الصراع على طريق الحرير

 عبدالله الجنيد*
روسيا ومن خلفها الصين لا يمارسان التنمر عسكرياً أو سياسياً بقدر ما هو استشعار للحد الأقصى الممكن لقطر إشعاعهما الجيوسياسي والجيوستراتيجي في التزاحم مع أطراف أخرى دولية، وتمثل حالة عدم الاستقرار القائمة الآن المناخ الأفضل لتوظيف أدوات تقليدية أو غير تقليدية بما في ذلك التدخل العسكري المباشر كما هو حاصل في سوريا الآن.

وما استهداف روسيا لمواقع تابعة للجيش السوري الحر بصواريخ جوالة ( كروز ) من بحر قزوين، إلا بغرض إيصال رسالة سياسية لأكثر من طرف وفي آن واحد. فالروس لم يتحرجوا من اكتشاف مكامن القصور في أداء تلك المنظومة الاستراتيجية عملياتياً، لانها حققت الهدف السياسي منها بتأكيد عزمها في الدفاع عن مناطق نفوذها التقليدية. طريق الحرير يمثل اليوم ما هو أكثر من التجارة و السياسة، لأن السيادة على مسارتة سيحدد مستقبل الخريطة السياسية كونياً لا قارياً أو إقليماً.

لذلك نجد أن عملاقي آسيا يرفضان خفض مستوى الضغط على الولايات المتحدة في فضاءات نفوذها كونيا لا عربيا فقط، فكليهما يلوم الولايات المتحدة الأميركية بشكل مباشر على حالة عدم الاستقرار والفراغ السياسي السائدة التي أنتجها الربيع العربي. فحالة التزاحم على النفوذ قد تبدو جلية للعيان في ساحة مستباحة مثل سوريا اختياراً، لكنها على غير ذلك في واقع الأمر كأفغانستان وأفريقيا الوسطى، وتمارس بأدوات تتفاوت بين الناعمة ( اقتصادية ) أو حروب بالوكالة في أحيان أخرى مثل القرن الأفريقي. ويجب أن لا يقرأ الاستقرار النسبي الذي تحقق في جمهوريات آسيا الوسطى بأنه قابل للاستدامة، فالصراع على تقاسم النفوذ فيها لم ولن يتوقف. لذلك اختارت روسيا أسطولها العامل في بحر قزوين تحديدا لإطلاق صواريخها الجوالة ( كروز ) لإرسال أكثر من رسالة ولأكثر من طرفاً دولي في آن واحد، بما في ذلك حليفيها الصين و إيران.

استباحة سوريا من قبل كل الأطراف هو بهدف استعراض ارادتهم السياسية أولاً، ولم لم يكن بمحض الصدفة بل بفعل الجغرافيا لتخليق تفاهمات على أكثر من ملف عبر الضغط المباشر على اوروبا في المتوسط بسبب موقفها من القرم، ولدعمها السياسي والعسكري لدول البلطيق ( لاتفيا و إستونيا )، بما في ذلك الاتفاق على ترحيل ملفات أخرى لوقت آخر مثل فريقيا. فروسيا والصين تدركان أن تكلفة خسارتهما للبلقان هو ما أوصل حلف الناتو إلى جورجيا واوكرانيا في خاصرة روسيا، بل أن التمدد جنوباً في بعض جمهوريات آسيا الوسطى أدى لوصول الناتو للحدود الصينية بشكل مباشر. أما شمالاً، فأن خسارة الروس لحرية الملاحة في خليج ريغا وخليج هلسنكي، يُحد من قدرتها الدفاعية والأمنية في الأطلنطي.

من هنا تأتي أهمية إيران لكل من روسيا والصين، لأنها تمثل حائط الصد الأخير بالنسبة لهما، ولن يكون بمقدورهما المغامرة بانتقالها سياسياً من دائرة النفوذ الشرقي للغربي. فأطراف التزاحم الثلاثي يتفق على أن الشخصية الإيرانية برغماتية لا تنقصها الإرادة سابقاً أو حاضراً في توظيف ما يلزم من الأدوات في الدفاع عن ما تراه مصالح قومية، مما يؤهلها لأن تكون الحليف الأمثل اقليمياً بالنسبة للجميع، أو الوريث الشرعي سياسياً في حال انهيار نظام الملالي القائم حالياً. عندما خاطبت زوجة زعيم الصين الوطنية كاي شاك الشعب الأميركي في زيارتها لاستعطاف واشنطن بعد تخليها عن حليفها في الحرب العالمية الثانية ، قائلةً "ما لا يقبل اخلاقياً لا يمكن ان يُتقبَّل سياسياً".

لم يبدي الأميركان أي أسف عندما احتاجوا لفيرموزا في حرب فيتنام، لكن الفرموزيون لم يضيعوا الفرصة في تجاوز كبريائهم لا كرامتهم والاجتهاد في بناء اقتصاد حيوي وضعهم على خريطة العالم، و فرموزا الآن تعد قوة قادرة على الدفاع عن مصالحها. المصالح والقوة الاقتصادية من سيصيغ شكل العالم لا الاخلاقيات السياسة، وأن من سيتحكم في الشكل الماسي جغرافياً انطلاقا من كابول مرورا بطهران حتى طرطوس، ومن طرطوس إلى طرابلس في ليبيا، ومن ليبيا إلى الصومال، سوف يُخضع العالم لإرادتة إلى أن يشاء الله أن لم يتوحد العالم الآن في امتحان إرادة إمبراطوريات الشرق.

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.