أجيال من الإرهابيين من أفغانستان إلى داعش

sda-forum

عدد المشاهدات: 537

تادي عواد*

في محاولة لفهم طبيعة العمليات الإرهابية التي اعتمدها تنظيم القاعدة منذ نشأته، نعود لفترة الجهاد الأفغاني[*] حيث أنشأ تنظيم القاعدة معسكرات لتعليم كيفية "القتال في الزحام" كما يقال وهي مجموعة من دروس الاستخبارات، الخطف والقتل، ودروس تصنيع المتفجرات من مواد متوافرة في الأسواق المحلية، وذلك لتذليل عقبة لوجستية رئيسة تتعلق بصعوبة نقل المتفجرات بالطرق التقليدية عبر المطارات أو المرافئ.

كانت هذه المعسكرات بإشراف مدحت مرسي السيد عمر، مصري الجنسية معروف بـ"أبو خباب المصري" مهندس وخبير في صناعة المتفجرات ومسؤول التدريب في تنظيم القاعدة (قتل في غارة أميركية على المناطق القبلية على الحدود الأفغانية)، تخصص في هندسة المتفجرات وحرب عصابات المدن والعمليات الخاصة، عمل مدرباً في قواعد الجهاز العسكري لتنظيم الإخوان المسلمين قبل انتقاله إلى تنظيم القاعدة.

إن معظم الجيل الأول من تنظيم القاعدة هم من جماعة الإخوان المسلمين أمثال: الشيخ عبد الله عزام، ايمن الظواهري، مدحت مرسي السيد عمر"أبو خباب المصري"، أبو مصعب السوري الذي أسس "معسكر الغرباء" في كابل افغانستان. (اعتقلته السلطات الأميركية في باكستان عام 2005 ورحلته إلى سوريا). وكان الجيل الأول من الخبراء الذين لديهم من الخبرة ما يكفي لصناعة عشرات أنواع المتفجرات في أي مكان من العالم وبمواد متوافرة في الأسواق. أما الجيل الثاني من القاعدة فهم ممن شاركوا في القتال في أفغانستان وتدربوا في معسكرات القاعدة وأهمها معسكر الفاروق. ولحسن الحظ قتل معظم هذين الجيلين خلال الحروب المتلاحقة. 

بعد سقوط أفغانستان، أسقط الملاذ الأمن، فلم يعد بالإمكان السفر والالتحاق بمخيمات التدريب. فبرزت طرق أخرى للجهاد عبر الانترنت وصفحات التواصل الاجتماعية، وهذا ما بات يعرف بالجيل الثالث لتنظيم القاعدة. فهم من الهواة الذين طوروا خبراتهم من منشورات ودراسات الجيل السابق على صفحات الانترنت، فتوجهت القاعدة للمسلمين بأميركا وأوروبا على وجه التحديد بأن هناك طرقاً أخرى للجهاد دونما الإلتحاق بمخيمات التدريب، وإنما "يمكنك الجهاد حيث أنت". ويبرر منظرو القاعدة هذا الخيار أنه أفضل في استثمار الوقت والامكانات المادية والبشرية، فلماذا تنظيم عمليات كبرى كخطف طائرات وتوجيهها نحو ناطحات سحاب في عمليات معقدة تستلزم التدريب الطويل والحصول على تأشيرات السفر والتخفي لسنين طويلة، في حين يمكن الحصول على مئات الجثث من قتلى عمليات مباشرة وحيدة يقوم بها مواطن محلي. يعود الفضل في انتشار الموجة الثالثة لتنظيم القاعدة إلى "أنور العولقي" وهو أميركي من أصل يمني. قد استرعى انتباهه صعوبة القيام مجدداً بعمليات جهادية ضخمة مثل هجوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر أو تفجيرات مدريد في آذار/مارس 2004 أو تموز/يوليو 2005 بلندن، فانتقل بالتركيز إلى المجموعات الصغيرة جداً التي يسهل دعمها ايديولوجياً ولوجستياً، وحتى الأعداد الحربي يمكن أن يتم عن بعد فلا حاجة بعد اليوم للمعسكرات.

ويعتبر العولقي أول من أطلق مجلة جهادية باللغة الإنجليزية  تحمل عنوان "انسباير" (إلهام). كانت مجلة Inspire مصدراً جيداً إلى "الجهاديين" يوفر لهم تفاصيل عمل المتفجرات والإجراءات الأمنية التي تساعد "الجهاديين" بالتخفي وعدم تعرضهم للمراقبة والشبهات. وجاءت تفجيرات ماراثون بوسطن يوم 15 نيسان/أبريل 2013، لتبرهن استمرارية وفاعلية عمل الخلايا الفردية. وكانت مجلة Inspire تصدر من تنظيم الجزيرة العربية واليمن وبإشراف الأميركي سمير خان والعولقي قبل اغتيالهما معاً في تشرين الأول/أكتوبر 2011 في اليمن، بواسطة طائرة من دون طيار. روجت المجلة لما بات يعرف بـِ "استراتيجية الذئاب المنفردة" والذي وضع أسلوب جديد في المواجهة يرتكز على تنشيط الخلايا الصغيرة غير المترابطة، وأسلوب العمل الفرادي المرتكز على الولاء الروحي والمعنوي فقط.

أما الجيل الرابع، هو جيل "داعش" الذي استفاد من خبرات حرب العراق وسوريا لتطوير خبراته، بحيث نظم عمليات إرهابية ناجحة حول العالم، فمن منظور داعش تعتبر اعتداءات باريس نجاحاً عسكرياً وإعلامياً ينضم إلى نجاحين سابقين هما الاعتداء الانتحاري في بيروت الخاضعة لسيطرة حزب الله (43 قتيلا) وإسقاط الطائرة الروسية في شبه جزيرة سيناء (224 قتيلا)، حيث تجسد هذه العمليات الإرهابية الفتاكة الثلاث المتوالية والممتدة على فترة قصيرة نسبيا من أسبوعين، قدرة داعش العملياتية على تنفيذ عمليات معقدة في ساحات متباينة بعيدة عن معاقله في سوريا والعراق، وتمثل خروجاً عن أنماط عمله كما عرفت حتى الآن، إذ كانت اعتداءات داعش الإرهابية، تتميز أساساً بـ "البساطة" من الناحية العملياتية، وكان ينفذها في معظم الحالات أفراد كانوا متضامنين مع داعش ومستلهمين به ولكنهم لم يكونوا موجهين منه.

 أما الاعتداءات الأخيرة في باريس، فيبدو أنها كانت مخططا لها وموجهة من مسؤولي داعش في سوريا، إذ كان مثل هذه السلسلة من الاعتداءات يستوجب تخطيطا دقيقا، وتنظيما عملياتيا ولوجستيا واستخباريا مسبقاً كانت بلجيكا تمثل مركزه اللوجستي.

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.