ضرورات إنشاء هيئة لتطوير الصناعة الدفاعية في لبنان

عدد المشاهدات: 296

 رياض قهوجي*
تشهد الصناعات الدفاعية والأمنية المحلية تطوراً مهماً في العالم العربي بشكل باتت جيوش هذه الدول تقترب تدريجياً من الاكتفاء[*] الذاتي في بعض حاجاتها العسكرية بالإضافة الى نمو قدراتها التصنيعية والاقتصادية في مجالات تكنولوجية متعددة. وتعمد الدول العربية المصنعة للأنظمة الدفاعية الى تنظيم معارض عسكرية دولية تكون مناسبة لعرض ما لديها والإطلاع على آخر التكنولوجيا الدفاعية المصنعة في أهم الشركات العالمية من أجل العمل على الإستفادة منها عبر شراكات تبرم مع الشركات المحلية بهدف نقل التكنولوجيا والمعرفة الى الأسواق المحلية مما ينعش اقتصاد هذه الدول.

وأهم الدول العربية التي تملك صناعات دفاعية هي الامارات العربية المتحدة حيث يتواجد فيها اليوم ما لا يقل عن ثلاثين شركة مختصة بالصناعات العسكرية والأمنية المتقدمة وتشمل السفن الحربية والآليات المدرعة والطائرات دون طيار والصواريخ والقنابل الذكية والمدافع الرشاشة والبنادق والمسدسات والذخائر على أنواعها.

كما يشهد الأردن تطورا مهما في مجال الصناعات العسكرية أيضا وهي تنتج اليوم أنواعاً عديدة من المنتجات الدفاعية المتنوعة.

ومن الدول العربية التي تملك صناعات دفاعية المملكة العربية السعودية ومصر والجزائر والسودان وتتبعها اليوم دولا أخرى مثل قطر.

وبالرغم من أن الصناعات الدفاعية موجودة منذ زمن في بعض الدول العربية مثل مصر والعراق، الا أن النمط الجديد والمعتمد في الإمارات العربية المتحدة والأردن يعتمد على المشاركة بين القطاعين الخاص والعام. فالشركات المملوكة كلياً من الدولة لا تملك روح المبادرة والتطور السريع الذي تملكه شركات القطاع الخاص بحكم التركيبة المركزية والبيروقراطية للشركات الحكومية بعكس القطاع الخاص.

لقد ولدت عدة شركات دفاعية عربية ناجحة نتيجة توفر أفكار من شركات محلية لتلبي حاجات مطروحة من المؤسسة العسكرية وتوافر مستثمرين محليين وشركات دولية مستعدة لبيع التكنولوجيا أونقلها للدولة المعنية وتدريب اليد العاملة فيها عليها.

هذا التزاوج بين المؤسسة العسكرية والقطاع الخاص تحت إشراف وتنظيم الحكومة ساهم في نمو الصناعات الدفاعية في الإمارات العربية المتحدة من لا شيء عام 2000 الى أكثر من ثلاثين شركة اليوم. ولقد حازت شركات إماراتية خلال معرض الدفاع الدولي في أبو ظبي هذا الأسبوع على عقود مع القوات المسلحة الإماراتية لا تقل قيمتها عن ملياري دولار أميركي.

ولقد شهدت الصناعات الدفاعية العربية تطوراً مهماً خلال الأعوام الخمس الأخيرة، تمثل بتعزيز التعاون بينها وبين نظيراتها في دول عربية أخرى، خاصة بين الأردن والامارات العربية المتحدة وبين الأخيرة والجزائر. وساهم هذا التعاون بتسهيل تسويق منتجات هذه المصانع في دول عدة، خاصة في افريقيا والمنطقة. واليوم تتنافس شركات دولية على توقيع اتفاقيات شراكة مع شركات دفاعية محلية من أجل تصنيع وتسويق منتجاتها في العالم العربي وافريقيا وآسيا، والتي سجلت نموا كبيرا في وقت شهدت فيه الميزانيات الدفاعية في دول غربية عدة تراجعاً نتيجة الأزمة المالية العالمية.

إن قرار تطوير الصناعات الدفاعية المحلية هو قرار استراتيجي سيادي قبل كل شيء ويساعد تواجد قطاع خاص نشط وقوي على تعزيزه. وهو أمر غير محصور بالدول التي تتمتع بقدرات مالية كبيرة، والأردن خير مثال على ذلك. بل أن الدول المعرضة لتهديدات أمنية-عسكرية وتملك قدرات مالية محدودة لديها دوافع أكثر من غيرها للتعاون مع القطاع الخاص وتشجيعه على الاستثمار بالصناعات الأمنية ليكون لديها اكتفاء ذاتي بحاجات أساسية مثل الذخائر وقطع الغيار والملابس العسكرية والبدلات الواقية من الرصاص.

ان لبنان هو من الدول العربية التي هي بحاجة ماسة اليوم لأن يكون لديها صناعات عسكرية توفر للجيش اللبناني متطلباته الأساسية. فهو يملك قطاع خاص غني ونشط جداً ويختزن طاقات بشرية فيها نسبة كبيرة من الأكاديميين والمهنيين الملمّين بشؤون التكنولوجيا، ويملك جيشاً محترفاً يواجه تحديات عديدة. ويضم قطاع الدفاع الدولي عدداً مهما من المدراء النافذين من أصول لبنانية يستطيعون أن يساهموا كثيرا بانشاء شركات دفاعية محلية. كما أن هناك عدداً من رجال الأعمال والصناعيين اللبنانيين قد طوروا بعض الصناعات الأمنية في لبنان، خاصة في مجال تصفيح السيارات وتصنيع الأبراج المصفحة المتحركة للمدرعات وناقلات الجند وتصنيع خافرات السواحل الصغيرة. لكن هذا كله يجري بمبادرات شخصية ومن دون أي تنظيم أو دعم من السلطات اللبنانية.

فما يحتاجه لبنان اليوم هو تشكيل هيئة وطنية لتنظيم وتطوير الصناعات الدفاعية والأمنية تتبع الى رئاسة الوزراء وتضم مندوبين عن قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي ووزارات الداخلية والدفاع والمالية والصناعة والاقتصاد وغرفة التجارة والصناعة. مهمة هذه الهيئة هي تحديد حاجات الجيش وعرضها على شركات ومستثمرين من القطاع الخاص الذي يقوم بإعداد دراسات جدوى اقتصادية على ما يمكن تصنيعه محليا ومن ثم تقديم عروضه. كما يمكن للقطاع الخاص أخذ المبادرة وتقديم الاقتراحات للهيئة عن نقل تكنولوجيا عسكرية حديثة للبلد. وتقوم الهيئة بمساعد الشركات على الحصول على التراخيص والاذونات الضرورية لها لفتح المصانع وتسويق منتجاتها داخلياً ولمنحها التصاريح لتصدير الأسلحة والمعدات العسكرية للخارج ضمن القوانين الدولية. كما تعمل هذه الهيئة على تعزيز الشراكات والتعاون مع الصناعات العسكرية عربيا ودوليا، وتنظم مشاركة الشركات اللبنانية بمعارض الدفاع عالميا. كما ترعى هذه الهيئة المعارض الأمنية والدفاعية المحلية التي تساهم بشكل كبير بتسويق المنتجات اللبنانية.

ولكن، الى أن تلقى فكرة انشاء الهيئة انتباه واهتمام الدولة اللبنانية، يجب على المؤسستين العسكرية والأمنية اللبنانيتين أن تعززا تعاونهما مع القطاع الخاص لتأمين حاجاتهما، كما يتوجب على المستثمرين والصناعيين أن يقدموا مقترحات عملية وبناءة لتوفير حاجات الجيش وقوى الأمن ونقل التكنولوجيا والعرفة للبلد. فبالنهاية مهما بلغ كرم أصدقاء لبنان تجاه جيشه فان الاعتماد على النفس يبقى الأهم، “فما حك جلدك مثل ظفرك.”

*الرئيس التنفيذي لمؤسسة إينغما

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.