تركيا أردوغان.. لا دور لا أصدقاء

عدد المشاهدات: 364

العميد الركن م. ريشار داغر*
من غريب المفارقات، أن تصير المسافة الطويلة، إلى مقديشو النائية، أقصر الطرق المتاحة أمام الرئيس التركي، لإعادة الإعتبار [*] لمكانته ودوره، ولفتح ثغرةٍ في جدار عزلة دولية ساهمت سياساته في تشييدها حول بلاده.

ذلك على الأقل، هو الإنطباع الذي أوحت به زيارة أردوغان إلى الصومال قبل أسابيع. إذ على رغم ما أحيط بها من غلاف إنساني جذاب، ظل شبح الإنتكاسات التي منيت بها سياسات أنقرة حاضرة إلى جانب أردوغان وهو يتعهد بمزيد من المشاريع والإستثمارات في العاصمة الإفريقية الممزقة.

مثل هذا الإنطباع لم يكن وارداً قبل أعوام. ففي حزيران2011 كان حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان يسجل في الداخل، إنتصاره الثالث على التوالي، والأكبر، في إنتخابات تشريعية حصد فيها أكثر من 50% من أصوات الناخبين. وقبلها بعام، كان رئيس الحكومة التركية يرتقي في الخارج، في الشارعين العربي والإسلامي، إلى مرتبة البطل، بعد مواقفه النارية ضد إسرائيل رداً على حصارها غزة واعتدائها على سفينة المساعدات الإنسانية "مافي مرمرة".

وفي هذه المناخات، كانت إستطلاعات الرأي في سبع دول عربية، تظهر التأييد العارم، بنسبة 77%، لدور تركي أكبر في العالم العربي، في وقتٍ كان خط الإتصال المباشر بين أردوغان والرئيس الأميركي أوباما يضج بحرارةٍ إستثنائية، مؤشراً إلى مستوى التألق في علاقات العاصمتين، والى التطابق التام في النظرة إلى التطورات المتسارعة.

بالتزامن، جاءت موجة الثورات العربية، لتفتح الباب أمام الطموحات السياسية الواسعة لحزب العدالة والتنمية. فقد شكل السقوط المتسارع للأنظمة في المنطقة بنظره، من الكمالية في تركيا، إلى الناصرية في مصر، إلى البعث في سوريا، التأكيد الجازم على إنهيار النموذج الاستبدادي- العلماني- القومي الذي حكم المنطقة لأكثر من ستة عقود، لمصلحة نموذجه الإسلامي، البديل الوحيد المؤهل لوراثة الأنظمة المتهاوية.

" تركيا باتت اليوم النموذج الذي يجب أن يحتذى به في المنطقة".. هكذا، وبصراحة تامة قالها أردوغان عشية فوزه الانتخابي!

لم تقتصر طموحات حزب العدالة والتنمية على تطبيق نموذج الحكم الإسلامي في الداخل، أو تقديمه للخارج، بل تعدت ذلك لتخلق نوعاً من التطابق بين الأجندتين الداخلية والخارجية، وعلى النحو الذي جعل من تركيا أردوغان دولة مختلفة كلياً عن تركيا أتاتورك، سواءٌ في هويتها الإسلامية المتعارضة مع العلمانية، أو في دورها الساعي إلى تحديد إتجاهات التحول في الشرق الاوسط بدلاً من مجانبتها، وصولاً إلى مشروعها الكبير، الذي بدأ يتكشف تباعاً، والذي كان يقوم على فكرة الإنتقال من مفهوم الدولة- القومية، إلى إطار أوسع يجمع وحدة إقليمية على مدى جغرافيا شاركت فيما مضى في إرث أمبراطوري عظيم.

نجحت حكومة أردوغان في إعادة تدعيم الديمقراطية التركية على قواعد مختلفة، وفي إعادة صياغة النظام السياسي بجوانبه المختلفة، من العلاقات العسكرية- المدنية، الى العلاقات بين الدين والدولة، وصولاً إلى إعادة النظر في التعامل مع القضية الكردية بما أدى الى تحويلها من مشكلة الى رصيد.

لكن هذا النجاح ترافق مع توجهٍ مقلق بدأت اصداؤه تتردد في مختلف العواصم الإقليمية والدولية. فمن منظار "العدالة والتنمية" كانت التطورات التي تشهدها المنطقة تشكل منعطفاً تاريخياً يجب الإستفادة منه، ليس فقط من أجل الدفع باتجاه نظام إقليمي جديد بقيادة أنقرة، بل من أجل العودة الى الفكرة الأقدم القائمة حول مفهوم الدولة- الملِّية حيث لا تمييز بين الأتراك والأكراد، أو بين العرب والبوسنيين والألبان.

ففي موقف لا مواربة فيه، صرح الأمين العام لحزب العدالة والتنمية في آذار2013: "… منذ العام 1699 ونحن في مرحلة تراجع، أما الآن وبعد 300عام نحن ننهض من جديد. واليوم هناك تركيا القادرة على المطالبة بالأراضي التي كنا نسيطر عليها في الماضي". هكذا أيضاً، وبعد أقل من قرن على إنهيار الأمبراطورية العثمانية وولادة تركيا العلمانية، عاد مشروع التسلطن يهيمن على سياسات أنقرة من جديد، مخلفاً وراءه، من العراق إلى سوريا ومصر وصولاً إلى عمق الخليج العربي، موجات من ردات الفعل الحادة وكماً من الأزمات السياسية. وبعد أقل من عقد على وصول "العدالة والتنمية" إلى السلطة كانت سياسة أردوغان- أوغلو العربية تتعرض للإنهيار التام، فيما كانت صورة العلاقات الخارجية لأنقرة تشهد تحولاً دراماتيكياً من صفر مشاكل الى صفر أصدقاء.

منذ بداياته، كان المشروع الاردوغاني محكوماً بالفشل، لأنه كان محكوماً بالمقاومة الشرسة من جانب العلمانيين والقوميين في كل دولة من دول الجوار، وهؤلاء ليسوا بقلائل، ومحكوماً بالمعاداة من قبل الأنظمة العربية التي بدأت تتلمس معالم المشروع التوسعي لأنقرة. فالقادة الأتراك الذين بالغوا في حجم قدرتهم على التحكم بتطورات المنطقة، أساؤوا التقدير حين بدأوا يتوددون بإفراط الى أكراد العراق بمعزل عن حكومة بغداد، واساؤوا في التعامل مع الثورة السورية إلى الحدود التي تحولوا فيها إلى فريق في الحرب. وهم اخطأوا في الذهاب بعيداً في دعم الإخوان المسلمين في مصر الى حدود التسبب بالقطيعة مع حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

في الواقع كانت دائرة المستنفرين من السياسة الأردوغانية تتسع تباعاً حاملة معها مزيداً من التوجس والخصومات. فها هي العلاقات الأميركية تعود الى البرودة بعد أعوامٍ من الإزدهار، وها هم اللاعبون الإقليميون الكبار مثل روسيا وإيران وإسرائيل يقفون في موقع المجابهة للمشروع التركي، كلٌ لأسبابه الجيوبوليتيكية الخاصة. وهذه هي الدولة العربية القطب، المملكة العربية السعودية، تتعامل مع الحال التركية بكثير من الحذر.

باختصار، وباستثناء علاقتها مع أكراد العراق، يمكن القول أنه وفي لحظة وصول أردوغان الى مقديشو، كانت أنقرة قد خسرت كل ادوارها وأصدقاءها. وذلك بالتحديد ما يُضفِ على رحلة الرئيس التركي إلى القرن الأفريقي أبعاداً مختلفة.
للبحث صلة

*باحث عسكري واستراتيجي
 

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.