الصناعات العسكرية التركية: رافعة سياسية واقتصادية

segma

عدد المشاهدات: 621

 ريشار داغر
في التقويم الجيوبوليتيكي لمكانة الدولة، يبقى العنصر الأهم في قدرتها على إنتاج عناصر القوة المسلحة ذاتياً، وليس في إمتلاكها فحسب. هذا الفارق بين من يستورد مكونات القوة، وبين من ينتجها ويصدرها، طالما شكل الفارق الجوهري ما بين الدول "التابعة" المحكومة في سياساتها، وحتى في حدود إستعمالها للقوة، وبين الدول "المتبوعة" القادرة على إملاء الخيارات وتحديد الإتجاهات. في هذا السياق تبرز تركيا، بوصفها النموذج الأمثل، على المستويين الإقليمي والدولي، لمشروع الخروج من حال الدولة المتكلة دفاعياً، إلى وضعية الدولة القطب، المكتفية ذاتياً.

في عشرينيات القرن الماضي، أطلق مصطفى كمال، مؤسس تركيا الحديثة، شعار "الإستقلال والحرية" للتعبير عن التوجهات التي تملي سياساته والغايات التي يسعى اليها. وخلال العقود الماضية تحول هذا الشعار الى ما يشبه الفلسفة المهيمنة على سياسات [*] أنقرة وثقافتها، بل حقيقة راسخة جاءت أبرز ترجماتها في مجال الصناعات العسكرية، بعد أن بات مشروع "الإستقلالية والتحرر" دفاعياً هاجس القيادات التركية المتعاقبة.

وقد جاء حظر الاسلحة الذي فرض على أنقرة في العام 1974، نتيجة تدخلها العسكري في الأزمة القبرصية، ليشكل نقطة التحول في مسيرة صناعتها العسكرية، والدافع الذي أدى لاحقاً في العام 1985 إلى إنشاء وكالة خاصة للتصنيع العسكري بهدف تحقيق الإكتفاء الذاتي. وعلى مدى العقود اللاحقة ظلت الصناعة الدفاعية في تركيا تتقدم بوتيرة تصاعدية، كماً ونوعاً، حتى باتت اليوم إحدى أهم رموز العنفوان الوطني، وإلى الحد الذي تمكنت معه تركيا من تحقيق قدرٍ كبير من الإكتفاء الذاتي في المجالات الدفاعية، لا بل التحول الى واحدٍ من أبرز منتجي المكونات الدفاعية في العالم، ومصدراً أساسياً لاستيراد السلاح لعددٍ من الدول.

فخلال الأعوام العشرة الماضية، إنكبت أنقرة على تنفيذ سياسة إنتاج دفاعية طموحة قائمة على ركيزتين أساسيتين: الأولى، مشاريع لإعادة الإنتاج الحربي بموجب إتفاقات تعاون مع شركات دولية كبرى، كما هي الحال في المشروع الحالي لإنتاج الطائرة الحربية F-35. والثانية، مشاريع لصناعات مطورة داخلياً من دون مساعدة خارجية، أو بالقليل منها. وهذا الخيار هو ما يجري التركيز عليه بصورة حثيثة، من خلال توظيف الطاقات والجهود في البحوث والتطوير، ولأنه يشكل الهدف النهائي لصناع القرار.

اليوم وبعد أعوامٍ من الجهود المكثفة تبرز إنجازات الصناعة العسكرية في تركيا بصورة واضحة إن على صعيد تحقيق الإكتفاء الذاتي من جهة، أوعلى صعيد تصدير الإنتاج الحربي من جهة ثانية. فعلى المستوى الأول توصلت أنقرة في العام 2012 الى إنتاج حوالي 60% من مجموع تجهيزاتها الدفاعية في الداخل مقارنة بـ25% في العام 2003. فيما تظهر تقديرات مؤسسة الصناعات الدفاعية والفضائية أن حجم الإستيراد الحالي من الحاجات الدفاعية لم يعد يتعدى 10%.
وعلى المستوى الثاني باتت تركيا اليوم تحتل المرتبة 14 بين الدول المُصدرة للسلاح، بعد أن تحولت مصدراً رئيساً لتلبية الحاجات الدفاعية لدولٍ متعددة مثل باكستان واذربيجان وتركمانستان. في الوقت الذي بدأت حماسة الإقبال على منتجاتها تتجاوز الدول الإقليمية لتصل الى الأمم المتحدة، التي وقّعت في العام 2013 عقداً لشراء عربات مدرعة من نوع OTOKAR التركية الصنع بقيمة 246 مليون دولار. وفي العام ذاته بلغت قيمة العائدات التي حققتها الصناعات الدفاعية التركية 1.4 مليار دولار، اي بزيادة 10% عن العام السابق، في حين يبقى الهدف الأساسي لأنقرة التوصل في العام 2023 الى اقتطاع حصة 25 مليار دولار من سوق السلاح العالمي المتوقع أن يبلغ 2.5 تريليون دولار.

إستعراض الواقع الراهن للصناعات العسكرية التركية يظهر بأن طموحات أنقرة في مجالات الإكتفاء الذاتي والتصدير لا تأتي من فراغ، ذلك أن في تركيا اليوم أكثر من 500 مؤسسة منخرطة في شتى مجالات الإنتاج الحربي الذي تحتاجه الأضلع الثلاث للقوات المسلحة، البرية والبحرية والجوية، بكل ما يتضمنه ذلك من منظومات قتالية وأنظمة قيادة وسيطرة والكترونيات وذخائر وصولاً الى الطائرات الحربية.

في طليعة المشاريع الطموحة التي حققتها تركيا تأتي الطائرة من دون طيارAnKa ، وهي نظام جوي مصمم للتحليق على إرتفاع متوسط ولوقت طويل، أنتجتها شركة صناعات الفضاء التركية TAI)) لتلبي حاجات الإستطلاع التكتي والمراقبة للقوات التركية، فيما تستمر الأبحاث لتطوير هذا النظام ليصبح قادراً على الإضطلاع بمهمات قتالية.
في الأهمية عينها، يأتي إنتاج السفينة الحربية MILGEM ليظهر مستوى التطور الذي حققته الصناعات التركية في مجال المنظومات البحرية: طراد متعدد الوظائف، مصمم للقيام بعمليات الإستطلاع وتحديد الأهداف، إلى جانب الإنذار المبكر والقتال ضد الغواصات. وقد بدأ يستقطب، منذ وضعه في الخدمة في العام2011 عروض الشراء من عدد من الدول في مقدمها كندا وباكستان.

على صعيد القوات البرية تتقدم الى الواجهة آليات القتال المدرعة التي تتضمن نماذج مختلفة من ناقلات الجند وعربات المشاة، أبرزها العربة FNSS PARS التي عرضت للمرة الأولى في العام 2005 في أبو ظبي وباتت اليوم تنافس مثيلاتها السويسرية PIRANAHA والهولندية PATRIA AMV. إضافة الى عربات القتال من نوع BMC KIRPI المصممة لمواجهة الكمائن المفخخة بالألغام.

أما البيرق الأهم للصناعات التركية فيبقى في مشروع إنتاج دبابة القتال الرئيسية ALTAY، التي يجري العمل على تطويرها بين تركيا وشركة HYUNDAI ROTEM في كوريا الجنوبية، في مسعى جدي لاستبدال الدبابات القديمة في الترسانة التركية، وإنجاز التحرر الكامل من عبء الإستيراد.

أمام هذه الخطوات الهائلة التي حققتها صناعتها العسكرية يمكن القول أن تركيا باتت اليوم على مشارف وضعية الدولة القطب القادرة على تحقيق الإكتفاء الذاتي على صعيد القوة، على تحرير قرارها السياسي من التبعية، وعلى إقتحام الساحة الدولية كقوة مؤثرة في تصدير السلاح وكل ما يدور في فلكه من مكتسبات سياسية وإقتصادية.

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.