تركيا أردوغان: القرن الأفريقي .. والملاذ الأخير!

segma

عدد المشاهدات: 572

 العميد الركن م. ريشار داغر*
ليس غريباً، في خضم التطورات المتسارعة، أن تحظى تركيا بفسحة إنفراج سياسي، فرضتها الحاجات الدولية، سواءٌ الأميركية،[*] من أجل تدريب المعارضة السورية، أو السعودية، من أجل بناء كتلة إقليمية-سنية لمواجهة التهديد الإيراني، في اللحظة التي باتت فيها طهران تسيطر عبر الحوثيين، على صنعاء المجاورة، وعشية استعدادها لتوقيع إتفاق نووي، مفترض، ومفصلي مع واشنطن.

رغم ذلك، يبقى هذا الإنفراج دون مستوى الحدث الكفيل بإخراج أنقرة من مأزقها السياسي، وأقل من المطلوب لتغيير مشهد الإنتكاسات التي منيت بها. فلا مهمة تدريب قوى المعارضة السورية، في ظل الإختلافات الجوهرية مع واشنطن، ترقى إلى مستوى الدور الإستراتيجي الذي تطمح اليه تركيا على مستوى الإقليم، ولا زيارة أردوغان، المحددة الغايات الى الرياض، تبدو كافية للتعويض عن المقاومة العارمة لمشروعها "السلطاني". وعليه تبقى الخلاصات على حالها: تركيا تعاني مأزق الدور والأصدقاء، والتوجه الى القارة الأفريقية بات في السياسة الأردوغانية علامة فارقة تستحق التأمل.

المشروع الأفريقي لم يبدأ مع زيارة الرئيس التركي في كانون الثاني/ يناير المنصرم إلى الصومال، بل قبل ذلك بأعوام، في العام 2011، يوم قرر أردوغان، كرئيس للوزراء أنذاك، أن يكون الزعيم الأجنبي الأول، والوحيد، الذي يتجرأ على اقتحام مقديشو المفخخة بالمخاطر، لإرساء أولى مداميك سياسة أفريقية طموحة تهدف إلى غزو القرن الأفريقي من البوابة الصومالية. ومنذ ذلك التاريخ حتى اليوم قطعت أنقرة اشواطاً بعيدة في تثبيت حضورها في تلك المنطقة من العالم، إلى الحد الذي باتت معه الصومال تبدو أشبه بمحافظة تركية.

إحدى كبريات المؤسسات الإعلامية وصفت ما يجري بين تركيا والصومال بعلاقة حب عاصفة. فالأعلام التركية التي ترفرف في مقديشو تفوق الأعلام الوطنية. والأتراك، مستثمرون ومدراء وعمال، هم في كل الإدارات والمرافق، من المطارات والموانئ والمستشفيات. وفي كل المشاريع، من المدارس والمساجد والطرقات، حيث يتراءى حضور المؤسسات التركية بشكل فاقع وهي تعمل إما على بناء الانشاءات الضخمة، او على رفع النفايات التي خلفتها الحرب. يختم التقرير: بدأ الصوماليون يسمون أولادهم أردوغان وبناتهم اسطنبول! وفي خضم هذه النجاحات يبقى السؤال: لماذا القرن الأفريقي؟
في خلفيات التوجه التركي نحو مقديشو تتداخل الإعتبارات السياسية مع الإقتصادية والإستراتيجية لتجعل المشروع الصومالي أشبه برأس جسر للعبور نحو منطقة غنية، مترامية كانت ولا تزال لها خصوصياتها المميزة. فالقرن الأفريقي، الذي يمتد من الصومال الى إريتريا مروراً بإثيوبيا وجيبوتي، يحظى بأهمية جيو إستراتيجية بالغة:

أولاً، بسبب موقعه الحساس عند الطرف الشمالي- الشرقي للقارة الأفريقية، وثانياً بفضل ما يختزنه من موارد طبيعة مكتشفة ومخبأة، وثالثاً بسبب علاقات التأثير التاريخية المتبادلة التي تجمعه مع العرب، سواءٌ في منطقة الجزيرة العربية أو في منطقة وادي النيل.

فالقرن الأفريقي، الذي يسمى "السرة" نظراً إلى موقعه في وسط العالم، وبحكم تموضعه الجغرافي بين ثلاثة مجسمات مائية حيوية، المحيط الهندي وخليج عدن والبحر الأحمر، يحظى بوضعية الهيمنة الإستراتيجية على مضيق باب المندب، إحدى أهم البوابات المائية في العالم، وتالياً على البحر الأحمر وصولاً إلى قناة السويس، بكل ما يعنيه ذلك من سيطرة مباشرة على حركة الملاحة البحرية الدولية، التجارية والنفطية والعسكرية، بين الشرق والغرب.

إلى ذلك تخبئ المنطقة إمكانات إقتصادية واعدة بفضل ما تختزنه من يورانيوم ومعادن، ومخزوناتها الكبيرة من المواد غير المكتشفة مثل النفط والغاز الطبيعي. أما الأهم فيكمن في قرب القرن الأفريقي من المنطقة العربية، في تجاورٍ طالما شكل العامل الرئيس لحركة تفاعل تاريخية متبادلة بين شعوب المنطقة الأفريقية ونظرائهم العرب، منذ حكم إثيوبيا لليمن في حقبة ما قبل الإسلام، مروراً بالهجرة اليمنية الكثيفة إلى الضفة المقابلة بعد كارثة إنهيار سد مأرب، وصولاً إلى التمدد العربي نحو الجوار الافريقي تحت راية الإسلام.

من هذه الحقائق يمكن فهم الحماسة التركية للتوغل في القرن الأفريقي، نظراً الى أهميتة الخاصة بالنسبة الى المنطقة العربية. فالقرب الجغرافي من العالم العربي وما أنتجه تاريخياً من علاقات، مضيئة حيناً ومظلمة احياناً، جعلت من القرن الأفريقي منطقة تأثير لا يستهان بها تجاه الدول العربية المجاورة. ثم أن التجارب الصعبة التي حفلت بها العلاقات الأفريقية- العربية في أكثر من محطة سوداء، كالحملات الخديوية- المصرية التي استهدفت القرن الأفريقي في القرن التاسع عشر أو المجازر التي ارتكبت بحق العرب في تانزنيا العام 1964، تركت مخلفاتها الثقيلة من الشك وعدم الأمان في أرضية المنطقة الأفريقية، إلى الحد الذي جعل منها بيئة مؤاتية للإستثمار السياسي ضد العرب، وخاصرة رخوة يمكن استغلالها لتصفية الحسابات او لإنفاذ الإستراتيجيات.

ولعل اكثر ما يوحي به مشهد الإستهداف التركي للقرن الأفريقي أنه يعيد إلى الذاكرة المحاولات الحثيثة التي كانت ولا تزال إسرائيل تبذلها بهدف توظيف خصائص تلك المنطقة من أجل: تعزيز مقومات وجودها، حرمان العرب من الموارد، وترسيخ أمن حراكها الاستراتيجي في أرجاء المنطقة.

فخلال عقدين من ظهور الدول الأفريقية كانت إسرائيل قد أقامت علاقات دبلوماسية مع معظمها، في مسارٍ مدروس شكل الحجر الأساس فيما بعد لـ "استراتيجية المحيط الخارجي" التي كانت إحدى أهدافها تطويق مصر وإجهاض مشروع الوحدة العربية الذي كان يقوده الرئيس جمال عبد الناصر.

هل من الممكن ان تكون كل هذه الحسابات قد راودت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يجول في شوارع مقديشو قبل شهرين؟

لا أحد بالتأكيد يستطيع الجزم وإن كان يصعب في عالم السياسية الفصل بين المبادرات الأخوية والمصالح. ففي ظل المأزق الإقليمي الذي تعيشه تركيا، بعدما سدت في وجهها أبواب الإتحاد الأوروبي، لا يعود مستبعداً أن يصبح الملاذ الأخير لأنقرة في القرن الأفريقي.

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.