق الإشارات المقلقة وتتراكم الشكوك لتضاف الى حجم الهواجس والتحديات. فالتقارب الأميركي – الغربي مع إيران بات يرسم الكثير من علامات الاستفهام حول صدقية واشنطن كحليف يمكن الإعتماد عليه لمواجهة الطموحات الإيرانية. وتحولات الاستراتيجية الاميركية لنقل الجهد الرئيسي الى غرب اسيا باتت بدورها تشكل إحدى ابرز عوامل التوجس، يضاف الى ذلك الخلافات السياسية العميقة مع الادارة الاميركية حول طرق التعامل مع قضايا المنطقة بدءاً من العراق الى قضية الرئيس السوري بشار الأسد، التي ما زالت واشنطن ترفض التدخل الحاسم لإنهائها.

وما يشغل القيادات الخليجية على نحو خاص هو أن منطقة الخليج العربي، نواة القدرة الجيوسياسية لمجمل النظام العربي، باتت اليوم المسرح الرئيس للمبارزة الدولية – العربية – الإيرانية. واي ارتفاع مفاجئ من مستويات التوتر الراهن الى مستوى الصدام العسكري المباشر مع إيران سوف يفتح الباب أمام سيناريوهات حالكة في الشرق الاوسط، ما لم تتوافر القدرة الذاتية المناسبة لمواجهة التحديات الإيرانية. وذلك ما يطرح السؤال الأهم:
هل دول مجلس التعاون الخليجي مستعدة عسكرياً.. وماذا عن موازين القوى؟

للبحث صلة

*عميد ركن متقاعد

 

 

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.