الأبرز

ضرب “داعش” داخل سوريا دون التنسيق مع الأسد.. لماذا لم تتحرك أنقرة قبلاً؟

segma

عدد المشاهدات: 376

وليد مرعي
كانت تركيا لوقت طويل شريكا مترددا في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"[*]، حيث كانت تصر بدلا من ذلك على ضرورة الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد، كما كانت تعتبر أن القوات الكردية السورية – التي تحارب داعش في سوريا – تشكل خطرا كبيرا على أمنها القومي.

ويبدو أن التطوارت الأخيرة دفعت أنقرة على ما يبدو للتحرك، إلا ان التوقعات ستحددها بشكل أكبر طبيعة وحجم العمليات التركية خلال الأيام المقبلة. من التوقعات أن أنقرة ستهاجم تنظيم الدولة الإسلامية عبر الحدود السورية، بينما تلاحق أعضاء حزب العمال الكردستاني – المحظور الذي تصفه أنقره بأنه منظمة انفصالية – في الداخل. وما يلفت النظر في التصعيد التركي المفاجئ هو وضع المسؤولين الأتراك من وصفوهم بـ "المتشددين الأكراد اليساريين" في ذات الخانة مع "داعش".

ففي حين قطع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وعداً باتخاذ إجراءات أكثر حسما ضد الأصوليين المتشددين والمسلحين الأكراد بالداخل على حد سواء، قال رئيس الوزراء أحمد داودأوغلو، في أحدث تصريح له، إن أنقرة "لا يمكن أن تقف على الحياد في وقت يستهدف فيه تنظيم الدولة والأكراد واليساريون تركيا. وأوضح في مؤتمر صحفي في 24 تموز/يوليو بأن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن الحرب على داعش قطعت شوطا بعيدا، وأن التقدم فيها ليس مرتبطا بالهجوم الذي وقع على الحدود التركية، بل أنه "كان قرارا تم اتخاذه على أساس الأمن القومي التركي". وأضاف: "نحن ملتزمون بالتخلص من التهديدات على الأمن القومي".

وقد تسارعت الأحداث بعد الإعلان التركي عن تنفيذ أولى الضربات ضد أهداف لداعش داخل الأراضي السورية، مما أثار تساؤلات عدة حول توقيت وهدف هذه العمليات، والسؤال الذي طرح نفسه: لماذا لم تتحرك أنقرة من قبل ضدهم؟

فوسط استمرار الضربات الجوية التركية على أهداف للتنظيم المتشدد على الحدود السورية – حيث شنت طائرات حربية سلسلة غارات – قام سلاح الجو كذلك بالإغارة على مواقع شمال سوريا، في منطقة يسيطر عليهاحزب الاتحاد الكردستاني، وعلى مواقع لمسلحين أكراد في شمال العراق. وذكر مكتب رئيس الوزراء في بيان أن مقاتلات اف-16 أقلعت من قاعدة في ديار بكر بجنوب شرق تركيا، في الساعات الأولى من صباح الجمعة في 24 تموز/يوليو، وقصفت مقرين ونقطة تجمع لمتشددي الدولة الإسلامية "داعش" قبل أن تعود إلى قاعدتها.

وفي وقت لم يصدر أي بيان رسمي بشأن الغارات على حزب العمال، أكدت مصادر تركية استهداف مواقع داعش في سوريا مجددا. وكانت طائرات تركية قد شنت أول هجوم على مواقع التنظيم من المجال الجوي التركي دون التحليق فوق سوريا، في تطور لافت للسياسة التركية.

وأوضح رئيس الوزراء التركي بعد إعلان شن الغارات انه "لا يوجد تنسيق مع نظام الأسد"، وانه التزاما بقرار من البرلمان التركي فإن الطائرات لم تخرق المجال الجوي لسوريا، "فقد تم قصف الأهداف دون الدخول إلى مجالها الجوي، ولكن إذا دعت الحاجة فسوف نذهب كذلك" – بحسب ما قال أوغلو – الذي أكد أن أي تهديد يقترب من حدود بلاده سوف تتم مواجهته بشدة.  

وجاء تحرك أنقرة بعد ساعات من قول مسؤولين في واشنطن إنها سمحت بانطلاق طائرات مقاتلة أميركية من قاعدة أنجرليك قرب الحدود السورية، متراجعة عن رفضها السابق. وأتى هذا التغير في الموقف بعد معارك بالأسلحة عبر الحدود بين الجيش التركي والمتشددين، وفي أعقاب تفجير انتحاري دام في جنوب شرق البلاد يشتبه بأنه من تنفيد "داعش".

وذكر مسؤولو دفاع أمريكيون في 23 تموز/يوليو أن تركيا وافقت على السماح لطائرات أمريكية – يعمل عليها طيارون – بشن ضربات جوية ضد متشددي الدولة الإسلامية، من قاعدة إنجرليك الجوية القريبة من الحدود السورية. وتنطلق بالفعل من القاعدة طائرات أمريكية بدون طيار، وقد تكون هناك ميزة كبرى للطيران برحلات مأهولة تنفذ ضربات ضد أهداف في سوريا، بعد ان كانت هذه الطلعات تنطلق من الخليج.

وكان الهجوم الإرهابي الذي وقع في بلدة سروج، التي تسكنها غالبية كردية وتقع قرب الحدود مع سوريا، قد أودى بحياة 32 شخصا وأصاب العشرات بجروح، معظمهم من الأكراد. وأثار الهجوم غضبا في تركيا، حيث فرقت الشرطة في اسطنبول مساء 24 تموز/يوليو، بالغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، مئات المتظاهرين الذين كانوا يدينون تنظيم الدولة. وهاجم المتظاهرون داعش والحكومة المحافظة الحاكمة منذ العام 2002 على حد سواء، واتهموها بغض النظر عن نشاطات تنظيم الدولة على الأراضي التركية.

وتزامنت الضربات الجوية، التي جاءت بعد اتصال هاتفي بين إردوغان والرئيس الأمريكي باراك أوباما بأيام – واتفقا خلاله على العمل معا للحد من تدفق المقاتلين الأجانب وتأمين الحدود التركية – مع سلسلة من حملات المداهمة نفذتها الشرطة في جميع أنحاء البلاد لاعتقال مئات ممن يشتبه بأنهم متشددون، بينهم من ينتمون لجماعات كردية.

هذا وكان حزب العمال الكردستاني قد حارب، عبر ما يسمى بوحدات حماية الشعب الكردي، تنظيم الدولة "داعش" في كوباني وبلدات محيطة، وبات يسيطر على جانب هام من الحدود مع تركيا. ولدى حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي في سوريا علاقات وطيدة بحزب العمال الكردستاني، المصنف كمنظمة إرهابية في تركيا.

ويسيطر الأكراد على ثلاثة قطاعات معزولة، هي عفرين في شمال غرب سوريا وكوباني في شمال الوسط والجزيرة في شمال شرق البلاد، ووسع الحزب الكردي من مناطق نفوذه ليشمل 60 ميلا من الأراضي الواقعة تحت سيطرة داعش بين قطاعي الحزيرة وكوباني، وأقام منطقة نفوذ يبلغ طولها 250 ميلا.

ويبدو ان أنقرة تخشى من أن يقرر الحزب الربط بين القطاعات الثلاثة، من خلال التحرك أكثر نحو الغرب والاستيلاء على أراض بين منطقتي أعزاز وجرابلس" التي يسيطر عليها تنظيم الدولة، وتريد استباق تنفيذه طوقا محتملا على حدودها". 

ويفسر ذلك إعلان تركيا عزمها فرض منطقة حظر طيران على شريط حدودي داخل الأراضي السورية – وهو ما سيمنع الطيران الحربي السوري من التحليق فوقها – ومن المتوقع أن تتيح هذه المنطقة مجالا آمنا لمقاتلي المعارضة السورية، مما يجعل منها نقطة انطلاق ضد كل من تنظيم الدولة والنظام السوري. ومن ناحية أخرى، فإن تقوية المعارضة السورية سيحول دون امتداد نفوذ الأكراد في هذه المنطقة، حيث تواجه تركيا تزايداً في انعدام الأمن على حدودها البالغ طولها 900 كيلو متر مع سوريا.

ويقول منتقدو إردوغان إنه مهتم بشكل أكبر بكبح المقاتلين الأكراد السوريين، خوفا من أن تؤدي المكاسب التي حققوها ضد الدولة الإسلامية في الحرب الأهلية السورية إلى تشجيع الأقلية الكردية التركية، والبالغ عدد أفرادها 14 مليونا. 

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.