حقائق القوة في منطقة الخليج

عدد المشاهدات: 381

 العميد الركن م.ريشار داغر
في عمل الحكومات والدول، يظل تعزيز القوات المسلحة وتطويرها أولوية مطلقة، وجهداً دائماً تستثمر فيه الطاقات والإمكانات، إنطلاقاً مما تمثله قوة الجيوش كعامل حاسم في درء التهديدات التي تعترض الكيانات والأنظمة.

هذا التوجه، بوصفه القاعدة على المستوى الدولي العام، يرتدي في الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج تحديداً، أهميته الخاصة بفعل ما يعتمل في أرضية المنطقة من صراعات مكشوفة ونزعات كامنة، تضع دولها وأنظمتها تحت وطأة كوابيس الحرب، وفي حال تعبئة عسكرية مستمرة عنوانها الكبير: حشد القوة.

في منطقة الخليج، وباستثناء الولايات المتحدة الأميركية التي تملك اليد العسكرية الطولى، وباستثناء القوى اللا- دولتية، التي تندرج في خانتها التنظيمات المسلحة على اختلاف مشاربها، ظلت الهيمنة على ميزان القوى العسكرية منوطة لحقبةٍ طويلة بثلاث قوى [*] إقليمية كبرى، إيران والعراق ودول مجلس التعاون الخليجي، وإن كانت استراتيجية بناء القوة، بخلفياتها وغاياتها ووسائلها، تختلف بين دولة وأخرى.

ولإن القوات البرية تبقى بلا منازع روح المعركة وسيدتها، يظل المعيار الحقيقي لمستوى القدرة العسكرية للدول رهناً بما تحققه جيوشها من تطورٍ على صعيد خوض الحروب التقليدية، وتالياً على صعيد تطوير منظومات قتالها البري. ومن هنا يصبح لتقويم واقع القوات البرية في منطقة الخليج اهميته القصوى في تحديد الموازين ورسم الإتجاهات.

فالقوة العسكرية الإيرانية لا تزال ترتكز على قدراتها الصاروخية الكبيرة التي تشكل عصاها الغليضة وأبرز عناصر ترسانتها، يترافق ذلك مع إمكاناتٍ متينة في مجال الحرب اللاتماثلية وحروب الإنابة، وكلاهما لا يزالان حتى الساعة يشكلان الرافعة الاستراتيجية الحقيقية لمشروع طهران الجيوبوليتكي في المنطقة. في حين يبقى التقويم العام لقواتها التقليدية موسوماً بالترهل والتآكل والقصور في الفعالية.

والواقع، أنه على رغم المخزون الكبير من الأسلحة التقليدية الذي لا تزال إيران تمتلكه من مرحلة ما قبل الثورة الإسلامية، وما أضيف اليه من أعتدة محدودة الحجم، فإن كل ادعاءاتها حول تطوير قدراتها البرية تبقى بلا ترجمة مع انعدام المنظومات الجديدة والأسلحة الحديثة. يضاف إلى ذلك، أن خيار الذهاب إلى بناء صناعات عسكرية محلية تحول دونه صعوبات كبيرة لم تنجح قوى أكبر في تجاوزها، ما يبقي القدرة الإيرانية، حتى إشعارٍ آخر، محصورة بالحرب اللا تقليدية.

وليس بعيداً، يأتي واقع القوات المسلحة العراقية ليظهر حجم التحولات الكبيرة التي طرأت على موازين القوى في الخليج خلال عقدٍ واحد. ففي غضون أسبوعين من الإجتياح الأميركي تحول الجيش العراقي من القوة الأولى خليجياً وعربياً الى الأضعف حتى التلاشي. وعلى رغم الإمكانات الهائلة التي ضخت فيها، خلال العقد الماضي، لا يزال بناء القوات المسلحة العراقية مشروعاً قيد الإنجاز حيث انها لم تصل بعد إلى المستوى الذي يخولها التصدي بفعالية ولو لحركات الإرهاب والتمرد.

حالياً يبلغ عديد الجيش العراق271000 جندي، مجهزين بترسانة صغيرة نسبياً من الأسلحة البرية التقليدية. فمن أصل 2200 دبابة كان يملكها في العام 2003 تقتصر القوة المدرعة اليوم على 336 دبابة من أنواع مختلفة؛ أبرامس، ت 72، و ت55. ومن أصل 1900 مدفع ميدان بات يملك اليوم 138 مدفعاً مقطوراً و48 مدفعاً ذاتي الحركة. تواكب هذه القوة الرئيسة منظومة واسعة من عربات القتال والنقل تبلغ حوالي 5000، من أنواعٍ مختلفة معظمها أميركي الصنع.

في دول مجلس التعاون تبدو صورة القوات البرية مختلفة. فمنذ العام2003 بدأت مخططات بناء القوة تأخذ في الإعتبار إنكفاء الخطر العراقي، والحاجة الملحة لردع التهديد الإيراني الجديد واحتوائه، وتستجيب خصوصاً لتهديدات صعود الإرهاب. وقد نجحت دول المجلس خلال الأعوام العشرة الماضية في قطع أشواط كبيرة في عملية تطوير قواتها المسلحة إلى الحد الذي باتت تشكل منظومة عسكرية محترمة مجهزة بأحدث ما في الترسانة العالمية من أسلحة وتجهيزات حديثة، على رغم ما لا يزال يعتري هذه القوات من ثغرات في عددٍ من النواحي العملانية، كالإفتقار إلى وحدة الجهود في خوض الحروب ونشر القوى، إضافة إلى ما يرتسم من علامات استفهام حول مستويات التدريب والاحترافية في عددٍ من الجيوش المنضوية تحت راية مجلس التعاون.

وفي قراءة خاطفة لواقع القوات البرية في دول مجلس التعاون يمكن إستخلاص عددٍ من العلامات الفارقة.

• أولها، الضآلة النسبية للعنصر البشري في القوات البرية في معظم دول مجلس التعاون باستثناء المملكة العربية السعودية، ما يشكل عائقاً رئيساً دفع كلٍ من الإمارات العربية المتحدة وقطر إلى إعتماد التجنيد الإلزامي للتعويض عن النقص البشري، وأحد الدوافع لفكرة التعاون العسكري مع قوى اقليمية ذات قدرات بشرية كبيرة، مثل باكستان ومصر.

• ثانيها، تبوؤ المملكة السعودية والإمارات مركز الثقل النوعي في القدرة العسكرية البرية الخليجية على مختلف الصعد، من عديد وتجهيز وتسلح، وعلى النحو الذي بات يؤمن لدول مجلس التعاون قدراً كبيراً من عناصر التوازن الاستراتيجي في المنطقة.

• ثالثها، إيلاء أهمية خاصة لعملية بناء القوات الخاصة التي قطعت أشواطاً بعيدة في التدريب والتجهيز. إلى جانب الدفق المستمر للآليات المدرعة الأكثر تطوراً من دبابات وعربات قتال وآليات خفيفة، ما حقق لقوات مجلس التعاون قدرات ممتازة في مجالات الحماية والحركية وقوة النيران، الركائز الثلاث للعمليات الهجومية. وذلك على رغم الإفتقار الى القوات المناسبة لعمليات الإنقاذ الآلوي والصيانة التي لا يزال يعهد بها الى متعاقدين مدنيين.

الآن، وفي خضم ما تشهده المنطقة من تطورات عسكرية بالغة الخطورة، تبرز الحاجة الملحة، إن على صعيد دول مجلس التعاون، او على مستوى العالم العربي، للتركيز أكثر فأكثر على تزخيم فعالية القوات البرية، بالتدريب النوعي ورفع مستوى الإحترافية في موازاة التسليح والتجهيز، من اجل التصدي لموجات التهديدات الجديدة، تلك التي باتت تتداخل في تكوينها المواجهات التقليدية مع الحروب اللاتماثلية، والحروب الأهلية المسلحة مع الأعمال الإرهابية وقتال العصابات.

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.