الدفاع المدني معيار للحكومات الناجحة

 العميد م. ريشار داغر
في طليعة الوظائف التي بدأت الدول الحديثة تضطلع بها، تشكل مهمة حماية المدنيين من المخاطر، البند الذي يحظى بأولوية الإهتمامات والجهود[*]، لابل مجال المسؤولية الرئيس الذي يتم على أساسه تقويم نجاح الدول، إنطلاقاً من الأهمية المطلقة للمكون الإنساني، بوصفه حجر الزاوية الذي تقوم عليه الأمم، ولأن في أمنه وسلامته غاية الغايات.

في ظاهر هذه المسؤولية ما قد يأخذ التفكير إلى القوة المسلحة، بوصفها صمّام أمان الحماية في مفهومها العام. بيد أن التجارب المختلفة التي واجهتها الأمم، أظهرت قصور القدرة العسكرية على مواجهة كل الأخطار التي تتهدد المواطنين، خصوصاً حين تصبح الكوارث مصدرها الأول. فخلال الحرب العالمية الثانية  لم يكن هاجس القوى المتحاربة كيفية إدارة المعارك أو التعامل مع التطورات العسكرية، بمقدار ما كان في كيفية حماية المدنيين العزّل من مفاعيل الحرب، بعدما بدأت عمليات القصف الجوي تستهدف، عن سابق تصور وتصميم، التجمعات السكانية والمنشآت الصناعية في المدن والعواصم المختلفة على مسرح الحرب، مخلفة الملايين من القتلى والجرحى والمنكوبين، في غياب أي منظومة قادرة على مواجهة مثل تلك الأزمات الهائلة.

وبمعزلٍ عن هواجس الحروب، ظلت الكوارث، سواء الطبيعية منها أو المرتبطة بالتطور والتكنولوجيا، مصدر الرعب الأكبر الذي يتهدد المجتمعات، في ظل العجز المبرر للحكومات، أياً تكن إمكاناتها، عن مواجهة الدمار الشامل الذي تنزله ثورات الطبيعة في استهدافاتها العشوائية، كما حصل على سبيل المثال في بنغلادش في العام 1970 عندما أصابها الإعصار BHOLA حاصداً نصف مليون ضحية، في مشهد كوارثي لا يزال يتكرر في شتى أصقاع الأرض من دون نمط محدد أو مواعيد ثابتة، تواكبه استحالة واضحة في إرساء معادلة مواتية لمواجهة أعمال الطبيعة او ما يعادلها من أعمال الانسان.

وحتى نهاية الحرب الباردة، ظل الدفاع المدني في مفهومه العام يتركز على معالجة مفاعيل الحروب، سواء التقليدية منها أو النووية، خصوصاً بعدما بدأت سيناريوهات الدمار الشامل تشكل أسوأ كوابيس العالم الغربي. وسط جدال لم يتوقف حيال مدى صلاحية الدفاع المدني كخيار في التصدي لهذا النوع من التطورات الكارثية، ونقاشات مستفيضة كانت تتناول عدم التناسبية بين الموارد الهائلة المطلوبة لإقامة منظومات قادرة على الإضطلاع بهذه الأدوار وبين النتائج المتواضعة التي يمكن أن تحققها على أرض الواقع.

ومنذ سقوط جدار برلين حتى اليوم بدأ مفهوم الدفاع المدني بالتحول الجذري من التركيز على الهجمات العسكرية ومفاعيل الحروب إلى التعامل مع الكوارث والأزمات، وفقاً للتصور الذي تضعه الدولة، اي دولة، لمجابهة مثل هذه الأوضاع. وقد ظل هذا التصور عرضة للتفاوت، في مستوى طموحاته وإمكانية تحقيقه، بين دولة وأخرى نتيجةً للتفاوت في الظروف والموارد والمقومات، ليتخذ في أمثل صوره استراتيجة متكاملة تقوم على مبدأ تقدير المخاطر المحتملة والإستعداد لمواجهتها عبر خطة من ثلاثة عناوين:

أولها، وضع الإجراءات الوقائية وتدابير الأمان المناسبة لمنع ما يمكن منعه من الحوادث التقنية – الصناعية التي تندرج في خانة "أفعال الإنسان"، في المرافق والمؤسسات الحساسة، كالمنشآت النووية ومعامل الطاقة ووسائل النقل الجماعية.. وبما يضمن إقامة منظومة متشددة من الضوابط الكفيلة بالحؤول دون وقوع الكوارث الواقعة ضمن هذا النطاق.     

 ثانيها، التحضير لمواجهة الكوارث الطبيعية، كالزلازل والأعاصير والفياضانات، عبر فرض إجراءات عصرية، على مستوى البنى التحتية والمباني الجديدة والمنشآت العامة، تكفل التخفيف من وطأتها واحتواء مفاعيلها. ومن خلال توظيف التقنيات الحديثة من أجهزة رصد وترقب، لإستباق حصولها حين يكون ذلك متاحاً، ولإتخاذ تدابير الإنذار والإخلاء والحماية، على النحو الذي يخفض تأثيراتها إلى حدودها الدنيا.

 ثالثها، تجنيد كل ما يمكن توفيره من مؤسسات وموارد وإمكانات في خدمة جهود المواجهة والإغاثة والإنقاذ حين يتخطى حجم الحدث الكارثي قدرة كل التدابير السابقة على منعه، كالإنفجارات البركانية، أو التسوناميات المدمرة، او الحرائق الضخمة. وذلك من خلال خطط معدة سلفاً لمختلف حالات الطوارئ، تأخذ في الإعتبار الوضع الطبيعي الخاص للدولة، تاريخها في مجال الكوارث ، والإمكانات المتوافرة بين يديها.

ولأنه من شبه المستحيل التنبؤ المسبق بهذه الأشكال المخيفة من الكوارث الطبيعية وسواها، وبحجم مفاعيلها التدميرية، يصبح من الصعوبة بمكان رسم صورة واضحة تحدد ما يمكن فعله في حالات كهذه، وحجم التدخل الكفيل بالسيطرة على الوضع. فما أثبتته التجارب أن لقدرة مؤسسات الدفاع المدني، بشكلها الرسمي، حدودها الموضوعية والواقعية التي تمنعها من مجابهة هذه الحالات بالفاعلية المرجوة، حقيقة جعلت الكثير من الحكومات تقف عاجزة ومستغيثة عند مواجهة الكوارث، وشكلت في غالبية الأحيان دافعاً جدياً لتحرك دولي من أجل مؤازرة الدولة المنكوبة.

ولهذه الأسباب عمد الكثير من الدول المتطورة إلى التعامل مع مفهوم الدفاع المدني كجزء لا يتجزأ من منظومة الدفاع الكلي، كما هي الحال في السويد مثلاً، أو في روسيا حيث تشكل وحدات الدفاع المدني مكوناً رئيساً من القوات المسلحة، وهي التي تدخلت إثر حادثة تشيرنوبيل في العام 1986 لإنجاز مهمة إزالة الركام النووي. أو في الولايات المتحدة التي أنشات منظومة خاصة لهذه الغاية، الوكالة الفيديرالية لإدارة الطوارئ، تعمل تحت إشراف وزارة الأمن الوطني، والتي غالباً ما تستعين بقوات الحرس الوطني للمساعدة في حالات الطوارئ الصعبة.

من هنا، وأياً تكن طبيعة المخاطر التي تتهدد المواطنين، يبقى الدفاع المدني في مفهومه العام واستراتيجيته ومؤسساته، نطاق الإختبار الأهم للأنظمة والحكومات، ومنظومة الآمان التي ينبغي أن تحظى بأولوية الاهتمام في كل دولة يكون فيها الإهتمام بالإنسان موقع الصدارة.

segma
About سامي أورفلي 18799 Articles
حائز على شهادة جامعية باختصاص إدارة الأعمال. خبرته في مجال التصميم الجرافيكي وتصميم مواقع الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات والطباعة تتعدى الأربعة عشر عامًا في شركات متعددة لبنانية ودولية. كان منظمًا أساسيًا في معرض ومؤتمر الأمن في الشرق الأوسط SMES2015. وهو يشغل اليوم منصب المدير المسؤول عن تطوير وصيانة موقع sdarabia.com وإدارة مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة به، بالإضافة إلى تصميم وإخراج مجلة الأمن والدفاع العربي الفصلية، والتصاميم الجرافيكية والحملات الدعائية كافة.

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.