أخبار مهمة

العقيدة العسكرية وأدواتها

عبدالله الجنيد* – 

العقيدة العسكرية (Doctrine) يجب أن تتماهى والرؤية السياسية في قدرتها على ضمان الأمن القومي أولاً، والتحفيز على الاستقرار جيوسياسياً بالإضافة لقابلية توظيف عناصر القوة جيواستراتيجياً، وما تقدم هي الثوابت الدائمة مع ضرورة تطويرها بما يتناسب والرؤية السياسية أو التحديات الطارئة في حالتي السلم أو الحرب. وتعتبر أداة “قدرة إبراز القوة” (Power Projection) إحدى أهم وسائل العقيدة العسكرية في حالتي السلم والحرب للدول صاحبة النفوذ الكوني أو الإقليمي، وسلاح  الجو يتصدر تلك الأدوات بفرعيها المحمول بحراً أو المنطلق من قواعدها أو أخرى حليفة أو صديقة.

يبقى سلاح الجو الذراع الطولى (Long Arm) في حالتي العمل الاستباقي أو الدفاع، وتطوير كفاءة الإدارة البشرية لذلك السلاح يتجاوز من حيث الأهمية قدرات السلاح ذاته. فالقدرات التكتيكية (Tactical Capabilities) هي الأولوية الأولى لإدارة التخطيط والتطوير النوعي. لذلك نجد إدارات الاستحواذ للأنظمة والسلاح تقاد بمنهجية علمية أولاً لا سياسية كما كان في السابق لدى كل أفرع القوات المسلحة في دول الخليج المتقدمة في شأن الاستحواذ الدفاعي. ويمثل مشروع استحواذ الإمارات على المقاتلة من نوع F-16 Block /60/61 وبمواصفات قياس خاصة وضعت من قبل إدارة الاستحواذ في سلاح الجو في دولة الإمارات بما يتناسب وكل أنواع التهديدات المُحتملة أو المتوقعة. وللعلم فإن دولة الإمارات قد استثمرت قرابة ثلاثة مليارات من الدولارات مع المصنّع للطائرة شركة لوكهيد مارتن (Lockheed Martin) لإنتاج تلك النسختين، وبذلك تعتبر شريكاً أصيلاً فيهما.

والحال نفسه ينطبق على المقاتلة F-15SA والتي تصنع بمواصفات خاصة حسب معايير حددتها قوات سلاح الجو الملكي السعودي، وحال اكتمال توريد كامل العدد المتعاقد عليه بالإضافة إلى تحديث أسطولها من فئة F-15S إلى فئة F-15SA، فإنها ستتحول إلى العمود الفقري لسلاح الجو الملكي السعودي. بالإضافة إلى كل ما تقدم، فإن أسلحة الجو في كل من الكويت وقطر والبحرين هي على أعتاب تنفيذ برامج كبرى في تحديث قواتها الجوية.

سلاح الجو في عاصفة الحزم أثبت قدرته تكتيكياً وفنياً بكل الأبعاد القياسية لأسلحة جو لم تُختبر بهذا الشكل القياسي في تنفيذ عدد المهام. فالخسائر من حيث عدد الطائرات يكاد لا يذكر باحتساب عدد ساعات الطيران، أو تنفيذ المهام في أجواء معادية. كذلك كانت عمليات الانتشار في أكثر من بلد حليف أو صديق مثل الأردن وتركيا، مما أثبت قدرة هذه المنظومة المتكاملة على إنفاذ الارادة السياسية في أكثر من مسرح عمليات مع الاحتفاظ بقدرة تلك المنظومة على ضمان الأهداف الاساسية التي حددتها قيادتها العسكرية في عقيدتها العسكرية.

وقد تمثل عمليات استهداف تنظيم القاعدة في ابين وحضرموت أفضل أمثلة إنفاذ الإرادة السياسية من قبل القيادة العسكرية وبكفاءة عالية من مرحلة التخطيط إلى التوظيف الأمثل لعناصر القوة المشتركة (Joint Strike Force). والمكونة من استطلاع، قوات خاصة، دروع خفيفة، إسناد من طيران مروحي مضاد للدروع، استطلاع، ودعم جوي. مما حقق الأهداف المحددة عسكرياً وسياسياً لها وإنزال 800 إصابة في صفوف تنظيم القاعدة خلال 12 ساعة من العمليات المكثفة بالإضافة إلى تدمير معظم بناه التحتية ومخازنه، الأمر الذي يعدّ سابقة في الاستهداف المباشر لتلك المنظمة الإرهابية.

ما تبقى الآن هو السؤال التالي: ماهية الأهداف التي سعت اليها تلك العملية العسكرية والسياسية. فبقراءة المعطيات تتضح ازدواجية الأهداف، أولها يمني وثانيهما إقليمي أوسع. فمنذ إعلان التحالف الدولي على الإرهاب في الثلث الأخير من عام 2014 ونحن نسمع وعوداً بالقضاء على داعش في سوريا والعراق. والقراءة السياسية تنبئنا بأن كل الحلفاء في ذلك الحلف لم يعد واثقاً في وجود إرادة سياسية جادة للقضاء على داعش، كذلك كونها الرد الأمثل على توصيف الرئيس اوباما لحلفاءه العرب “اتكاليين” (Free-Rider). لذلك وجب اتخاذ القرار بتوجية تلك الضربة للقاعدة في ابين وحضرموت؛ أولاً لدواعي أمنية وعسكرية في منطقة عمليات كانت تدار أميركياً وبشكل تقليدي لم يحقق الأهداف المرجوة، وثانياً لنقل رسالة واضحة للمجتمع الدولي بقدرة المنظومة الخليجية بقيادة السعودية والإمارات بالإضافة للكتلة القادرة معها على اقتلاع داعش من سوريا والعراق أو حتى في مسارح عمليات أبعد من ذلك.

*كاتب ومحلّل سياسي

sda-forum

Be the first to comment

اترك رد

Copy Protected by Chetan's WP-Copyprotect.