الأبرز

النفط في اللعبة الاستراتيجية.. السعودية تشهر أوراق القوة

sda-forum

عدد المشاهدات: 430

ريشار داغر*
من بين تطورات العام المنصرم الكبرى تقدمت، ومن خارج السياق السياسي- الأمني، قضية إنهيار أسعار النفط، مسألة تفتح فصلاً جديداً على الساحة[*] الدولية تتداخل فيها العوامل الإقتصادية مع تلك الجيواستراتيجية، لتشكل موجة صدمٍ من شأن تداعياتها الحادة أن تزعزع اقتصادات دولٍ عدة وتعيد خلط الاوراق.

ففي غضون أشهر قليلة، بين آب/أغسطس الماضي واليوم، تراجع سعر برميل النفط الخام من المعدل الذي كان رسى عليه منذ خمسة أعوام، 115$ للبرميل، الى حافة الـ 48$ نهاية الأسبوع المنصرم، وسط توقعات بأن يتواصل المسار التراجعي الى ما دون ال 40$ ولمرحلة زمنية قد تطول الى سنتين، في ضوء عاملين مؤثرين:

أولهما اقتصادي- تقني بحت يتصل بمعادلة العرض والطلب التي فرضت تراجع الأسعار بفعل غزارة النفط الصخري المتدفق من أميركا الشمالية إلى الأسواق. وثانيهما، سياسي- استراتيجي الطابع يتمثل بموقف المملكة العربية السعودية ومعها المجموعة الخليجية المنضوية في "أوبيك"، التي ما زالت تصر على المحافظة على معدلات إنتاجها العادية من البترول، وربما زيادتها، على رغم التخمة النفطية التي تضرب الأسواق، وما سيترتب عن تراجع الأسعار من خسائر مادية جسيمة.

وإذا سلمنا بأن العامل الأميركي ينطلق فعلاً من حسابات ذاتية ثابتة يتصل بعضها بالسياسات الإقتصادية لواشنطن إلى جانب أخرى استراتيجية تقضي بتقليص الإعتماد على نفط الشرق الاوسط، تصبح كرة الأزمة النفطية حصراً في ملعب الرياض التي لا تبدو حتى الآن في وارد تليين موقفها على رغم الصرخات التي بدأت تتعالى من أكثر من عاصمة، لا بل على العكس، باتجاه خيارات أكثر تشدداً تعكس حقيقة التشابك ما بين ملفات الاقتصاد والسياسة والأمن.

فحين يُنظر إلى الموقف النفطي السعودي على خلفية ما تواجهه المملكة من تحديات، وما يراودها من شكوك، وما تحوزه من إمكانات، لا يعود من مجالٍ للشك بأن القيادة السعودية قد حزمت أمرها بأدخال السلاح الأقوى الذي تمتلكه، سلاح النفط، الى مسرح المواجهة المحتدمة في المنطقة. وحين تؤخذ في الاعتبار لائحة القوى الدولية التي ستطالها موجة الصدم الإقتصادية من جراء انهيار أسعار النفط تتضح الأهداف الحقيقية للعبة الاستراتيجية التي تخوضها المملكة، وفي مقدمها ضرب إقتصاد منافسها الاقليمي الأول، ايران.

في الواقع، لا يمكن فصل الموقف السعودي من قضية النفط عن مجمل ما يشهده محور الأهمية الحيوية للمملكة، الممتد من العراق إلى سوريا ولبنان وصولاً إلى البحرين واليمن، من إهتزازات سياسية- أمنية عنيفة تحمل بصمات التدخل الإيراني وتندرج في خانة توسيع نطاق نفوذ الجمهورية الإسلامية وهيمنتها. كما لا يمكن فصله عما يراود الرياض من هواجس جراء المشروع النووي الإيراني، وسط الخيبات المتتالية من جهود المجتمع الدولي لمعالجة هذه المعضلة، وعلى إيقاع المسار التقاربي المريب ما بين الولايات المتحدة وإيران.

على خلفية هذا المشهد الإقليمي، المقلق والمقفل على الحلول، لا يعود مفاجئاً أن تلجأ المملكة السعودية الى إشهار سلاح النفط واستثماره في مواجهة المسألة الايرانية، مستفيدة من عناصر قوتها ومن هشاشة قوة خصومها. فالسعودية بوصفها أكبر مصدر للنفط في العالم تقف في وضع المسيطر على هذا القطاع الذي يشكل 34% من مجموع الإستهلاك الدولي العام للطاقة، ليس بسبب قدرتها على ضخ النفط الخام بكميات هائلة يومياً فحسب بل أكثر بفعل قدرتها على إمتصاص الصدمات المالية التي يخلفها تراجع أسعار النفط. وهي بحكم تزعمها منظومة "اوبيك" التي تمتلك 73% من المخزون العالمي، تمتلك القدرة على توجيه سياساتها، والتحرك تالياً على المسرح العالمي كقوة دولية كبرى قادرة على ممارسة الضغوط وخوض الحروب، ولو بشكل مختلف.

ولإن الاقتصاد هو ركيزة القوة والسياسة والطموحات، تصبح الحرب الإقتصادية أشد فعلاً ووطأة من تلك العسكرية، وأقل النقلات الاستراتيجية خطورةً بخاصة لدولة مثل المملكة السعودية التي تمتلك إحتياطياً مالياً ضخماً يناهز800 مليار$ يخولها تحمل تبعات إنخفاض الأسعار لسنوات، على عكس إيران التي تعتمد في إقتصادها وسياساتها ومشاريعها على عائدات النفط بشكل رئيس مع هامش ضيق لا يسمح لها بالكثير من المناورة مالياً، في ظل وضع إقتصادي صعب أساساً ما زال يعاني تبعات العقوبات الدولية التي طالته على مدى ثلاثين عاماً.

لذلك فأن ما يشهده قطاع النفط من اهتزازت قاسية، مرشحة للتصاعد، هو تطورٌ ذي طابع استراتيجي ستكون الجمهورية الاسلامية اكثر المتأثرين بمفاعيله السلبية بفعل ما سيرتبه من تداعيات على اقتصادها وكل ما يرتبط به من سياسات ومشاريع. ففي لغة الأرقام، ووفقاً لمعطيات خبراء إيرانيين، أن كل إنخفاض بقيمة 10$ في سعر برميل النفط سيترجم بخسارة 30 مليار$ من العائدات النفطية لإيران.

وعلى رغم أن إيران قد بدأت باجراءاتٍ مالية حازمة لمواجهة الأزمة من خلال إقرار ميزانية متقشفة مبنية على أساس 72$ لبرميل النفط، أي أقل بـ25% من العام الماضي. تبقى أزمتها الإقتصادية حاضرة بقوة، ومرشحة لمزيد من التأزم، في ظل استمرار هبوط أسعار النفط الى ما دون المعدلات المخططة، وفي الوقت الذي يحتاج فيه الإقتصاد الإيراني الى برميل نفط بسعر131$ للحفاظ على توازنه، وفقاً لمعطيات مؤسسة النقد الدولية.

وحين يضاف تأثير العقوبات الإقتصادية المستمرة منذ ثلاثين عاماً إلى الأعباء المالية الضخمة التي يرتبها تدخلها في الحرب السورية، يصبح لانهيار أسعار النفط معنى آخر يسمح بطرح تساؤلات متعددة حول قدرة إيران على الاستمرار في لعب الأدوار المنخرطة فيها بالوتائر نفسها، من حماية النظام السوري الى دعم التنظيمات المسلحة الدائرة في فلكها، ومن المضي قدماً في مشروعها النووي إلى قدرتها على تلبية المتطلبات الحياتية الضاغطة لمجتمع إيراني يعاني الاختناق الاقتصادي.

هل تنجح المملكة العربية السعودية في لي ذراع ايران من خلال الحرب الاقتصادية؟
سؤال يصعب التكهن بإجابته في ظل وضع دولي معقد يتعدد فيه اللاعبون الكبار وتتشابك المصالح. لكن الخيار السعودي يعيد الى الذاكرة مشهد اللعبة ذاتها التي مارستها الرياض في العام 1974 حين فرضت حظراً لتصدير النفط الى دول الغرب رداً على دعم هذه الاخيرة لإسرائيل في حرب 1973 مع العرب.

يومذاك شهدت أوروبا شتاءً قاسياً لم تعرف له مثيلاً، ونجحت المملكة في تركيع اقتصاديات الدول الصناعية الكبرى، وفي انتزاع تسويات لم تكن متاحة لولا سلاح النفط. فهل يعيد التاريخ ذاته، ولو باتجاه آخر؟

*عميد ركن متقاعد
 

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.