هل تندلع الحرب أم تنجح سياسة حافة الهاوية؟!

عدد المشاهدات: 172

بقلم رياض قهوجي*
هل ستقع الحرب في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط؟ هذا السؤال يشغل المحللين والمسؤولين في لبنان والمنطقة. لكن للإجابة على هذا السؤال يجب تقييم الوضع [*] الحالي ومراجعة التطورات خلال الأعوام الماضية. الوضع الحالي يبدو متفجرا، اذ أن هنالك حروبا متعددة يدور رحاها على جبهات مختلفة في المنطقة، وتشمل سوريا والعراق واليمن وليبيا وشبه جزيرة سيناء المصرية. كما أن تداعيات بعض هذه الحروب وصلت مؤخرا للحدود اللبنانية-السورية والإسرائيلية-السورية-اللبنانية. وفيما تدور هذه الحروب، هناك محادثات نشطة بين ايران والدول الخمس الكبرى زائد ألمانيا (5+1) باتت تحرز تقدما رغم بطئها، وتحظى بدعم زائد على الساحة الأميركية رغم فوز الجمهوريين بالأغلبية الساحقة في مجلسي الشيوخ والكونغرس. وأهم من ذلك هو أن هناك خلافا كبيرا على مستوى استراتيجي، لم يعد خفيا بين الحكومة الإسرائيلية وإدارة الرئيس أوباما، يزيد من شدته فقدان المودة بين الزعيمين. وأخيرا هناك الضغط الاقتصادي الكبير الذي يشكله تدهور أسعار النفط على ايران وروسيا، وهما من أبرز خصوم الإدارة الأميركية على الساحة الدولية.

أظهرت التجارب خلال الأعوام الستة الماضية بأن إدارة أوباما لا تحبذ الحروب بل عمدت الى «الهروب» من بعضها، مثل سوريا، وسحبت القوات الأميركية بالكامل من العراق، وهي كانت تسعى للأمر ذاته في أفغانستان لولا تطور الأوضاع وعودة حركات القاعدة ووليداتها مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). وتحاول إدارة أوباما حسب المحللين الأميركيين تغيير قواعد اللعبة في السياسة الخارجية الأميركية، عبر عكس الخيارات التقليدية ومنها العداء نحو ايران. ومن هنا كان قرار كسر الجليد مع طهران والدفع باتجاه الوصول الى اتفاق معها، لكن دون التنازل عن أهداف استراتيجية (مثل منع ايران من اقتناء قدرات نووية عسكرية) وبأقل ضرر ممكن على مصالح واشنطن، مثل علاقاتها مع إسرائيل ودول الخليج العربي. لكن الإخفاقات الماضية لسياسات أوباما الداخلية والخارجية، وتصاعد نفوذ الجمهوريين والمحافظين، أثر على قدرة ادارته على التحرك ولكنه لم ينفها. فلا يزال الرئيس الأميركي يتمتع بسلطات كبيرة جدا رغم قوة نفوذ المحافظين واللوبي الإسرائيلي في واشنطن.

انهيار الأوضاع بشكل كبير على الساحتين السورية والعراقية يظهر بأن هاتين الساحتين باتتا اليوم المسرح الرئيسي المعتمد من قبل القوى الإقليمية والدولية لتنفيس نزاعاتهم، وقد تنضم اليمن اليهما قريبا. ومن دون الغوص بتفاصيل مسببات تدهور الأوضاع ووصولها الى ما آلت اليه اليوم في العراق وسوريا، فان وسط ما يعرف «بالهلال الشيعي» الذي تقوده ايران – والممتد من بحر قزوين وحتى البحر المتوسط – مستهدف بشكل عنيف عبر حرب مذهبية مقنعة بطابع الحرب ضد الارهاب والتطرف. فهناك قوى سنية سورية وعراقية، متطرفة ومعتدلة، تحارب متحدة أو متفرقة في الوقت ذاته ميليشيات شيعية متعددة الجنسية، تدعمها قوات نظامية عراقية غالبيتها من الشيعة وقوات سورية نظامية من الطائفة العلوية. وتضم القوى السنية في العراق وسوريا آلاف المقاتلين من دول عدة، جاؤوا جميعا بشكل أساسي لمحاربة القوى الشيعية-الايرانية. وتزداد الصورة ضبابية بالحرب التي يشنها التحالف العربي-الدولي ضد الارهاب، حيث تقوم حوالى خمسين دولة بعمليات عسكرية هزيلة مقارنة بحجم جيوشها – ومن دون استراتيجية واضحة المعالم – بحرب لاقتلاع داعش والقوى المتطرفة الأخرى ضمن فترة زمنية معلنه، تتراوح بين خمس وعشر سنوات، وهي فترة زمنية لا يزال غالبية الخبراء يحاولون تفسيرها كون ميزان القوى ضد الخصم (داعش) يرجح بشكل كبير للتحالف. ان خطر التطرف الذي وصل عمق أوروبا اليوم قد يدفع القوى الغربية لاعادة تقييم الوضع، من ناحية الفترة الزمنية التي يجب أن تعطيها لانهاء الصراعات على الساحتين السورية والعراقية. باختصار يمكن للتحالف، إن سخر قدراته العسكرية بشكل جيد، أن يحتل مناطق سيطرة داعش خلال بضعة أشهر.

وفيما تنفق ايران وحلفاؤها المحليون في المنطقة المليارات لتمويل ميليشيات وقوى شيعية والنظام السوري، تجد الدول العربية نفسها اليوم مضطرة لاستنزاف العديد من مواردها في الحرب ضد التطرف الذي بات يهدد أمنها الداخلي. فالقوى الاقليمية اليوم تتعرض لحرب استنزاف، اما عبر دعمها بشكل مباشر أو غير مباشر الأطراف المتناحرة على الأرض، أو نتيجة تداعيات انتشار التطرف والنزعة المذهبية في المنطقة. وسيزيد هبوط أسعار النفط الضغط على طهران في مفاوضاتها مع الجانب الأميركي من جهة، ويحد من قدراتها على خوض حروب كبيرة لفترة طويلة من جهة أخرى. ولذلك فان قدرة ايران على تمويل حرب جديدة في لبنان ضد اسرائيل ليست كعام 2006. كما سيشغل سعر النفط روسيا بأزمات اقتصادية، في وقت تحاول فيه وقف التمدد الغربي نحو أوكرانيا. هذا في حين سيمكن انخفاض أسعار النفط القوى الغربية من زيادة ميزانياتها الدفاعية والانفاق على تطوير قدراتها الدفاعية ضد روسيا وايران، الخاضعتين لعقوبات اقتصادية.

ما يمكن استنتاجه من عرض الوقائع اذاً أن هناك مصالح اليوم للقوى العالمية لاستمرار الحروب على الساحتين العراقية والسورية، والعمل على حصرها في تلك المساحة الجغرافية فقط. والدليل على ذلك الجهود الدولية التي تبذل لتحييد لبنان عنها، الى حد السماح بتزويد القوات المسلحة اللبنانية بأسلحة وأعتدة، كانت حتى مطلع العام الماضي محظورة على لبنان. وقد سهلت الهبة السعودية تأمين ذلك، ويتوقع أن يكون هناك المزيد من المساعدات العسكرية للبنان خلال الأشهر المقبلة. ولم يعد وجود حزب الله في لبنان يشكل عائقا بوجه تسليح الجيش اللبناني.

وفي خضم هذه النزاعات في المنطقة تبقى اسرائيل الطرف الذي يراقب بارتياح وانما بقلق شديد ما يجري حوله. فهو من جهة يجد خصمه اللدود حزب الله ومن خلفه ايران يتعرض لاستنزاف كبير في سوريا والعراق، انما في الوقت ذاته يشاهد مقاتلي حزب الله يزدادون عددا وخبرة وقدرة. فمن مصلحة اسرائيل أن يزيد الانقسام المذهبي وأن تقوى شوكة داعش وجبهة النصرة في سوريا وعلى الحدود اللبنانية، لانهاك حزب الله دون أن يؤدي ذلك لحسم الحرب لمصلحة أي طرف، والاتجاه الى تقسيم سوريا والعراق مذهبيا واثنيا. واسرائيل قلقة من امكانية تمكن ايران من التوصل الى اتفاق نهائي مع واشنطن ينهي الشق المتعلق بالملف النووي من نزاعها مع الغرب دون حل المواضيع الأخرى – مثل مصير حزب الله – مما سيبقي ايران، وبالتالي حزب الله، كقوة أساسية نافذة في المنطقة. فادارة أوباما لا تريد ربط الملفات ببعضها وتحبذ فصلها للحفاظ على مصالحها ومصالح بعض حلفائها.

لكن اسرائيل طبعا تريد أن تكون مصلحتها قبل كل شيء، ولذلك فهي ستعمد الى تسليط الأضواء بشكل كبير على خطر ايران وحزب الله، وما تسريب قصة اغتيال عماد مغنية مؤخرا سوى مثال على ذلك. فهي ستعمد الى استفزاز حزب الله عبر استهداف مواقعه في سوريا، بحجة محاولتها تهريب أسلحة متطورة، كمحاولة منها لافتعال مواجهة عسكرية مع حزب الله تحدد هي وقت انتهائها كما حدث مؤخرا. فهي افتتحت المواجهة في القنيطرة، وهي أنهتها بقصف محدود أعقب عملية شبعا. فمع غياب حليف أميركي ملتزم، كما الادارة السابقة، لا مصلحة لاسرائيل بدخولها اختياريا اليوم بحرب شاملة مع حزب الله، طالما هناك من يقوم بذلك عنها (داعش والنصرة). كما أن لا مصلحة لحزب الله بوضعه الحالي في حرب شاملة، ولكنه سيحاول الحد من الاستفزازات الاسرائيلية عبر الرد بضربات موجعة. وعليه، فان حزب الله واسرائيل دخلا مرحلة سياسة حافة الهاوية حيث هامش الخطأ في حسابات الرد لكل منهما قد يكون كارثيا على لبنان، وربما على المنطقة.

* باحث في الشؤون الاستراتيجية

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.