الخلاف الأميركي-الإسرائيلي والتقارب الإيراني-الأميركي وفرصة الإختراق الفلسطيني

عدد المشاهدات: 301

 بقلم رياض قهوجي*
تتسارع الأحداث في منطقة الشرق الأوسط بشكل كبير وعلى أكثر من محور وجبهة. ومن يزور العاصمة الأميركية واشنطن يتفاجأ بحجم الانقسام السياسي [*] ما بين مؤيد ومعارض لسياسة ادارة الرئيس باراك أوباما تجاه ايران واسرائيل. وأكثر ما يتفاجأ به البعض هو حجم وقوة ما يبدو على أنه لوبي مؤيد للانفتاح على ايران والتوصل الى اتفاق معها حول ملفها النووي. وهو يواجه لوبي اسرائيل الذي يعتبر من أقوى مجموعات الضغط السياسي والمالي والاعلامي في أميركا، ويتلاقى معه اليوم بمعارضة الانفتاح على ايران لوبي المحافظين. ويشير الصحفي والمعلق الأميركي ديفيد اغناتيوس في مقاله الأخير في الواشنطن بوست بأن شهر آذار المقبل سيكون الشهر «الذي قد يغير مستقبل الشرق الأوسط،» حيث سيشهد تلاقي عدة أحداث أهمها الانتخابات التشريعية الاسرائيلية، وخطاب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكونغرس الأميركي والذي سيركز فيه على خطر ايران على المنطقة، وانتهاء الفترة الزمنية لتوقيع اتفاق نهائي بين ايران والدول الخمس العظمى زائد ألمانيا على برنامج طهران النووي.

وفي حين تسعى ادارة أوباما مع اللوبي الايراني في واشنطن الى تسويق أهمية التوصل الى اتفاق مع ايران، شنت اسرائيل عبر لوبيها في واشنطن حملة مضادة عبر تسريب معلومات عن مسودة الاتفاق الذي توصلت اليه ادارة أوباما مع طهران. وتركز الحملة على خطر احتفاظ ايران بأكثر من 6500 جهاز طرد وقدرة على تخصيب اليورانيوم مما سيبقي على قدرة ايران بانتاج سلاح نووي مع الوقت. وأفادت تقارير اعلامية اسرائيلية بأن تسريب حكومة نتنياهو لمسودة الاتفاق مع ايران دفع بالبيت الأبيض لوقف التنسيق مع تل أبيب حول المحادثات النووية. ومن المتوقع أن يشن نتنياهو حملة عنيفة على سياسة الرئيس أوباما في الشرق الأوسط والملف الايراني وسيعمل على تجييش الرأي العام والكونغرس لعرقلة جهود البيت الأبيض في التوصل لاتاق نهائي مع طهران في 24 آذار المقبل.

  هل ستكون قاعدة انجرليك سبب توتر جديد بين انقرة وواشنطن بعد الانقلاب؟

لكن الادارة الأميركية تستعد بدورها للرد على خطوات نتنياهو المتوقعة عبر التلويح بورقة القضية الفلسطينية. فحسب اغناتيوس، وهو معروف بعلاقاته الوثيقة مع كبار مسؤولي الادارة الأميركية، فان وزير الخارجية الأميركي جون كيري قد يعمد الى تحريك الموضوع الفلسطيني من زاوية افلاس خزينة السلطة الفلسطينية المتوقع الشهر المقبل نتيجة توقف اسرائيل عن تحويل مستحقات السلطة من الضرائب. ويعتقد اغناتيوس بأن كيري قد يطرح بالعلن اطار العمل الذي تم التوصل اليه في آخر جولات حوار بين الأطراف المعنية وتتناول مواضيع أمن اسرائيل ومستقبل القدس وحدود الدولة الفلسطينية. وقد يعمد كيري لطرح اطار العمل هذا في مجلس الأمن الدولي لإدخاله كتعديل على قراري مجلس الأمن 242 و 338 المتعلقين بالقضية الفلسطينية، مما سيشكل ضربة قوية لحكومة نتنياهو التي ترفض حتى الآن المساومة على موضوع القدس أو الاعتراف بحدود دولة فلسطين أو وضع حدود لأمنها.

وفيما تستعد اسرائيل لمواجهة مع واشنطن تعمل طهران على التقرب من «الشيطان الأكبر.» فلقد كشفت صحيفة الوول ستريت جورنال الأميركية عن استلام أوباما لرسالة من المرشد الأعلى الايراني آية الله على خامنئي تتناول رأيه بالسياسة الأميركية الخارجية وبكيفية مواجهة خطر قوى التطرف التكفيري. وكان خامنئي أعلن في وقت سابق عن دعمه لاتفاق نووي مع أميركا والدول العظمى. ويأتي هذا التقارب في وقت تشهد العلاقات الأميركية مع حلفائها العرب في دول الخليج العربي فتورا سببه تقارب الأولى مع ايران من دون حل مشاكل أخرى مع ايران تمس مصالح هذه الدول، وخاصة تدخل ايران في شؤون دول عربية مثل العراق وسوريا واليمن والبحرين.

ان المشهد السياسي في الشرق الأوسط اليوم هو أشبه بالكاريكاتوري الهزلي. ففي حين تتقرب ايران من عدوها اللدود أميركا، تحاول اسرائيل وبعض الدول العربية ثني واشنطن عن ذلك. وفي الوقت عينه تستعد أميركا لنشر قواتها في العراق بعد أن عمدت ايران في السنوات الماضية الى طردها من هناك عبر هجمات منظمة من الميليشيات الشيعية الحليفة لها. وفي حين تفاوض أميركا ايران حول الملف النووي من جهة وتلوح بورقة الدعم في الحرب ضد الارهاب تقوم من جهة أخرى بالضغط على حلفائها لتخفيض أسعار النفط للضغط على ايران والابقاء على وتيرة بطيئة في الحرب على داعش والحركات التكفيرية الأخرى من أجل ابقاء طهران تحت وطأة حروب استنزاف على جبهات عدة (لبنان والعراق وسوريا). فقد باتت ايران وحلفاؤها اليوم مشغولين بتسجيل بعض الانتصارات التكتيكية على الساحات السورية والعراقية واليمنية في حين أن خطر الحركات التكفيرية يتزايد وكذلك حجم التوتر المذهبي مما سيؤدي لتفتيت دول المنطقة. كما أن ايران تواجه خطر الافلاس والانهيار الاقتصادي نتيجة العقوبات المفروضة عليها وانهيار أسعار النفط، وذلك حسب اعتراف وزير الطاقة الايراني في خطاب له أمام البرلمان الايراني يوم الاثنين الفائت. فلقد كشف الوزير بأن وزارته لا تملك ما يكفي من السيولة لتدفع رواتب موظفيها ولتستثمر في حقول نفطها.

  مصر تنظم حملة دبلوماسية تتزامن مع مشاركتها في قمة الأمن النووي في واشنطن

والانتصارات التكتيكية للمحور الايراني هي مرحلية اذ ما تلبث أن تقوم القوى المعارضة بهجمات مضادة تستعيد ما خسرته قبل أيام أو أشهر. فها هي قوى المعارضة السورية تخسر مواقع في الجنوب وتكسب أخرى في الشمال، وها هي داعش تخسر في كوباني وترد في البغدادية. فمن غير المسموح لأي من الطرفين تحقيق نصر حاسم، بل المطلوب حرب استنزاف طويلة تنهك القوى الاقليمية – عربية وغير عربية – وتحجمها بعد أن كبرت الى حد بدأت مصالحها تتناقض مع مصالح القوى العظمى، بل وتهددها أحيانا. فلا العرب يجب أن يخشوا من أن تدخل عليهم ايران «درة» في العلاقات مع واشنطن ولا على طهران أن تعتبر العرب عدوها الرئيسي في سعيها لنيل رضى واشنطن. بل على كلا الطرفين أن يستفيدا قدر المستطاع من التباعد بين تل أبيب وواشنطن بما يخدم مصالح المنطقة بشكل عام ومصلحة أم القضايا – القضية الفلسطينية ـ بشكل خاص.

* باحث في الشؤون الاستراتيجية

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.