أخبار مهمة

جسر الملك سلمان… توازنات جديدة فوق البحر الأحمر

العميد الركن خالد حمادة*

ما بين سقوط صنعاء في 21 نيسان/أيلول 2014 بيد حركة مسلّحة فرضت واقعاً سياسياً وعسكرياً شاذاً في اليمن، والإعلان عن بدء المفاوضات بين الحكومة الشرعية والحوثيين في الكويت في 18 نيسان/أبريل الجاري لإنهاء عملية الانقلاب، مجموعة تحوّلات ميدانية وسياسية. ملء الفراغ الذي أحدثه الانكفاء الأميركي وملأته جهات متطرفة وإرهابية أشعل حروباً بالوكالة بين القوى الإقليمية. التداعيات المتفاعلة الناجمة عن الصراع المتعدد الأوجه ستطبع مستقبل التوازنات الإقليمية والدولية وحدود مناطق النفوذ في الشرق الأوسط.

زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز إلى مصر شكّلت تطوراً بالغ الأهمية في مسار تحقيق التوازن مع إيران، على أطراف الجزيرة العربية وعلى امتداد البحر الأحمر حتى قناة السويس. عاصفة الحزم قدّمت نموذجاً عن الخيار الحرج المتبقي الى جانب خيار الاستسلام لتفكيك ما تبقى من العالم العربي.

تستوقفنا الرؤية الشاملة لمفاصل ونقاط الاهتمام في هذه الزيارة، ويأتي في مقدّمها مشروع «جسر الملك سلمان» البري الذي يربط مصر بالمملكة، والذي يشكّل المحاولة الأولى لربط الأقطار العربية بعد مئة عام تماماً على توقف سكة حديد الحجاز التي أُسست إبّان حكم السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، لخدمة الحجاج المسلمين وربط أقاليم الدولة العثمانية. سكة حديد الحجاز التي يستعيدها من ذاكرتنا جسر الملك سلمان، والتي كانت تصل دمشق بالحجاز عبر الأردن كما كانت تصل دمشق بفلسطين ومصر عبر حيفا، تحوّلت محطاتها إلى حدائق عامة. القيمة الاستراتيجية لهذا الجسر الحيوي إلى جانب دوره الاقتصادي، هي في دوره التنموي الذي يصب في جهود المملكة ومصر في مكافحة الإرهاب عن طريق تأمين مرفق متاح للتواصل البشري اليومي يطوّر الحياة في شبه جزيرة سيناء التي لا زالت تشكّل موطئاً للجماعات الإرهابية ومصدر تهديد للأمن المصري.

أمّا الدور الأمني لهذا الجسر الممتد فوق جزيرتيّ تبران وصنافير الواقعتين عند مدخل خليج العقبة، فهو في القدرة على السيطرة على مضائق البحر الأحمر وعلى الحركة في قناة السويس والحركة القادمة من الخليج العربي وبالتحديد من الموانئ الإيرانية، وهذا ما أدى سابقاً الى تعطّيل تنفيذه لمرات عدة كان آخرها إبّان حكم الرئيس حسني مبارك.

زيارة خادم الحرمين الشريفين للأزهر الشريف كانت السند الإيديولوجي الذي أعاد المرجعية الدينية إلى نصابها، وطوى صفحة كل التأويلات والإتهامات التي حاولت التأسيس للتطرف واختلاق مرجعيات أخرى بعيداً عن المرجعية التاريخية. في هذه الزيارة تأكيد للتأثير الكبير للأزهر على العالم الإسلامي برمّته ولدوره في إضفاء الشرعية على الإجراءات الحكومية في محطات أساسية. الأزهر الذي بلوّر دائماً نموذجاً لإسلام وسطي حاضن والذي استعاد موقعه الريادي مع ثورة 25 يناير في مصر، وحسم صراعه مع الفاعلين الجدد في إدارة المقدس، كان له موقف من وصول الإخوان إلى السلطة، وأتت مباركته لخروج الجماهير في 30 يونيو متقاطعة مع موقفه الرافض للدولة الدينية.

لقد جذّر الأزهر دوره القيادي بانتزاع صفة الوسطية وتجسيدها وطنياً من خلال وثائق تناولت مستقبل مصر ومنظومة الحريات الأساسية وحقوق المرأة. كما أصدر على وقع التوترات المتصاعدة مع الأقباط مبادرة “بيت العائلة المصرية”، التي ضمّت إلى جانب الأزهر الكنائس المسيحية الثلاث من أجل احتواء مظاهر الاحتقان. كما أصدر وثائق هامة، حين وجد نفسه فجأة بمواجهة متغيرات سياسية ودينية عميقة، ارتكزت أهميتها ودوافعها على الخوف من صعود الإسلام السياسي والقلق على ما يجري في العالم العربي في أزمنة التغيير وتفاقم العنف في مصر والعالم العربي.

المحور العربي الجديد الذي تشكّل المملكة العربية السعودية قاطرته العسكرية والاقتصادية، وتشكّل مصر عمقه الاستراتيجي وصلة الوصل بين أفريقيا وآسيا وبين المشرق والمغرب العربي، سيشكّل نموذجاً لمكونٍ عربي جدير ووازن، يتمتع بفائض القوة، وسيأخذ دوره حكماً في إطار الأمم المتّحدة وسيلغي العبث الإقليمي بالاستقرار العربي مستنداً إلى التحالف العسكري الإسلامي الذي تشارك به 40 دولة، ومستظلاً مرجعية دينية معتدلة لها جذورها التاريخية ومصداقيتها على امتداد العالم الاسلامي.

العملية السياسية في كل من سوريا واليمن وليبيا اتّخذت مساراتها برعاية الأمم المتحدة. الحلول المتداولة تعتمد على المحافظة على حدود الكيانات وإعطاء الأدوار الرئيسية للمؤسسات الرسمية، وفي طليعتها المؤسسات الأمنية وعلى إقصاء الميليشيات والمكوّنات المتدخلة من خارج الحدود. القوى الإقليمية وفي طليعتها التحالف العسكري الإسلامي باتت عنصراً لا يمكن تجاوزه بالرغم من عدم قدرتها على الخروج على إرادة القوى الكبرى.

الخيارات المطروحة على الإدارات السياسية في دول عديدة في المنطقة ومن بينها لبنان، لن تتجاوز التوازنات الجديدة التي أرستها التطورات الميدانية والقرارات الدولية، فهل نستطيع التحلي بشيء من الحكمة في احتساب موازين القوى الجديدة؟ وهل تتوقف عن رسم أدوار خيالية في سيناريوهات وهمية؟

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والاستشارات

segma

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.