مجلس التعاون الخليجي- مصر.. تحالف لمصلحة النظام العربي

ريشار داغر*
منذ اشتعال الثورة الشعبية في ميدان التحرير- القاهرة، 25 يناير2011، والأنظار الدولية على مصر بترقب وقلق، وسط تساؤلات وهواجس عن مستقبل هذا [*] الكيان السياسي الذي يمتلك خصوصياته الإستراتيجية المميزة في المنطقة.
الوضع المصري المستجد، شكّل على الساحة الخليجية حدثاً له وقعه الخاص. فمصر، على رغم الإنتكاسات الظرفية التي أصابت موقعها وأدوارها، ظلت تاريخياً بالنسبة إلى دول مجلس التعاون، ركناً أساسياً في منظومة الأمن العربي، والقوة الإقليمية التي تضاعفت الحاجة إليها في اللحظة التي بدأت فيها الزلازل السياسية والأمنية، تعصف بالأنظمة العربية.
فعلى رغم ما تعانيه مصر من أزمات إقتصادية وإجتماعية ضاغطة، تبقى عناصر قوتها ماثلة بوضوح في المعادلات الجيوسياسية للشرق الأوسط. فهي، في القوة البشرية، خزان اليد العاملة المؤهلة لتعويض النقص الذي تواجهه دول مجلس التعاون. ومن هذه الديموغرافيا، تنبثق مؤسسة عسكرية عاتية تضم حوالي نصف مليون جندي مجهزين بترسانة من الأسلحة المتطورة، صنّفتها في المرتبة الأولى بين الجيوش العربية، والثالثة عشر عالمياً. وحين تضاف إلى ذلك تطويرها لقناة السويس، الممر البحري الإستراتيجي، وحيازتها ورقة السلام مع إسرائيل، إلى جانب قدراتها البالغة في التأثير على الساحات المجاورة من الأراضي الفلسطينية الى ليبيا وإلى ما هو أبعد، تكون صورة القدرة الإستراتيجية لمصر قد نَمت بما يرسّخ مكانتها كلاعبٍ رئيس في الشرق الأوسط والشمال الإفريقي، وكشريك لا غنى عنه لدول المنظومة الخليجية.
وشكلت الثورة الشعبية التي اجتاحت ساحات القاهرة والإسكندرية والسويس بالنسبة الى دول مجلس التعاون التطور الأكثر خطورة في المنطقة، وميزان الإختبار لما سيؤول أليه النظام العربي برمّته ولما ستؤول أليه آليات الصراع في الشرق الاوسط. وللأسباب ذاتها، يمكن فهم حال الإستنفار التي سادت معظم العواصم الخليجية بعد سقوط نظام الرئيس حسني مبارك ووصول الإخوان المسلمين إلى السلطة إثر فوز القيادي الإخواني محمد مرسي بالرئاسة المصرية.
فعلى رغم الإقرار العام، دولياً وعربياً، بالأسباب المحقة التي أشعلت الثورة المصرية، وحاجة مصر الملحة إلى تغييرٍ سياسي يعالج أزماتها الإجتماعية والإقتصادية، كانت الحسابات الخليجية ترتدي طابعاً اكثر شمولاً يتجاوز العناوين الداخلية المحركة للشارع المصري، ليأخذ في الإعتبار المخاطر التي يمليها وصول الإسلام المتطرف الى السلطة في القاهرة، بما يعنيه ذلك من سيطرة على أهم أركان النظام العربي، وما يستتبع من تداعيات جسيمة.
هذه النظرة الخليجية قابلها في الداخل المصري رؤية مطابقة من جانب المؤسسة العسكرية التي طالما شكلت صمّام الأمان على مستويي الدولة المصرية والأمن العربي. ففي أروقة القيادة العامة للقوات المسلحة، كانت المخاوف نفسها تتردد وسط قناعات متزايدة بضرورة الإستجابة لتطلعات الشارع ودعم حراكه المشروع، وضرورة الحفاظ على مرتكزات القوة، وفي مقدمها حماية السلم الوطني ومنع مصر من الإنجراف الى أتون حروب داخلية، وضمان إلتزاماتها الدولية وتموضعها الإستراتيجي وتحالفاتها الإقليمية.
من الرياض والإمارات والكويت وصولاً إلى هئية الأركان العامة في القاهرة، كانت النظرة حيال التطورات المصرية، متطابقة ومنسجمة الى حدٍ بعيد مع روحية العلاقات التاريخية – التقليدية بين الجهتين، ومع مسار التعاون في حماية إستقرار العالم العربي ومواجهة التطورات الكبرى التي شهدتها المنطقة، من الحروب العربية – الإسرائيلية، إلى الثورة الإسلامية في إيران، إلى حروب الخليج التي كان آخرها الإجتياح الأميركي للعراق في العام 2003.
في إقتناع الجانبين، دول مجلس التعاون والعسكريتاريا المصرية، أن ما يحدث في مصر، وعلى رغم أسبابه الداخلية، هو شأن يهم كل العرب وسوف يطال بنتائجه كل العرب، وبخاصة الإنظمة المنخرطة معها في معسكر واحد. فحين تنزلق مصر إلى التطرف الإسلامي سوف تنجرف معها كل المنطقة في الإتجاه نفسه. وحين تكون مصر ضعيفة وغارقة في الفوضى فذلك يعني نظاماً عربياً ضعيفاً وممزقاً، في اللحظة التاريخية التي ينبغي أن يكون هذا النظام، في أعلى درجات التماسك والقوة من أجل مجابهة التهديدات الكبيرة المحدقة به.
وفي نظر الجانبين أن وصول الإسلام الراديكالي إلى السلطة في القاهرة من شأنه أن يحول مصر الى قاعدةٍ لإنتعاش حركات التطرف والإرهاب وتمددها في أكثر من إتجاه، نحو المملكة الأردنية، والأراضي الفلسطينية، وصولاً إلى دول مجلس التعاون والمملكة السعودية تحديداً. وحين يضاف إلى ذلك قضية إيران بطموحاتها النووية وتدخلاتها السياسية و"العسكرية" في العالم العربي، إلى جانب الأعاصير التي تعصف بالمنطقة من العراق إلى سوريا وليبيا واليمن، والمواقف المربكة للإدارة الأميركية حيال أزمات المنطقة، تكون قائمة التهديدات قد أكتملت على النحو الذي يترك مصر ودول مجلس التعاون أمام خيار واحد هو الذهاب الى ما هو أبعد من التعاون.
من هنا كان قرار القيادة العسكرية في مصر بالتدخل الحاسم لإنهاء مسارٍ خطير بدأ ينجرف نحو الفوضى وسط رؤية واضحة قوامها الدفع بإتجاه ديمقراطية منضبطة تكون قادرة على تحقيق الإصلاحات السياسية- الإقتصادية المطلوبة بقوة، حماية الإستقرار الأمني والحفاظ على موقع مصر في محورها التقليدي. ومن هنا كانت مسارعة الثلاثي الخليجي، السعودية والإمارات والكويت، الى تقديم أعلى درجات الدعم السياسي والمالي والدبلوماسي للقاهرة في مرحلة ما بعد خروج الإخوان من السلطة، تحت عنوان ضرورة الحفاظ على مصر، دعامة كبرى لنظام عربي يواجه التحديات.
اليوم، في الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير، ومع عودة مصر إلى حضن رعاية المؤسسة العسكرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، وعلى وقع المصالحة الخليجية مع قطر، والمصالحة المصرية- القطرية، يكون المشهد الإستراتيجي قد دخل مرحلة جديدة تحمل تباشير تحالف خليجي- مصري، مطلوب بإلحاح، من شأن مفاعيله أن تنسحب على مختلف أزمات الشرق الأوسط.
وأمام هذا المشهد السياسي المتجدد يتقدم الى الواجهة سؤال مفصلي مُكَمل: هل باتت الظروف مهيئة لولادة تحالف عسكري فعلي بين دول مجلس التعاون ومصر؟
مع عودة الإستقرار إلى مصر، وعودة العلاقات الخليجية – المصرية إلى ما كانت عليه قبل مرحلة الإخوان المسلمين، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن تفرزه هذه التطورات السياسية من نتائج على صعيد التعاون العسكري بين الجانبين، وسط مؤشرات متصاعدة عن إمكان قيام هيكلية عسكرية مشتركة تستجيب للتحديات الأمنية المتزايدة في المنطقة العربية.
العوامل الدافعة الى البحث في خيار كهذا تندرج تحت عنوان مواجهة التهديدات الأمنية التي أصبحت أمراً واقعاً لكلٍ من المنظومة الخليجية ومصر، كما الإستعداد لمواجهة عسكرية أكبر قد تتدحرج إليها المنطقة تحت وطأة الإهتزازات الجيواستراتيجية الحادة التي تداهم الطرفين، ما يدعو إلى التفكير الجدي في خيار توسيع إطار التعاون الأمني القائم راهناً نحو تعاون عسكري أكثر شمولاً.
فصعود التنظيمات الأصولية المسلحة، لم يعد ظاهرة عابرة يمكن التعامل معها بالأساليب التقليدية، بل تهديداً جدياً تعاظمت مخاطره المباشرة على الأمنين المصري والخليجي إلى الحد الذي باتت معه المملكة السعودية واقعةٌ بين فكي إرهاب "داعش" المتمدد من العراق شمالاً، وإرهاب "القاعدة" المتسرب من اليمن جنوباً. في الوقت الذي باتت معه التنظيمات الإرهابية المنفلشة في شبه جزيرة سيناء تشكل مصدر الخطر الأول على الأمن القومي المصري، ناهيك عما ينطوي عليه الزلزال الليبي من مخاطر موازية. وإلى ذلك، يأتي العامل الايراني بشقيه الإستراتيجي- العسكري والجيوسياسي ليزيد من مستوى التهديدات الأمنية، واضعاً القوى الخليجية ومصر معاً أمام تحدي مواجهة المحور الإيراني ومفاعيله من العراق وسوريا وصولاً الى البحرين واليمن.
على خلفية هذا المشهد، وفي الجانب الخليجي، يمكن التوقف عند محطتين بارزتين تؤكدان تقدم الخيارات العسكرية المباشرة لجبه التهديدات الإقليمية؛ أولاهما، إقدام القوات السعودية في العام 2009 على شن حملة جوية مكثفة ضد معاقل الحوثيين، داخل المناطق اليمنية المحاذية لحدودها، إثر إختراق المسلحين الحوثيين لسيادة المملكة وقتل عدد من جنودها. وثانيهما، التدخل العسكري السعودي- الإماراتي في العام 2011، في البحرين، بقوام 2000 رجل، لإخماد إنتفاضة دوار اللؤلؤة وحماية نظام الملك حمد بن عيسى آل خليفة، في تحرك شكل النموذج الأول لتعاون عسكري بين دول خليجية.
وحين تضاف إلى هذه المحطات وتيرة المناورات القتالية المتتالية منذ العام 2008 بين القوات السعودية ونظيراتها المصرية في تبوك 1و2 و3، تحت فرضية التصدي لهجوم بري من قبل دولة معادية، لا يعود من مجالٍ للشك بأن فكرة تطوير التعاون العسكري داخل المنظومة الخليجية ومع مصر، من إطاره الظرفي الراهن إلى نوعٍ من الهيكلية الثابتة، هي مشروع مطروح بجدية عند القيادات المصرية والخليجية، إنطلاقاً من حقيقتين:
الأولى، أن التهديدات الإرهابية والجيوسياسية، بطبيعتها العابرة للحدود والدول، لم تعد شأناً خاصاً يطال دولة معينة أو نظاماً محدداً، بل خطراً عاماً يستهدف الكل، يتخطى القدرات الخاصة لكل دولة، ويتطلب ضم الجهود الأمنية – العسكرية في هيكيلية جماعية مترابطة، تعمل بتنسيق تام من ضمن مفهوم الأمن الكلي. والثانية، أن طبيعة الصراع في المنطقة، المبني على نظام المعسكرات والمحاور، بات يفرض على المعسكر العربي التقليدي دمج عناصر القوة المتوافرة لكلٍ من مكوناته في بوتقة جامعة تكفل تحقيق التكامل البشري- العسكري- الإقتصادي.
وعليه فإن فرضية قيام تحالف عسكري ما، يجمع الثلاثي الخليجي، المملكة السعودية والإمارات والكويت إلى جانب مصر وربما المغرب والأردن، كما هو مطروح فعلاً، ستفضي حكماً الى صورة كيان جيوسياسي متكامل، يجمع الإمكانات الإقتصادية الهائلة للثلاثي الخليجي إلى جانب القدرات العسكرية- البشرية المصرية الضخمة الى جانب الخبرات المتقدمة التي يتمتع بها كلٌ من الجيشين المغربي والأردني. وعلى النحو الذي سيؤدي إلى قيام كتلة عربية قادرة على مجابهة التهديدات بصورة أكثر فعالية، وتعديل الموازين الإستراتيجية في المنطقة.
فكرة التحالف، وإن كانت لا تزال محاطة بالضبابية، تبقى حاضرة بقوة في ضوء التطورات والمبادرات التي تعزز حظوظها. ففي يوليو/تموز 2014، وفقاً لتقارير دولية، وضِعت القوات المصرية في حال تأهب كامل لمؤازرة القوات السعودية في حال تفاقم الوضع الميداني إثر سقوط الأنبار العراقية بين أيدي "الدولة الاسلامية" ووصول هذه الأخيرة إلى مشارف الحدود السعودية. وفي تقارير أخرى أن سلاح الجو الإماراتي استخدم في أغسطس/ آب 2014 القواعد الجوية المصرية لشن ضربات عسكرية ضد الإسلاميين المتشددين في ليبيا.
وفي المبادرات، يتقدم الى الواجهة إعلان قمة دول مجلس التعاون، في ديسمبر/كانون الأول 2013، عن عزمها إنشاء قيادة مشتركة لقوات خليجية مشتركة قوامها مئة ألف رجل، مُوجِّهةً في الوقت نفسه دعوة، هي الثانية من نوعها، إلى كلٍ من الأردن والمغرب للإنضمام في حلف موحد. كما يجدر التوقف عند ما كشفه تقرير دولي في نوفمبر/تشرين الثاني المنصرم، بأن مسؤولين خليجيين ومصريين بحثوا في إنشاء حلف عسكري لمجابهة التطرف في المنطقة، مع إمكانية إنشاء قوة مشتركة للتدخل حيث تقتضي الضرورة في الشرق الأوسط.
وعلى رغم أن أي قرار رسمي لم يصدر بعد بهذا الصدد، فإن الخطوط العريضة لمشروع "الحلف" قد بدأت تتوضح تباعاً؛ أولها، تولّي الثلاثي الخليجي تأمين الدعم المالي لصفقات التسلح على أن تقدم مصر الدعم اللوجيستي والعملاني في مراحل لاحقة. وثانيها إقتصار التعاون في مرحلته الأولى في مجال العمليات الجوية في المناطق التي تحتمها الضرورة. وثالثها إستقلالية هذا الحلف عن التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ضد "الدولة الاسلامية".
امام هذه الحقائق والتطورات يبقى السؤال المفصلي مسلطاً على الإمكانية الفعلية لقيام حلف عسكري حقيقي بين دول مجلس التعاون ومصر. فالعقبات الموضوعية التي تعترضه، داخلياً ودولياً، توازي في تأثيرها ضرورته وجدواه، وفي ذلك ما يجعله مشروعاً قيد الدرس، ومساراً يستحق المتابعة بكل الاهتمام.
عميد ركن متقاعد

 

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.