الإرهاب لتكريس الفراغ

عبدالله الجنيد

segma

عدد المشاهدات: 566

اولاً يستوجبنا الحال العربي أن لا ننغمس في جدل لغوي او فقهي في تناولنا للإهارب من حيث الفكر او الفعل لأن الدم أول عناوينه، ليفظي للقهر والخراب كثقافة وإرث. فالعنف هو المنهجية الوحيدة للتنظيمات الإرهابية حتى المتبناة منها من قبل “دول” و لو بشكلاً مستتر مثل طالبان بشقيها الباكستاني و الأفغاني. فتحديداً وبإعادة قراءة تاريخ ذلك التنظيم بعد الغزو الأميركي لأفغانستان لا قبله، سيجد أن هذا التنظيم بشقيه مثل حقل التجارب الاول القابل للاستنساخ في أكثر من مكان لاحقاً عبر برامج غربلة في اكثر من ظرف مكاني يملك خاصية استدامتها. فطالبان أفغانستان احتضنت من قبل دول “سياسيا” لأنها تمتلك خاصية لم تمتلكها القاعدة مثلا لكون الأولى “نتاج ثقافة المكان أو البيئة” بخلاف القاعدة.

نجاحات طالبان بتفريعاتها هناك قاد لتخليق داعش معتمدة على نفس منهجية ” ثقافة المكان او البيئة ” في اماكن جديد ، فداعش تم تخليقها في العراق بعد وقت لاحق للغزو الامريكي في ٢٠٠٣ ، و الذي عكف اولا على تدمير كل هياكل الدولة القائمة مما مثل تهيئة المناخ و البيئة الطبيعية القابلة لاستدامة تنظيم مثل داعش. فداعش في نسختها القائمة جاءت بعد عدة تجارب ميدانية فاشلة في التخليق نتيجة عدم تهيأوا الظرف المناسب لاستدامتها، لكن انتفاضة الأنبار العراقي و الثورة السورية أوجدت نقاط التقاء مصالح بين نظامي المالكي و بشار الاسد في التوظيف الأمثل لها عبر حدود بلديهما الى حين وقت دخول أطرافا اخرى على خط تقاطع المصالح الإقليمية معهما ، ولاضفاء ابعاداً اخرى في التوظيف الميداني والسياسي و الإعلامي لذلك التنظيم.

ما سبق يقودنا لطرح سوْال آخر: هل الموقف العربي سياسيا من داعش هو الأمثل! فبقراءة النتائج تتضح ان احد اكبر الأخطاء التى وقع فيها الموقف السياسي العربي من داعش هو التسليم الاولي او الاقرار بالتصور الامريكي لذلك التنظيم، مما خدم قدرة التوظيف الإعلامي و السياسي لداعش . و اكبر اشكال ذلك التوظيف هو التواصل العسكري ميدانيا بين الولايات المتحدة و إيران في العراق الى حد اعتبارها شريكا اصيل في الحرب على داعش، بل حد السماح لإيران بتنفيذ غارات محدودة ضد أهداف لداعش في الشمال العراقي لاسترضاء إيران في ملفات اخرى على رأسها ملفها النووي ، و ثانيا تاخر حسم الملف السوري و وصول الوضع الانساني فيها الى ما تجاوز الكارثة الانسانية.

  بريطانيا بصدد إرسال نحو ألف جندي من القوات الخاصة إلى ليبيا

داعش ستستمر في التدحرج جغرافيا حسبما تقتضية تقاطع المصالح وما مبايعة انصار الشريعة و القاعدة في ليبيا للبغدادي أميراً عليها الا محاولة لتحقيق أكثر من هدف:

أولاً: اعادة هيكلة تواجد الفصيل الام “القاعدة” في الشمال العربي الأفريقي بالاستحواذ على تنظيمات تفتقد لهيكلية تنظيمية و عملياتية واضحة، لذلك جاء اول تصريح لتركي البنعلي ممثل البغدادي في شمال افريقيا بضرورة مسارعة الجميع الى مبايعة البغدادي او تحمل عواقب ذلك.

ثانياً: توافر البيئة السياسية و الاجتماعية بشكل امثل في ليبيا (( حينها )) مما هو علية الحال في العراق او سوريا نتيجة الاستهداف العسكري للتنظيم و تغير الموقف السياسي، ولكونها الحاضن الأمثل مؤقتا لتكريس حالة الدولة الفاشلة. ليبيا مثلت مدخلا من ناحية الجغرافيا والديمغرافيا قابلتين للتوظيف بشكلاً سريع لتقاطع المصالح.

ثالثاً: حاجة الطرف السياسي الأضعف حاليا “تيارات الاسلام السياسي عبر البرلمان المنحل” لزخم سياسي ميداني يعطي محادثات الشراكة السياسة المهددة بالتعطل حينها و الانهيار كلياً الان لبعداً جديد، لذلك جاءت تلك الجريمة في حق ٢١ مواطنا “مسيحي” مصري حينها فقط لأحداث الصدمة النفسية القابلة للتوظيف المعنوي.

لكن ما يجب أن يشغلنا حقيقةً هو توافر ظروف مماثلة لليبيا في اكثر من موقع يمتد الى عمق افريقيا الوسطى غربا (بوكوحرام) وهذا شان يجب ان يجابة بجهد دولي حقيقي، لكن الهدف الحقيقي لهذا الدفق المتدحرج لداعش سوف يكون الشرق الأفريقي والقرن الأفريقي تحديدا. فالصومال تمثل اكبر أمثلة الدولة الفاشلة وتمتد جغرافيا في شكل خنجر الى خاصرة الجزيرة العربية. فداعش ليست تنظيما ارهابيا بل آلية خُلقت لتثبيت حالة الفراغ السياسي عربيا لا لخلق دولة الخلافة، فهي اداة تكتيكية لمشروع سياسي وعلينا التعامل معها من ذلك المنطلق لا باي شكل اخر. ولندرك سريعا ان الاستمرار بقبول حالة الفراغ السياسي في الخواصر العربية يجب ان يتم التعامل معه من باب التهديد المباشر للامن القومي اولا و ليس السياسي القابل للتعاطي عبر اليات الدبلوماسية التقليدية.

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.