عمليات القوى المشتركة، اليوم .. وغداً

عدد المشاهدات: 662

 العميد م. ريشار داغر*
عبر التاريخ، ظلت الحرب ظاهرة ثابتة، مفهومها، إستخدام العنف المسلح لحماية الدول والجماعات أو إنفاذ طموحاتها، وغايتها التغلب [*] على الخصم وإرضاخه لشروط المنتصر. بالتوازي كانت الجوانب الإستراتيجية والتكتية للحرب عرضة لتغيرات دائمة، فرضتها عوامل مختلفة، من التطورات التي طرأت على أدوات الصراع وطرائق التفكير العسكري، إلى التحولات التي طالت طبيعة النزاعات، في نطاقها الجغرافي، في أشكال التهديد ومصادره، أو في هوية العدو وقدراته.

في مسار التطورات التي شهدها فن الحرب، شكّل التوصل إلى مفهوم العمليات المشتركة، بين قوى البر والبحر والجو، أبرز العلامات الفارقة التي بدأت تطبع نظام المعركة، منذ النصف الأخير من القرن الماضي. قبل ذلك، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ظلت المعارك العسكرية بمعظمها، إن لم يكن جميعها، تخاض من ضمن مفهوم الأسلحة المستقلة. فهي إما كانت برية بالكامل، أو بحرية بالمطلق، وإما جوية كلياً. في الوقت الذي كانت فيه التقنيات العسكرية، التنظيم، والأفكار العملانية تتطور على النحو الذي باتت معه عمليات القتال المشترك ضرورة لا بد منها.

ومع الوقت أصبحت العمليات المشتركة العنوان الحصري لنظام المعركة الحديثة. ترجمتها الفعلية: خوض القتال بتشكيلات عملانية تجمع قوى من الأضلع الثلاثة للقوات المسلحة في وحدة مندمجة كلياً، على النحو الذي يؤمن التكامل التام في ما بينها، ويؤدي الى رفع الناتج العام للعمليات القتالية إلى أعلى مستوياته، وبما يتعدى المجموع البسيط لقدرات القوى منفصلة. وذلك بالتأكيد يختلف جذرياً، في الأسلوب والإداء والنتائج، عن الفكرة البدائية للتعاون ما بين الأسلحة، التي غالباً ما كانت تنفذ، في معظم الجيوش، من خلال مشاركة مستقلة، ظرفية، محددة المهام والتوقيت، نظراً لصعوبة تطبيق المفهوم الأوسع للتعبير.

والواقع أنه حتى الآن، لا تزال أكثر الجيوش تقدماً تسعى إلى التوصل إلى تطبيق نظام العمليات المشتركة بصيغته المثلى. ففي مقالة حديثة ، كتب الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان الأميركية: "… وبعد إنشاء وزارة الدفاع الأميركية بنصف قرن لا تزال القوات الأميركية تجاهد للوصول إلى مستوى الإنخراط المطلوب في العمليات المشتركة". مرد ذلك أن بلوغ هذا المستوى يتطلب ما هو أكثر من مجرد المشاركة المادية لأدوات الأسلحة الثلاثة، ليشمل الوحدة التامة: في القيادة العملانية المباشرة، في التنفيذ المشترك على مختلف الرعائل، في التخطيط والتنسيق، في جمع المعلومات الإستخبارية وتوزيعها، إضافة إلى وحدة الإداء اللوجيستي.

من هذه الصيغة الإندماجية يمكن تصور، وعلى سبيل المثال، نموذجين للعمليات المشتركة. اكثرهما شيوعاً وإن على نطاق ضيق: عملية قتالية برية قوامها قوة ميكانيكية مدرعة تواكبها وحدة نخبة من القوات الخاصة تحت مظلة قوة جوية لتأمين الدعم التكتي المتقارب. وفي مثال آخر، أوسع نطاقاً، وضعية تتولى فيها قوات الجو تدمير الأنظمة المضادة للسفن، أو يعهد إلى القوات البحرية التخلص من أنظمة الدفاع الجوي، أو إضطلاع القوات البرية الخاصة بمهمة إلغاء التهديدات التي تعترض أسلحة الجو والبحر الصديقة. وفي الزمن الراهن يصبح المثال الأهم، إنخراط جميع الأسلحة مجتمعة بالتصدي لهجوم سيبيراني واسع يستهدف القوات المسلحة.

اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود على ولادة فكرة العمليات المشتركة، لا تزال هذه الصيغة تواجه تحديين رئيسين، أولهما، قدرة الجيوش، المتواضعة منها خصوصاً، على تطبيقها عملانياً من خلال تشكيلات قتالية متكاملة الإمكانات تتمتع بـ : حرية الحركة، تعددية الإستخدام، ومرونة التأقلم مع الظروف. هدفها مضاعفة المفعول التآزري على مسرح القتال، والإستجابة السريعة للمتغيرات الطارئة على البيئة العملانية. أما التحدي الثاني، فيكمن في قدرة الدول الكبرى والجيوش المتطورة، على تطوير نظام العمليات المشتركة على النحو الذي يستجيب للمتغيرات الحاصلة باستمرار في البيئة الإستراتيجية العامة، وهذا بالذات ما يطرح السؤال عن مستقبل القتال المشترك.

فالدول تعمل باستمرار على تحضير جيوشها للمستقبل من خلال إعادة تنظيمها وتجهيزها وتدريبها. وقبل كل شيء، من خلال تطوير مفاهيمها القتالية بما يحقق الاستجابة الأفضل لحاجاتها الأمنية، إنطلاقاً من تقويمها للتهديدات المستقبلية. وعليه فأن مستقبل العمليات المشتركة يبقى مرهوناً بالتحولات التي يمكن أن تطرأ على البيئة العملانية الواسعة التي تعني القوات المسلحة وقدرة هذه الأخيرة على التكييف معها بما يضمن تحقيق الغايات.

وعلى رغم صعوبة التكهن بطبيعة التهديدات المقبلة، فأن الإتجاهات الراهنة تشير الى تراجع النزاعات العسكرية التقليدية بين الدول، في مقابل صعود ملحوظ لقوى جديدة، دولتية ولا- دولتية، مدفوعة إما بالعقائد وإما برغبة السيطرة والتنافس، مسلحة بأفضل أنواع الأنظمة القتالية والتقنيات، قادرة على التحرك على مسارح عمليات متنوعة من الغابات والصحاري الى الآماكن الآهلة، وتمتلك المؤهلات للدمج ما بين أشكال الحروب المختلفة، التقليدية واللاتقليدية.

وإذا أضفنا الخطر المتمثل بالإرهاب العابر للحدود، إلى التداعيات الأمنية الناجمة عن إنهيار الأنظمة والحروب الأهلية، الى جانب التصدي للهجرة غير الشرعية والتعامل مع الكوارث، تكون القوات المسلحة قد أصبحت أمام بيئة أمنية معبأة بأشكالٍ جديدة من التهديدات، وذلك بالتحديد ما يفرض عليها تبني أشكال جديدة من التفكير العملاني يسمح لها بالتعامل مع مختلف هذه التهديدات، بالوسائل المتناسبة كماً ونوعاً، وفي الوقت المناسب.

أبرز أشكال التفكير الجديد بات يتمثل في سعي الجيوش المتقدمة إلى توسيع تطبيقات الدمج بين الأسلحة وصولاً إلى الرعائل الدنيا، بحيث لا يعود مستبعداً أن يصبح توظيف الوحدات الصغرى المشتركة في القتال هو النمط السائد مستقبلاً. يثبت ذلك قيام القوات الأميركية بالتحول من التوظيف العملاني القائم على نظام الفِرق، إلى آخر مبني على نظام الألوية، مع توجه واضح للوصول مستقبلاً الى الرعائل الأدنى.

من هذه المبادئ يمكننا أن نتصور نظاماً عملانياً قائماً على فكرة القتال بكل القوى، على مستوى رعائل متدنية، يضطلع فيها القائد بمسؤولية توظيف مختلف مكونات هذا التشكيل، البرية والبحرية والجوية، على النحو الذي يسمح لها بالتحرك في الوقت المناسب، والتركيز على منطقة الحاجة العملانية، والإحتفاظ بالمرونة الضرورية للتصدي لأي تطور طارئ دون تخطيط مسبق.

*باحث عسكري واستراتيجي

 

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.