دول مجلس التعاون الخليجي (2 من 2) عناصر القوة.. والهواجس

عدد المشاهدات: 356

 ريشار داغر*
من المخاوف التي تشغل الشرق الأوسط، أن تتحول الحرب الباردة التي تشهدها منطقة الخليج العربي، إلى مواجهة عسكرية مباشرة بين دول مجلس التعاون[*] وإيران. فهل ينزلق الوضع عند ضفتي الخليج الى سيناريو مماثل؟ وهل دول "المجلس" مستعدة عسكرياً لذلك؟

أسئلة لا يمكن إسقاطها من الحسابات في ظل ما تشهده المنطقة من توترات، وفي ظل حقائق ثابتة باتت تضفي على الظاهرة الإيرانية طابع التهديد الجدي لدول الخليج العربي، متسببة بحال إستنفار واسعة على المستويات العسكرية والدبلوماسية والسياسية.

ففي الوقائع، لا يزال مشروع بناء القوة العسكرية في إيران يتقدم بوتيرة تصاعدية، وبما يتجاوز الحاجات الدفاعية البحتة، مؤشراً الى سعي مستتر لامتلاك الخيارات الهجومية، وإلى تعزيز عناصر بسط القوة نحو ما يتجاوز حدود الجمهورية الاسلامية. تقف خلف ذلك طموحات سياسية ظاهرة، تستمد جذورها من التاريخ الأمبراطوري الفارسي، متربصة بالشرق الأوسط اليوم، عبر حلة جديدة عنوانها تصدير الثورة الإسلامية.
وعلى أرض الواقع أيضاً، هناك حضور إيراني عسكري – أمني ظاهر يمارس أدواره المؤثرة جهاراً، مباشرة أو عبر أذرعه، في أرجاء المنطقة العربية، من العراق الى سوريا ولبنان، ومن البحرين الى الصومال واليمن وصولاً الى المنطقة الشرقية في قلب المملكة العربية السعودية، القطب الرمز.

والخلاصة أن المنطقة العربية باتت تعيش برمتها، ومنذ أكثر من عقد، تحت وطأة حالة إيرانية متعاظمة بدأت تدق أبواب الخليج وأنظمته، على نحوٍ بات يفرض التحسب لتطورٍ مفاجئ قد يودي الى انقلاب الوضع الراهن من الحرب الباردة التي تعيشها المنطقة الى المواجهة العسكرية المباشرة.

الخوض في هذا النقاش لا يعني أن منطقة الخليج تقف على شفير حربٍ واقعة غداً، أو أن المواجهة العسكرية بين دول مجلس التعاون وبين إيران قد باتت أمراً لا مفر منه. فعلى الرغم من حجم التوترات التي تغلي بها المنطقة، تبقى إتجاهات التهدئة والإحتواء هي الغالبة، في ظل ثلاثة عوامل رئيسة، لا تزال حتى الآن تمنع الإنزلاق إلى دوامة المواجهة العسكرية المباشرة:

الأول، هو الحضور الأميركي العسكري الكثيف في منطقة الخليج وما ينطوي عليه من بعدين سياسي واستراتيجي. إذ يقدم في جانبه السياسي الدلالات القاطعة التي تدحض كل ما يحيط بسياسات واشنطن من شكوك، حيال التزامها بحلفائها الخليجيين وبأمن المنطقة. ويشكل في جانبه العسكري مظلة حماية استراتيجية للأنظمة الخليجية تمنع أياً من اللاعبين الاقليميين، وفي مقدمهم إيران، من الإنزلاق الى أي مغامرة عسكرية تتهدد أمن هذه المنطقة من العالم، التي لا تزال تحتل المركز الأول في سلم المصالح الحيوية للولايات المتحدة.
الثاني، هو إنتفاء إرادة الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة عند كلٍ من طرفي الصراع. دول مجلس التعاون من جهة، لاعتبارات مبدئية يتقدمها عدم وجود توجهات عدوانية توسعية في أجندات سياساتها الخارجية من شأنها ان تقدم المبررات لإشعال الحرب، والتعامل العقلاني لقيادات هذه الدول من خلال تبني استراتيجية الاحتواء لا الصدام إزاء التحديات الإيرانية. يقابلها عند الطرف الثاني، إيران، نهج واضح في تبني استراتيجية الحرب بالإنابة من أجل تحقيق غاياتها السياسية، من خلال قوى وتنظيمات تابعة، بدلاً من المواجهة المباشرة التي لا تستطيع طهران تحمل أكلافها وتبعاتها على المستويات كافة.

الثالث، وربما الأكثر دلالة، هو موازين القوى التي تعطي دول مجلس التعاون تفوقاً نوعياً على القدرات العسكرية الايرانية خلافاً للإعتقادات التي توحي بها عراضات القوة التي تمارسها طهران. فالجمهورية الاسلامية واستناداً إلى الموازين العامة للقوى لا تمثل قوة أقليمية عظمى كما تحاول إظهار نفسها، حقيقة تثبتها ثلاثة إعتبارات رئيسة بالمقارنة مع دول مجلس التعاون: حجم الإنفاق العسكري، المستوى التكنولوجي، وترسانة الأسلحة التقليدية.

على المستويات الثلاثة تبدو القوات التقليدية في دول مجلس التعاون، في المملكة السعودية والإمارات المتحدة خصوصاً، متقدمة كماً ونوعاً على القوات الإيرانية. ففي مجال الإنفاق العسكري تشير دراسة متخصصة الى أن الدولتين الآنفتين قد أنفقتا في هذا المجال ما يناهز 86 مليار دولار، السعودية 67 والأمارات 19، خلال الأعوام الخمسة الماضية، في حين لم يتجاوز الإنفاق الإيراني عتبة 14 مليار دولار.

والمقارنة على مستويات التكنولوجيا والمنظومات التقنية ونوعية الأسلحة تظهر التفوق الواضح لدول "المجلس". فالمنظومة الصاروخية التي تستند اليها إيران تفتقر إلى الدقة والفعالية في مهاجمة أهداف نفطية، ما يجعل منها أسلحة رعب لا أكثر تقتصر وظيفتها على الأهداف المساحية الواسعة. وأنظمة القيادة والسيطرة لديها تعاني عاهات كبيرة تحاول إيران تغطيتها عبر اللجوء الى الحواسيب. والأمر نفسه ينسحب على ترسانة أسلحة القتال الرئيسة من طائرات ودبابات وغيرها، التي لم يطرأ عليها أي تطوير منذ العام 1980، نتيجة إنقطاع العلاقة مع الغرب والعقوبات المفروضة على طهران.

في الجانب الخليجي تبدو الصورة مختلفة، إذ تمتلك دول "المجلس" أفضل المنظومات القتالية وأكثرها فعالية في العالم. ففي مجال القيادة والسيطرة تتفرد المملكة السعودية بحيازة أحدث منظومات إدارة العمليات الجوية من خلال طائرات السيطرة والإنذار المبكر (AWACS ) . وعلى صعيد القدرات الصاروخية ذات الدقة العالية تنتشر أنظمة ( PAC3) و (THADS ) في مختلف أرجاء دول الخليج لتقدم نموذجاً عن مستوى الامكانات الدفاعية التي يمتلكها "المجلس". أما في مجال أسلحة القتال التقليدية فلا مجال للمقارنة إذ تمتلك دول " المجلس " ترسانة باهرة من الطائرات الحربية والمروحيات ودبابات القتال، التي تعتبر الأحدث في العالم.

التفوق الخليجي في مجال الحرب التقليدية يقابله من الجانب الآخر تفوق في مجال الحرب اللاتماثلية التي وظفت فيها إيران إمكانات كبيرة، من أجل التعويض عن تراجعها في موازين القوى العامة. فالتهديد الأكبر الذي يعترض دول "المجلس" يبقى في قدرة طهران على تزويج قدراتها الصاروخية الباليستية مع مزيج من القوات أللاتماثلية، زوارق هجوم سريعة، ألغام، صواريخ مضادة للسفن والطائرات، تنظيمات مسلحة تابعة، من أجل تغيير طابع المواجهة من التقليدي الى اللاتماثلي. وعلى النحو الذي يستهدف حركة الملاحة في الخليج، البنى التحتية، المنشآت الحيوية، إضافة إلى المناخات النفسية العامة. ما يجعل سيناريو مثل هذا هاجساً دائماً، لا يمكن اسقاطه من الحسابات.

*عميد متقاعد

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.