بعد “رعد الشمال” ليس كما قبله

عدد المشاهدات: 742

 العميد م. ناجي ملاعب

عندما يرعى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ختام هذا التدريب الاستثنائي "رعد الشمال" في حضور قيادات عربية وإسلامية رفيعة المستوى، فإنه يدشن بذلك مرحلة جديدة ومختلفة من العمل العربي والإسلامي المشترك لأول مرة في تاريخ الأمتين بمشاركة هذا العدد الكبير من القوات العسكرية البرية والجوية والبحرية.

وعندما تقود المملكة تمريناً عسكرياً بهذه الضخامة في وقت تسلل اليأس إلى الشعوب العربية وفقدت الأمل في التوحد والتعاون والتكامل، فإنها تؤكد بذلك أن هناك من يسهر على انتشال مصير هذه الأمة من براثن الغدر وقوى الشر والإرهاب.

لقد اختارت المملكة عبر هذا التمرين العسكري تحقيق اللبنة الأولى في العمل المشترك[*] لبناء القوة القادرة على ردع الإرهاب، استجابة لمتطلبات التحديات الراهنة.

هذا الكلام يتجسد بوقائع تجاوزت إثبات القوة عن طريق التمارين وصولاً إلى مداميك النجاحات المتتالية للعمليات العسكرية المتمثلة بـ "عاصفة الحزم" لدعم الشرعية في اليمن، ومشاركةً القوات الملكية الجوية في عمليات التحالف الدولي ضد "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق" والعرض الجدي الذي ذهبت به المملكة إلى قيادة التحالف الدولي لوضع القوى البرية بتصرفها لمحاربة ودحر تنظيم "داعش". ولا تخفى على أحد " الهمة" والإرادة السعودية في حث الدول العربية على تكوين "القوة العربية المشتركة" والتي أيدتها مصر، ولم تبصر النور حتى اليوم رغم عرضها وتبنيها في قمة الملوك والرؤساء العرب العام الماضي في شرم الشيخ.

ولم تستكن المملكة إلى التردد العربي في تنفيذ مقررات القمة العربية فاتجهت إلى شد أزر التعاون الإسلامي وتوصلت إلى تكوين تحالف عسكري إسلامي بقيادة سعودية في سبيل القضاء على الإرهاب الذي تلبّس، في معظمه، لبوساً إسلامياً وكانت الحواضر الإسلامية أكثر ضحاياه، وووصلت شظاياه الى خارج العالم الإسلامي مهددة صورة الإسلام الصحيح.          

أكبر التمارين العسكرية في العالم، من حيث عدد القوات المشاركة، واتساع منطقة المناورات:

ووصفت وكالة الأنباء السعودية، في بيانٍ سابقٍ، تمرين رعد الشمال بأنَّه أحد أكبر التمارين العسكرية في العالم، من حيث عدد القوات المشاركة، واتساع منطقة المناورات. ويبلغ عدد القوات المشاركة في مناورات رعد الشمال، 350 ألف جندي من 20 دولة، ويشارك فيها 2540 مقاتلة و20 ألف دبابة و460 مروحية، ومئات السفن.

وتضمنت المناورات العديد من الأنشطة التدريبية المكثفة للقوات المشاركة بمعسكرات التدريب الخارجي في نطاق مدينة الملك خالد العسكرية في منطقة حفر الباطن شمال المملكة العربية السعودية، ومنها رفع معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي وتنظيم المحاضرات النظرية والعملية على الموضوعات العامة والتخصصية لتوحيد المفاهيم وتحقيق التقارب والتفاهم بين القوات المشاركة.

ونفذت القوات المشاركة في التدريبات مشروعاً لمراكز القيادة يتضمن عددًا من المباريات الحربية وفرض المواقف التكتيكية غير المخططة للتأكد من قدرة وكفاءة القادة والقوات على كافة المستويات لتنفيذ أي مهمة قد تسند اليهم تحت مختلف الظروف ومجابهة التغيرات المفاجئة التي يمكن التعرض لها أثناء إدارة العمليات.

كما نفذت القوات مناورة تكتيكية كبرى من خلال عناصر مشتركة من القوات البرية والجوية والدفاع الجوي والقوات الخاصة للدول المشاركة.

ويعتبر الخبراء العسكريون مناورات "رعد الشمال" واحدة من أكبر التدريبات المشتركة التي تشهدها المنطقة من حيث نوعية وأعداد الأسلحة والمعدات المشتركة، بما يمثل نقله نوعية في نقل وانتشار واستخدام القوات المشتركة والتعاون لتوظيف الإمكانيات المتاحة وفقاً لأحدث الخبرات والتكتيكات والمنظومات العسكرية المتطورة، في ظل دمج الإمكانات بين الدول المشاركة لتحقيق التلاحم والترابط بين الجيوش العربية الشقيقة وتعزيز العلاقات مع الدول الصديقة، تأكيد مدى جاهزيتهم القتالية لمواجهة المخاطر والتحديات.

 مناورات ضخمة تحت المجهر الدولي

يقول المحلل السياسي العميد حسن الشهري "إن إقرار إنشاء رعد الشمال في خضم هذه الأحداث في العالم العربي، إضافة إلى التحالف العربي لإعادة الشرعية للحكومة اليمنية، دليل انتصار "عاصفة الحزم"، إذ إنه يظهر قوة المملكة، وهذا الأمر أثار الرعب في قلوب الانقلابيين على كافة الأصعدة، وتسبب في نشوب الخلافات والانقلابات الداخلية.

وأشار الشهري إلى إن المملكة هي الدولة الوحيدة بين الدولة المشاركة في مناورة رعد الشمال التي تمتلك طائرة "أواكس" كما أنها تمتلك نظاما متطورا جدا في مراكز العمليات، لافتًا إلى أنه من الأهداف الأساسية في مناورة رعد الشمال رفع الجاهزية والقدرة على مواجهة أي عمل عسكري في ظل هذه الظروف، بل إنه من الممكن الذهاب أبعد من ذلك، حيث يكون هنالك اتفاق سياسي لإنشاء تشكيل عسكري على غرار حلف الناتو الموجود في القارة الأوروبية، وأكمل: "هذه المناورة جعلت دول العالم تراقب ما الذي سيحدث وسط قلق عارم".

وفي تطمينات إقليمية لأهداف هذا التمرين، قال العميد أحمد عسيري مستشار وزير الدفاع السعودي، خلال مؤتمر صحفي، قبل يومين، إن رعد الشمال ليست موجهة ضد إيران، وشدد العسيري على أن أمن السعودية وأمن دول الخليج "خط أحمر"، مضيفاً "من حقنا أن نرفع كفاءتنا القتالية لمواجهة كافة التهديدات".

حضور عالي المستوى في الحفل الختامي

وقالت وكالة الأنباء السعودية الرسمية، إنه وصل حفر الباطن في 9 آذار/مارس كل من رؤساء مصر عبدالفتاح السيسي والسودان عمر حسن البشير وجيبوتي إسماعيل عمر جيله وموريتانيا محمد ولد عبدالعزيز، وتشاد ادريس ديبي إنتو، وجمهورية القمر المتحدة اكليل ظنين، والسنغال ماكي صال،لحضور المناورة الختامية والعرض العسكري للقوات المشاركة في التمرين.
كما وصل أيضاً، كل من رئيس الحكومة المغربية، عبدالإله بنكيران ورئيس وزراء باكستان محمد نواز شريف، يرافقه قائد جيش بلاده، الفريق أول رحيل شريف والوزير المسؤول عن شؤون الدفاع بسلطنة عمان، بدر بن سعود بن حارب البوسعيدي، ورئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، الفريق محمود حجازي.
كذلك وصل إلى حفر الباطن كل من وزير الدفاع والأمن الوطني المالديفي، آدم شريف، وقائد القوات المسلحة الماليزي، ذو الكلفي محمد زين، ورئيس هيئة الأركان الموريتاني، الفريق الشيخ الغزواني، وقائد القوات المسلحة في بروناي، اللواء بهين محمد تاويه.
وذكرت وكالة الأنباء القطرية، أن الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، سيتوجه إلى السعودية، صباح 10 آذار/مارس لحضور الحدث نفسه الذي سيقام في مدينة الملك خالد العسكرية بمحافظة حفر الباطن.

ومن المزمع عقد لقاء قمة بين الملك سلمان والسيسي على هامش ختام المناورات ومن المتوقع أن يتشاور الزعيمان في مختلف قضايا المنطقة العربية. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير علاء يوسف، إن "المناورات شهدت تدريبات مكثفة على مواجهة التهديدات المحتملة سواء في إطار الحرب النظامية أو غير النظامية، كما تم خلالها التعاون الوثيق بين مختلف عناصر القوات المسلحة من الدول العربية المشاركة لتحقيق الأهداف المرجوة من المناورات".

وأضاف المتحدث الرسمي أن "الرئيس حرص على مشاركة مصر في مناورات رعد الشمال في إطار دورها القومي لتعزيز أمن واستقرار المنطقة العربية إقليمياً ودولياً، والتزاماً بتعزيز روح التعاون الإيجابية البناءة بين الدول العربية، وهو الأمر الذي يؤكد حرص مصر على توطيد العلاقات العربية ودفعها قدماً في شتى المجالات، ولا سيما في تلك المرحلة الدقيقة التي يمر بها عدد من دول المنطقة العربية والتي تستلزم تحقيق وحدة الصف والتضامن العربي".

ولفت يوسف إلى أن "اهتمام الرئيس بحضور البيان الختامي لمناورات رعد الشمال، يأتي في إطار حرص مصر على دعم وتعزيز الأمن القومي العربي وأمن دول منطقة الخليج العربي الذي تعتبره مصر جزءاً لا يتجزأ من أمنها القومي".

لقد أثبتت المملكة العربية السعودية في ظل القيادة الحالية أنها فعلاً نواة للعمل العربي المشترك، فهي سعت وحققت تعديلاً لمبادئ مجلس التعاون الخليجي لناحية اتخاذ القرارات بالأكثرية بعد أن كان مكبلاً منذ إنشائه بمبدأ الإجماع، وبذلك اتخذت المملكة زمام المبادرة وانطلقت خليجياً وعربياً وإسلامياً. وما يبشر بالأمل هو التنسيق والتكامل في السياسات مع القيادة المصرية والتدريبات مع الجيش المصري – ثاني أكبر قوة مشاركة في التمرين – وأكبر جيش عربي لعام 2015 دون الإنتقاص من قدرات الجيوش العربية الأخرى.

وكما يقول المصريون "الأرض بتتكلم عربي" كلنا أمل بأن تكون المنطقة بعد "رعد الشمال" ليست كما قبله.

segma

Be the first to comment

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

Translate
Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.